أبو سيروان سائق سيارة أجرة كردي في كركوك يقول لـ«ساسة بوست» إننا في كركوك خائفون من مرحلة ما بعد «داعش» في الموصل، وإن نذر حرب تلوح في الأفق بين الأكراد والحكومة المركزية.

أسعد محمـود مواطن تركماني يعمل مدرسًا في كركوك، يقول لنا «إن بوادر الفتنة واضحة، ونخشى من حرب بين بغداد والإقليم والضحية كالعادة هو المواطن. ويضيف أسعد أن الانقسام في كركوك وصل إلى حد أن موظفي المحافظة من فئتين اثنتين فئة محسوبة على الحكومة المركزية وفئة معينة من الإقليم».

لا يخرج العراق من أزمة أو مشكلة حتى يقع في أخرى، فالعراق الذي لم يحسم معركته ضد «تنظيم الدولة» حتى الآن يدخل في مشكلة قد تتحول إلى صراع عسكري جديد؛ كركوك المعضلة القديمة الجديدة بين الأكراد وحكومة بغداد.


نجم الدين كريم محافظ كركوك – والذي ينتمي لحزب الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يتزعمه الرئيس العراقي الأسبق جلال طالباني – بدأ الأزمة بدعوته لاجتماع مجلس محافظته ليخرج المجلس بعد إذن بقرار ينص على رفع علم إقليم كردستان إلى جانب العلم العراقي على كافة المباني الحكومية في المحافظة، فضلًا عن استخدام اللغة الكردية في المخاطبات الرسمية إلى جانب العربية. يذكر أن الأعضاء الأكراد هم فقط من حضر الجلسة وصوت على القرار مع غياب ممثلي التركمان والعرب.


كركوك.. الذهب الأسود

عارف سعدون تاجر من كركوك يسكن في حي الواحد من حزيران يقول لـ«ساسة بوست» إن الوضع في المدينة لا يبشر بخير، وإن الخلاف في المدينة ليس بين الحكومة والإقليم فقط، بل بين جناحي الأكراد، أي بين الحزبين الرئيسين في الإقليم المتمثلين بالاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني في السليمانية وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يتزعمه مسعود بارزاني، ويضيف: أعلم أن هناك خلافًا وصراعًا بين الحزبين للسيطرة على المدينة لما تحويه من ثورة هائلة.

تنتج كركوك أكثر من 650 ألف برميل من النفط يوميًا من حقولها التي جعلتها من أغنى المدن العراقية، ثروة نفطية هائلة واحتياطي يقدر بأكثر من عشرة مليارات برميل من النفط تضمها أراضي المحافظة، تجعل الأكراد يصرون على المضي قدمًا برفع العلم، بل التهديد بإجراء استفتاء شعبي لضم المدينة إلى إقليم كردستان وجعل بغداد تحت الأمر الواقع.

وفقًا للدستور العراقي، تعد محافظة كركوك من المناطق المتنازع عليها بين المركز والإقليم، ويسعى الأكراد إلى ضم المدينة إلى إقليم كردستان المتمتع بحكم ذاتي منذ حرب الخليج الثانية. يذكر أن المدينة تعد خارج الحدود الإدارية لإقليم كردستان، إلا أنه وبعد انسحاب الجيش العراقي المتمثل بالفرقة الــ 12 من المدينة تزامنًا مع سيطرة «تنظيم الدولة» في يونيو (حزيران) عام 2014 على محافظات نينوى وصلاح الدين وأجزاء واسعة من الأنبار. استغلت قوات «البشمركة» الفرصة حينها وسيطرة على معظم أراضي المحافظة.

المركز يرفض والإقليم يصر

وصل التوتر بين المركز والإقليم إلى مستوى جديد برفض الأكراد قرار مجلس النواب العراقي الذي صوت بالإجماع على رفع العلم العراقي فقط في كركوك. إذ قال ريبوار طالباني رئيس مجلس محافظة كركوك «إن قرار البرلمان غير قانوني وغير دستوري، وإن العلم الكردي سيظل مرفرفًا في المدينة».

بغـــداد، خرجت عن هدوئها وصمتها، حيث قال سعد الحديثي المتحدث باسم الحكومة العراقية «إن قرار رفع العلم الكردي في كركوك غير دستوري وغير قانوني، ولوّح وهدد باتخاذ اجراءات عقابية صارمة من بينها إيقاف صرف رواتب المحافظة كليًا».

في وقت لا تزال فيه أجزاء واسعة من كركوك تحت سيطرة «تنظيم الدولة»، يلوح في الأفق صراع عسكري جديد لتكون خارطة الصراع كالآتي:

الحكومة العراقية ضد التنظيم – الأكراد ضد التنظيم – الحكومة العراقية ضد الأكراد.

أي حرب الجميع ضد الجميع.

كركوك التي تشهد صراعًا بين الحكومة المركزية وإقليم كردستان لا تزال مناطق فيها تحت سيطرة «تنظيم الدولة» كمدينة الحويجة التي تبعد 30 كم غرب كركوك، والتي تعد خاصرة المدينة وبؤرة توتر وتهديد لكركوك التي شهدت هجومًا كبيرًا استمر ثلاثة أيام في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي نفذه تنظيم الدولة وراح ضحيته العشرات.


رفض أممي وإقليمي

الأمم المتحدة كان لها موقف من قضية العلم؛ إذ أعربت بعثة الأمم المتحدة في العراق والتي تعرف اختصار بـ(يونامي) في بيان لها أنها تشعر بالقلق إزاء القرار الذي اتخذه مؤخرًا محافظ كركوك برفع علم إقليم كردستان في كركوك، وأضافت يونامي أن الحكومة العراقية أوضحت أنه بموجب الدستور العراقي الاتحادي، فإن كركوك هي من اختصاص الحكومة المركزية في بغداد، وأنه لا ينبغي رفع علم في المحافظة غير العلم العراقي.

وحذرت البعثة الأممية في بيانها من أن الخطوات الأحادية الجانب ستعرض التعايش السلمي بين المجموعات الدينية والإثنية للخطر.

إقليمًا، أفصحت إيران عن موقفها من رفع العلم الكردي في كركوك، حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي «إن موقف بلاده مع دعم وحدة أرض العراق وسيادته والتأكيد على التزام جميع الاطراف بالدستور وتسوية الخلافات في هذا البلد عبر الحوار والسبل القانونية».

أما تركيا التي لا يخفى على أحد موقفها من القضية الكردية فقد قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن بلاده ترفض بتاتًا المزاعم بأن كركوك كردية، وأضاف في خطاب له «أن على أصحاب هذا العلم – ويقصد العلم الكردي – أن يعلموا أنهم يمارسون الانفصال»، وأضاف مخاطبًا حكومة إقليم كردستان: «عودوا عن هذا الخطأ بلا تأخير، وأزيلوا هذه الأعلام، وواصلوا طريقكم تحت علم العراق الوطني وحده، وإلا فستجبرون على العودة عنه»، على حد قوله.

كل هذا، والمواطنون في كركوك بمختلف انتماءاتهم يشعرون بالخطورة مما يجري من مناوشات بين المركز والإقليم، إذ يقول عزت شاكر وهو مواطن كردي من كركوك: »إن ما يهم المواطنين في كركوك هو الأمن في مدينتهم … لا نريد حربًا … يكفينا ما عشناه في هذا البلد … كلنا ضحية السياسيين».

بين شد وجذب يبقى العراقيون مترقبون لمرحلة قادمة ما بعد تنظيم الدولة وكلهم أمل أن تتوقف عجلة الحرب والصراعات وأن لا تنجر البلاد لحرب جديدة لا طاقة للجميع بها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد