2,255

يطلق مصطلح المؤرخون الجدد على طائفة من المؤرخين الإسرائيليين بدأت في الظهور في ثمانينيات القرن الماضي، وتتبنى هذه الطائفة رواية جديدة لما حدث في السنوات الأخيرة والأحداث الحقيقية التي رافقت قيام دولة إسرائيل والتي تختلف بالطبع عن الرواية الرسمية الإسرائيلية.

يعود ظهور هذه الفئة من المؤرخين إلى اطلاعهم على بعض الوثائق السرية في الأرشيف الوطني الإسرائيي، التي أتيحت للباحثين لأول مرة عام 1988 بعد مرور أكثر من 40 عامًا على تأسيس دولة إسرائيل، وهكذا ظهر جيل جديد من الباحثين الإسرائيليين الذي تمكن من الاطلاع على وثائق رسمية مكنته من تأسيس رواية جديدة للأحداث، وارتبط ظهور المؤرخين الجدد بظهور مصطلح ما يعرف بـ”مابعد الصهيونية” والذي يدعو إلى تجاوز الأسس الأيدولوجية التي قامت عليها الصهيونية نحو أسس جديدة أكثر فاعلية.

يعتبر بني موريس نفسه مؤسس حركة “المؤرخون الجدد”،وتضم القائمة كذلك “يوسي بيلين وإسرائيل شاحاك وإيلان بابيه وزئيف ستيل نهيل وموشيسميش وسيمحا فلابان  وبار يوسف وأروي رام وسامي سموحا وباروخ كيفرلنج وتامار كارتيال وسارا كازير وجيرسون شافير وبارون ازراحي وشلومو سويرسكي وتوم سيجيف ويناثان شابيترو يورين بن اليعازر وباجيل وايلا شوحات”وآخرين.

تشير التقارير إلى تلقي حركة المؤرخين الجدد دعمًا من قبل بعض التيارات السياسية داخل إسرائيل، التي تتبنى سياسة تعمد إلى تخفيف الاحتقان العربي الإسرائيلي ويعتبر “يوسي بيلين” – وهو أحد مفكري حزب العمل ومنظريه – أحد أبرز الداعين لإدخال أفكار المؤرخين الجدد إلى المدارس في إسرائيل، ويعتبر بيلين أحد أبرز مهندسي اتفاق أوسلو وتولى وزارة العدل في حكومة باراك.

تقوم أطروحة ما بعد الصهيونية على أربعة  أسس رئيسية، أولها إقرار بأن اليهود قد دمروا الكثير من القرى والمدن، وقتلوا الكثير من أهل فلسطين خلال فترة قيام الكيان اليهودي وثانيها أن تهجير الفلسطينيين قد تم بشكل قسري (اختلفوا هل هو منهجي أم عشوائي) وثالثها التشكيك في السردية الإسرائيلية عن سعيها للسلام مع العرب أما آخرها فهو التشكيك في المعجزة الإسرائيلية (نكبة عام 1948) فوصفته بأنه قد شهد تواطئا كبيرًا من قبل بعض الحكام والمسؤولين العرب.

بني موريس وتأسيس حركة المؤرخين الجدد 


يعتبر بني موريس نفسه مؤسسًا لهذا التيار التأريخي، من خلال مقاله الذي صدر بالإنجليزية عام 1988 تحت عنوان “حركة تأريخ جديدة: إسرائيل تواجه ماضيها” يدعو “موريس” إلى أن تكون مسألة العرب في مركز اهتمام علماء التاريخ، وقد انضم إلى هذا المطلب عدد من باحثي التاريخ؛ أمثال “ارمني شلايم” و”ايلان بابيه” و”امون راز” و”كاركوتزكين” وغيرهم.

تحوم الأسئلة التي يطرحها موريس ورفاقه حول قضايا ربما تتعلق بمشروعية إسرائيل كدولة من الأساس عبر التشكيك في السرديات التاريخية التي قامت عليها ورغم التبريرات التي تحفل بها كتابات المؤرخين الجدد وبخاصة موريس إلا أنهم وثقوا الكثير من الجرائم الإسرائيلية بحيادية كبيرة ووفروا قدرًا كبيرًا من المعلومات والحقائق التي كانت غائبة بشكل كبير، كمثل إثبات المسؤولية التاريخية لإسرائيل عن التهجير القسري للفلسطينين في مقابل الرواية التاريخية الإسرائيلية التي تقول بأن هجرة الفلسطينيين تمت طواعية أو انصياعًا لنداءات الحكام العرب، واستطاع موريس توثيق ما أسماه بـ”جرائم حرب” ارتكبتها القوات الصهيونية إبان حرب عام 1948 وقبلها وبعدها كمثل جرائم القتل الجماعي بحق الفلسطينيين الذين حاولوا العودة إلى ديارهم وذلك في كتابه “حروب إسرائيل الحدودية”.

كما كشف موريس أيضًا عن قيام إسرائيل برشوة بعض مندوبي الأمم المتحدة للتصويت لصالح قرار تقسيم فلسطين حتى نقل موريس أن “بعثة من جنوب أمريكا حصلت على 75 ألف دولار مقابل التصويت على قرارالتقسيم، كوستاريكا صوتت إلى جانب القرار رغم أنها لم تأخذ مبلغ 45 ألف دولار عرض عليها، مندوب غواتيمالا أبدى حماسًا زائدًا في تأييده للصهيونية ووثائق بريطانية تؤكد أنه تلقى أموالًا من منظمات يهودية أمريكية كما تشير تقارير لدبلوماسيين أمريكيين أنه كان على علاقة بفتاة يهودية، ومن الممكن أن تكون هناك حالات أخرى ولكن لا يوجد وثائق تؤكد ذلك”.

ويصف موريس نفسه بأنه (صهيوني يقوم بعمل يخدم به إسرائيل من خلال البحث عن الحقيقة التاريخية) كما يرى (أن الكشف عن أعمال الطرد ومجازر ضد العرب عام 1948 وأعمال إسرائيل على امتداد الحدود في الخمسينيات، وعدم استعدادها للقيام بتنازلات من أجل السلام الذي تدعيه، ليس دعاية معادية للصهيونية؛ وإنما هو إضاءة لجانب من مسيرة تاريخية مهمة تم التعتيم عليها لعشرات السنوات من قبل المؤسسة الرسمية، وبذلك لايعتبر موريس صاحب موقف أخلاقي تجاه الجرائم التي وثقها بقدر ما يحسب له القيام بجهد تاريخي لا يخلو من كثير من النزاهة.

إيلان بابيه والتطهير العرقي 


يعتبر إيلان بابيه أكثر المؤرخين الجدد حدة في انتقاد دولته، شملت دعمه للمقاطعة الأكاديمية ضد إسرائيل، والتي يصفها بأنها وسيلة للضغط على إسرائيل لإنهاء أبشع احتلال عرفه التاريخ الحديث، في سنة 2007 غادر بابيه جامعة حيفا معللا بأنه أصبح من الصعب العيش فيإسرائيل مع وجهات نظره ومعتقداته الغير مرحب بها وانضم إلى قسم التاريخ في جامعة اكستير في بريطانيا.

أشهر ما كتب بابيه فيما يتعلق بقصة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو كتابه التطهير العرقي لفلسطين، الذي يؤكد فيه علىأن عملية التطهير العرقي، قد تم التخطيط لها بصورة مسبقة وواعية عبر شبكة مترابطة وتنظيم محكم وأوامر صريحة وواضحة تنطلق كلها من فلسفة الحركة الصهيونية وممارساتها المرتبطة – بصورة كلية –  بالرؤية والمخطط الرأسمالي العالمي باعتباره صاحب المصلحة الرئيسية في قيام دولة إسرائيل.

ويتبنى بابيه حل مبدأ الدولة الواحدة كأساس لحل المشكلة الفلسطينية عبر تخلي إسرائيل عن سرديتها الخاصة بالدولة اليهودية لتتحول إلى دولة مدنية ديمقراطية مع إعطاء حق العودة للاجئين المهجرين.

شلومو ساند والأسئلة المحرمة


يطرح ساند في كتابه “اختراع الشعب اليهودي” عددًا من الأسئلة المحرمة التي تطول الأسس الرئيسية لبناء الرواية الصهيونية واليهودية عامة للتاريخ: هل يمكن الحديث عن «شعب» يهودي وجد واستمر آلاف السنين بينما زالت الكثير من الشعوب الأخرى من الوجود؟ كيف ولماذا أصبحت التوراة كتاب تاريخ يروي نشوء أمة علمًا بأن لا أحد يعرف بدقة متى كتب؟ هل هاجر اليهود فعلا من مصر؟ هل وجدوا أصلاً فيها ليهاجروا منها؟ إلى أي حد يمكن اعتبار حكم السلالة الأسمونية Les Hasmonéens في يهودا دولة / أمة مع العلم أن رعاياها لا يتكلمون اللغة نفسها؟ وما الذي يجمع اليهود حول العالم ثقافيًا وإثنيًا؟ وهل يرجع اليهود فعليًا إلى أب واحد؟

وفي النهاية لخص ساند أطروحته كما يلي: “شكّل اليهود دائمًا جماعات دينية مهمة اتخذت لها موطئ قدم في مختلف مناطق العالم، ولكنها لم تشكل شعباً (ethnos) من أصل واحد وفريد تنقل من ثم عبر التشّرد والنفي الدائمين”، وتتخذ أطروحة ساند بعدًا هامًا بالنسبة للعرب فنتيجته تمس بشكل واضح فكرة “القومية اليهودية” التي تعد الأساس النظري لقيام دولة إسرائيل.

“ما بعد الصهيونية”

يرى البعض أن “ما بعد الصهيونية” هى حركة معادية للصهيونية تهدف للطعن في المقولات الأساسية للصهيونية بهدف تأسيس سردية جديدة للصراع تقوم بالأساس على اعتبار إسرائيل دولة علمانية في مقابل السردية اليهودية مستدلين على ذلك بأطروحات إيلان بابى وشلومو ساند وغيرهم، بينما يؤكد آخرون أن ما بعد الصهيونية هي محاولة لإعادة بعث فكرة الدولة اليهودية في ثوب علماني عبر غسلها من جرائم الصهيونية عبر التخفيف من الشروط الديمغرافية للانتماء للكيان اليهودي، ويستدلون على ذلك بأقوال بعض المؤرخين الجدد وعلى رأسهم موريس، ويؤكد هذا الفريق أن معظم هؤلاء المؤرخين لا ينكرون شرعية ما يسمى “القومية اليهودية” ومعظهم يقيم في دولة إسرائيل ويخدم توجهاتها الحالية بشكل أو بآخر، ورغم الخلاف القائم فإن المتفق عليه بين الفريقين هو أن كتابات المؤرخين الجدد تعد المصادر الأكثر مرجعية لتوثيق جرائم الصهيونية خلال مرحلة النكبة شاملة التطهير العرقي والتهجير القسري الذي مارسه الصهاينة بحق أبناء الأرض من الفلسطينيين.

تعليقات الفيسبوك