عاد أحدث تقرير أممي أصدرته قبل يومين الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، ليدق ناقوس الخطر بقوة حول ارتفاع درجة حرارة الكوكب الذي نعيش فيه، وما يتبعه من تغييرات مناخية تشهدها وستشهدها الأرض. ذكر التقرير بشكل لا لبس فيه أن البشر هم من يتسببون في رفع درجة حرارة كوكب الأرض، وهم السبب في ظاهرة الاحتباس الحراري.

والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، تتبع الأمم المتحدة، وتأسست عام 1988 لدراسة العلوم المتعلقة بتغيرات المناخ. وتزود هذه الهيئة حكومات الدول بالمعلومات العلمية التي يمكن استخدامها لتطوير سياسات بشأن الاحتباس الحراري.

لكن أخطر ما جاء في التقرير؛ الجزء المتعلق بأهداف اتفاقية باريس للمناخ التي وقعتها غالبية دول العالم عام 2015، والتي تهدف إلى الحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة العالمية دون 1.5 درجة مئوية. إذ قال التقرير الجديد الصادر يوم 9 أغسطس (آب) 2021، إنه في ظل جميع سيناريوهات الانبعاثات التي درسها العلماء، قد لا يتحقق هذا الهدف خلال القرن الجاري ما لم يُتخذ إجراء لخفض كبير في الكربون.

ويتوقع التقرير أنه ستحدث زيادة تصل إلى 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2040، وذلك في جميع السيناريوهات التي درسوها لارتفاع حرارة الأرض. التقرير الجديد يؤكد ما ذهب له تقرير سابق للهيئة نفسها عام 2018، وتوقع بالفعل حدوث زيادة في حرارة الأرض بمقدار 1.5 درجة مئوية.

هذا الأمر يحيلنا إلى السبب الذي جعل علماء المناخ يتفقون على ضرورة تثبيت ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض دون 1.5 درجة مئوية، فلماذا هذه الدرجة بالذات؟ وما الذي تعنيه لكل من النظم البيئية والتغيرات المناخية حول كوكب الأرض؟

تغيير بسيط يؤدي لتغييرات هائلة

عندما تكون درجة الحرارة في أحد الأيام بمدينتك 30 درجة مئوية، ثم ترتفع بمقدار درجتين إضافيتين في اليوم التالي، تشعر بفرق بسيط في الحرارة وربما تشعر قليلًا بعدم الراحة. لكنها بالتأكيد لن تكون نهاية العالم بالنسبة لك، فارتفاع بمقدار درجتين هو في النهاية تغيير بسيط.

لكن الأمر مختلف بالنسبة لحرارة كوكب الأرض ككل. فقد سجلت درجة حرارة سطح الأرض ارتفاعًا بواقع 1.09 درجة مئوية أعلى خلال السنوات العشر بين 2011-2020 مقارنة بما كانت عليه بين 1850-1900 (الفترة التي حددها العلماء بوصفها مرحلة ما قبل الثورة الصناعية).

وارتفاع درجة الحرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية عن درجة حرارة كوكب الأرض قبل مرحلة الثورة الصناعية، هو أمر بالغ الخطورة على الكوكب، لدرجة وصف البعض له بأنه حدث على مستوى الانقراض.

ربما يكون الوصف مبالغًا فيه بعض الشيء، على الأقل بالنسبة للجنس البشري، لكن هذا لا يعني أننا لن نرى تغيرات مناخية قاسية قد تؤثر في نظم بيئية بأكملها وربما تسبب انقراض بعض الكائنات الحية.

حوادث الانقراض بسبب التغيرات المناخية بدأت بالفعل؛ إذ أعلن العلماء انقراض أحد الفئران التي تسمى «برامبل كاي ميلوميس»، وكانت تعيش على جزيرة قبالة سواحل أستراليا، عام 2016، ليصبح أول الثدييات المنقرضة بسبب التغيرات المناخية التي تسببت في ارتفاع المد البحري وغرق الجزيرة.

متوسط درجات الحرارة حول العالم ستتأثر

نحتاج هنا لتوضيح أمر مهم. عندما نتحدث عن ارتفاع درجة الحرارة بمقدار 1.5 درجة، فإننا نتحدث عن زيادة متوسط ​​درجة حرارة الأرض، نحن نتحدث عن متوسط درجات حرارة وليس درجة حرارة. والشيء المهم الذي يجب فهمه، هو أن الاحتباس الحراري الناتج من حرق الوقود الأحفوري ليس عملية موحدة وثابتة.

فبسبب مجموعة من العوامل الطبيعية، فإن بعض المناطق – مثل القطبين – ترتفع درجة حرارتها بشكل أسرع من غيرها؛ إذ تزداد حرارة القطبين بمعدل ضعف بقية الكوكب. لذلك عندما نتحدث عن منع ارتفاع الحرارة فوق 1.5 درجة، فإننا نتحدث عن منع زيادة 1.5 درجة في متوسط ​​درجة حرارة الأرض. بعض الأماكن بالفعل عبرت هذا الحاجز وتجاوزته. لأننا في النهاية نتحدث عن متوسط، مما يعني أن بعض المناطق ستزداد بشدة وبعضها سيبقى منخفضًا بشكل ملحوظ.

هناك أمر مهم آخر يجب فهمه بشأن ظاهرة الاحتباس الحراري، وهو أنه ليس من الصحيح أن كل شيء حتى وصولنا لارتفاع مقداره 1.49999 درجة هو أمر جيد ولا توجد مشكلات على الإطلاق، وبمجرد عبورنا لخط 1.5 درجة، سيبدأ العالم في الانهيار فجأة، هذا ليس صحيحًا.

Embed from Getty Images

فأزمة التغييرات المناخية وصلت وبدأت تدور بالفعل، وهو ما نشاهده في أزمات الجفاف والقضاء على المحاصيل، وذوبان الأنهار الجليدية في الهيمالايا، وزيادة شدة الأعاصير، وحرائق الغابات غير المسبوقة، والفيضانات غير المتوقعة. فكل هذه التأثيرات تتضمن أنظمة معقدة، لكنها ترتبط في النهاية بالحرارة. وبالتالي، كلما زادت الحرارة ولو بمقدار طفيف، حدث تغير في هذه الأنظمة بالفعل.

كذلك، فإن ارتفاع متوسط حرارة كوكب الأرض فوق 1.5 درجة مئوية لا يعني أن الموجات الحارة التي ستضربنا سترتفع بهذا المقدار فقط، لكنها ستزداد أكثر من ذلك المعدل في العديد من المناطق. فبحسب تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، فإذا وصل الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة، فستزيد درجات الحرارة في المناطق الساخنة لتصبح أكثر سخونة، وستزداد درجة حرارة العديد من الأماكن بشكل خطير.

أفلام رعب على أرض الواقع.. هذا ما سيحدث إذا تجاوزنا عتبة 1.5 درجة

عند متوسط 1.5 درجة تقريبًا من الاحتباس الحراري، سيكون هناك ما يكفي من الحرارة لدفع العديد من الأنظمة الطبيعية التي تحافظ على حياتنا عبر نقطة تحول خطيرة. هي بمثابة مؤشر عام على مقدار التغير الكبير الذي سيشهده المناخ، والذي سيتحول من تغير مناخي سيئ حاليًا إلى مدمر وكارثي في السنوات القادمة.

إذا ما تجاوز متوسط حرارة الأرض حاجز 1.5 درجة مئوية، فمن المتوقع أننا سنرى بعض التغيرات المناخية القاسية، والتي بدأت تظهر لنا بالفعل هذه الأيام مثل تلك الفيضانات التي ضربت غرب أوروبا والصين، وحرائق الغابات في حوض البحر المتوسط وكندا، وحرائق الغابات في أستراليا العام الماضي وغيرها.

مثل هذه الكوارث يمكننا وصفها بالسيئة، لكن إذا ما تجاوز حاجز 1.5 درجة، فستنتقل التغيرات المناخية هذه من سيئة إلى مرعبة. يتعلق الأمر هنا بتلك النقطة التي من المحتمل أن نرى فيها العديد من الأنظمة الطبيعية تتغير بشكل سيئ وتبدأ في عبور نقاط اللاعودة؛ مما يؤدي إلى إحداث تغييرات دائمة وتغيير الحياة كما نعرفها.

Embed from Getty Images

الأمر الأسوأ إذا ما وصلنا لارتفاع مقداره درجتان مئويتان، هنا ستبدأ ما يمكننا تسميته أفلام الرعب في الحدوث بالفعل، وربما تتحول بعض أفلام الخيال العلمي التي تتحدث عن التغيرات المناخية إلى واقع. نحن نتحدث عن ارتفاع حرارة بين درجة و1.5 درجة مئوية، ونشاهد كل هذه التغيرات الواضحة في الطقس حول العالم.

بينما إذا ارتفعت الحرارة فوق 1.5 درجة وبدأنا في الحديث عن ارتفاع يقل قليلًا عن الدرجتين، فهذا يعني:

  • معاناة 1.7 مليار شخص آخر من موجات حر شديدة لمرة واحدة على الأقل كل خمس سنوات.
  • زيادة هطول الأمطار الغزيرة على نطاق عالمي.
  • ارتفاع مستوى مياه البحار والمحيطات – في المتوسط ​​- 10 سنتيمترات.
  • تعرض عدة مئات من الملايين من الناس إلى مخاطر وفقر بسبب الجفاف المصاحب لتغيرات المناخ.
  • انخفاض كمية الشعاب المرجانية التي تدعم البيئات البحرية حول العالم بنسبة تصل إلى 99%.
  • انخفاض ​​الصيد السمكي العالمي بمقدار 1.5 مليون طن.

الخلاصة هنا أن تجاوز 1.5 درجة من الاحترار يعرض ملايين البشر لخطر موجات الحر التي قد تهدد حياتهم، بالإضافة إلى القضاء على نظم بيئية كاملة وابتلاع البحار للمدن الساحلية، والجفاف الشديد وما يصاحبه من زيادة معدلات الفقر.

دولي

منذ 4 شهور
فيضان في ألمانيا وآخر في بلجيكا.. عواقب التغير المناخي تضرب أوروبا!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد