يقضي الكثير من الشباب أوقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي زاد أكثر في ظل جائحة كورونا وعمليات الإغلاق التي تشهدها عديد الدول حول الإعلام في ظل الموجة الثانية للانتشار. يعود هنا دائمًا الحديث عن تأثير هذا الأمر على صحة هؤلاء العقلية ومدى وجود آثار سلبية محتملة.

بشكل عام، يعلم الكثير من الناس أن البقاء على وسائل التواصل الاجتماعي لأوقات طويلة هو عادة غير جيدة، إذ تشير الدراسات إلى أن هذا الأمر يمكن أن يكون له آثار سلبية على الصحة العقلية. لكن في المقابل، يمكن أن يكون لهذه المنصات تأثير جيد يتعلق بقدرتنا على الأداء الجيد خلال حياتنا اليومية والتأثير على صحتنا الجسدية.

المقارنة مع الآخرين.. تأثير سلبي

تدعم دراسة جديدة من جامعة كولومبيا البريطانية هذا التوجه المتعلق بوجود تأثيرات إيجابية وسلبية فيما يتعلق بمواقع التواصل الاجتماعي على الصحة العقلية. فقد وجدت الدراسة أن عملية التصفح عبر فيسبوك وتويتر وإنستجرام تؤثر سلبًا على رفاهيتنا. فكلما زاد عدد المستجيبين الذين استخدموا هذه المواقع مؤخرًا، سواء بشكل إجمالي أو فردي، زاد التأثير السلبي الذي أبلغوا عنه عندما استجابوا لاستطلاعات على مدى 10 أيام.

يبدو أن جزءًا كبيرًا من هذا يرجع إلى أن مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يقارنون أنفسهم بالآخرين، وهو ما يعطي دائمًا شعور سلبي بالنقص. قد يؤدي عرض الصور والتحديثات التي تصور الآخرين بشكل إيجابي بشكل انتقائي (أي عبر نشر هؤلاء للحظاتهم الإيجابية دون السلبية، وهي عادة معروفة في وسائل التواصل) إلى توجيه مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى التقليل من شأن شعور الآخرين بالمشاعر السلبية الذي يملأ حياتهم في الواقع.

ما يقود الناس بالتبعية، إلى استنتاج أن حياتهم الخاصة بمزيجها من المشاعر الإيجابية والسلبية ليست جيدة. كانت النتائج أكثر وضوحًا عندما قارن الباحثون بين التفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالتفاعلات خارج الإنترنت (بما في ذلك المكالمات الهاتفية)، ووجدوا أن التفاعل عبر الهاتف زاد من المشاعر الإيجابية للمشاركين.

وقام الباحثون في تلك الدراسة باستطلاع طلاب الجامعات، لذا قد لا تعكس نتائجهم بدقة تجارب المجتمع الأوسع، وكان هناك 77 مشاركًا فقط في النهاية. لكن في النهاية هذا بحث جديد يضاف إلى الأبحاث الأخرى التي أظهرت أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي له تأثير سلبي على الرفاهية.

دراسات أخرى.. وتأثير إيجابي «للسوشيال ميديا»

في المقابل وجدت دراسة أكبر شارك فيها 400 شخص أجريت على مدى عام، أن استخدام مثل هذه التقنيات الافتراضية أو مواقع «السوشيال ميديا» يمكن أن يعزز الصحة العقلية للشباب. ليس هذا فحسب، بل إنه بينما يقلل أخذ فترات راحة من مواقع التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك»، من مستويات الإجهاد الفسيولوجي، لا يتطابق هذا بالضرورة مع شعور الناس. المشاركون في هذه الدراسة أبلغوا عن وجود مستويات أقل من الرفاهية خلال فترات الراحلة تلك، وذلك بعكس المفترض.

دولي

منذ سنة واحدة
كيف حول مارك زوكربيرج «فيسبوك» لديكتاتورية مستبدة؟

مثل هذه النتائج المختلطة جعلت الباحثين يجادلون في أن كيفية استخدام وسائل التواصل الاجتماعي هي العامل الأكبر في تأثيرها على الرفاهية والصحة العقلية. وتعد محاولة فهم أفضل طريقة للتواصل مع الآخرين أمرًا مهمًا بشكل خاص الآن حيث نحاول الحفاظ على مسافة متباعدة عن بعضنا البعض للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد.

كلمة السر: تعزيز التفاعل بين البشر

يعتقد الباحثون أن المفتاح هنا قد يكون استخدام هذه المنصات لتمكين عملية التفاعلات المباشرة بين البشر، وهو أمر نادرًا ما كان المشاركون في الدراسات الحديثة يفعلونه. فالأشياء التي تعزز الترابط الاجتماعي، مثل التحدث مع بعضنا البعض بشكل متزامن، يمكن أن تقلل من هذه التأثيرات السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي.

وبالإضافة إلى التركيز على التفاعلات، يجب أن نحاول أيضًا مقاومة مقارنة أنفسنا بمستخدمي «السوشيال ميديا» الآخرين. إذا تذكرنا جميعًا القيام بذلك، فإننا لن نقلل فقط التأثير السلبي لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بل يمكن لمواقع الشبكات الاجتماعية أن يكون لديها القدرة على تحسين رفاهيتنا وسعادتنا أيضًا.

اقترحت دراسات أخرى أن التفاعلات الإيجابية والمشاركة في العمل الجماعي من خلال «السوشيال ميديا»، يمكن أن تعزز الرفاهية. ولكن فقط عندما ينشر المشاركون نشاطًا علنيًا، وهو ما يدعم فكرة أن الاستخدام التفاعلي النشط بدلًا عن الاستخدام السلبي (مجرد عملية تصفح هذه المواقع) قد يكون أكثر فائدة لعواطفنا.

الشباب لن يتوقفوا عن استخدام تلك المنصات

ينشأ الشباب اليوم في عالم رقمي، والساعات التي يقضونها على هواتفهم الذكية كل يوم ربما تثير قلق العديد من الآباء. بين عامة الناس، هناك رواية شائعة مفادها أن الهواتف الذكية تدمر الجيل القادم؛ مما يتسبب في زيادة حالات الاكتئاب، والقلق والانتحار لدى المراهقين. ومع ذلك، على الرغم من كل هذه الهستيريا، لا يوجد أي دليل قوي على ما إذا كان وقت الشاشة الرقمي يسبب مشاكل الصحة العقلية لدى الشباب.

الحقيقة هي أن الأطفال والمراهقين لن يتوقفوا عن استخدام وسائل «السوشيال ميديا» في أي وقت قريبًا، وتشير دراسات إلى أنهم ربما لا يحتاجون إلى ذلك. بتتبع استخدام الهواتف الذكية لدى المراهقين الأمريكيين، وجد هؤلاء الباحثون أن زيادة «وقت الشاشة» لا علاقة لها بالصحة العقلية السيئة.

في الواقع، في بعض الحالات، أدى استخدام التكنولوجيا إلى تقليل مشاعر القلق وأعراض الاكتئاب بين المشاركين. خلص الباحثون إلى أنه خلال دراستهم المطولة للمراهقين، وجدوا القليل من الأدلة لدعم الارتباط أو الترابط السببي بين استخدام المراهقين للتكنولوجيا الرقمية وأعراض الصحة العقلية السلبية.

Embed from Getty Images

بل وجد الباحثون بشكل ملحوظ بعض فوائد استخدام الهاتف الذكي. فهؤلاء الشباب الذين أرسلوا رسائل نصية أكثر، على سبيل المثال، أبلغوا عن مستويات أقل من الاكتئاب. وهؤلاء المراهقون الذين يقضون معظم الوقت في التكنولوجيا في إنشاء المحتوى الخاص بهم قد يتمتعون بدلًا عن ذلك بصحة نفسية أفضل.

تبدو أن هناك الآن حاجة إلى مزيد من البحث لفهم ما إذا كانت مواقع الشبكات الاجتماعية التي تعزز تفاعلًا اجتماعيًا مباشرًا أكبر نسبيًا يمكن أن تزيد من الرفاهية بشكل مؤكد وواضح. في غضون ذلك ربما سيساعدك بالتأكيد تجنب عملية التصفح اللانهائي عبر أخبار شبكات التواصل الاجتماعي الخاصة بك.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد