منذ زمن بعيد، كانت الفضة أثمن ما على الأرض من معادن، ولهذا كانت إحدى المدن البعيدة الواقعة في عمق قارة أمريكا اللاتينية المُكتشَفة حديثًا –حينها- هي أغنى المدن على وجه الكوكب. كما أنها أعلى المدن ارتفاعًا أيضًا، إذ تقع بوتوسي على ارتفاع 3900 متر فوق مستوى سطح البحر على حدود فنزويلا مع تشيلي والأرجنتين، عند سفح جبل يميّز المنظر الطبيعي في المدينة، هو جبل «Cerro Rico» أو الجبل الغني، من هذا الجبل خرجت كل الفضة التي طيّرت لبّ الإسبان، وأعادت تغيير العالم.

كنز لا ينفد من الفضة

مع اكتشاف الأراضي الجديدة عام 1492، كانت الأرض البكر المليئة بالغابات الكثيفة تثير جشع النبلاء والفرسان والجنود الإسبان، الذين رأوا في اقتحام مخاطرها مغامرة تجلب لهم الحظ؛ والكثير من الغنائم والكنوز، حين توغّلوا في أراضي أمريكا اللاتينية، ومع ما حملوه معهم من خطر على السكان المحليين، انتشرت «أسطورة الدورادو » التي تحكي أن هناك ملكًا يسبح في الذهب يعيش في أرض مليئة بالذهب والأحجار الكريمة.

سارع النبلاء الإسبان إلى تجهيز حملات للتوغل في الأراضي الجديدة في المكسيك وفنزويلا بحثًا عن الذهب، ومن مالهم الخاص أرسلوا السفن والجنود إيمانًا بالأمجاد التي سيحققونها. ماتت أعداد كبيرة من المغامرين بسبب الجوع والمرض قبل أن تصبح الأسطورة حقيقة، في عام 1545، باكتشاف «النبع الذي يفيض فضة» في بوتوسي.

كان أسعد أيام المدينة –كما بدا حينها- في يناير (كانون الثاني) عام 1545، حين كان الراعي دييجو أولبا يمر من أعلى تلة المدينة في الليل، مقتفيًا أثر حيوان لاما، انطفأت الشعلة التي كان يحملها، فأخذ يحاول إشعال حجارة الأرض لتضيء له، لاحظ حينها لمعانًا أكثر بريقًا؛ كانت الفضة. وفي أبريل (نيسان) من العام نفسه كانت حُمى الفضة قد وصلت إلى إسبانيا، وبدأ البحث النهِم عنها في بوتوسي.

غير أن الإسبان لم يكونوا أول من وصل إلى الفضة، فقبلهم كان الإنكا هواينا كاباك قد وصل مع معاونيه إلى التل الكبير، ورجّح أنه يحمل في داخله معادن ثمينة وأحجارًا كريمة، واكتشفوا بالفعل عروق الفضة، لكنهم ما إن بدأوا العمل في استخراجها حتى سمعوا صوتًا يقول: «إنه ليس لكم، إن الآلهة تحتفظ بهذه الثروة لمن يأتون من بعيد» كما تقول الإشاعة، فهربوا خائفين، وأطلقوا على التل اسم بوتوسي، ويعني يرعد أو يتفجر.

بوتوسي الغنية

في عهد الإمبراطور كارلوس الخامس حين اكتُشفت الفضة، أطلق على المدينة اسم المدينة الإمبراطورية، ومنحها الإمبراطور شعارًا يحمل النقش التالي:

أنا بوتوسي الغنية، أنا كنز العالم، أنا ملكة الجبال وموضع حسد الملوك.

في كتاب الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية يحكي الكاتب ما قِيل عن فترات ازدهار المدينة، وكيف أن حوافر الخيل كانت من الفضة، وكيف أُزيل الحصى من الشوارع في عام 1658، ووضعت بدلًا منه قضبان من الفضة، كانت بوتوسي شريان الفضة في أمريكا اللاتينية، وأصبحت أكبر المدن وأغناها، وزاد عدد سكانها حتى بلغ تقريبًا 160 ألف نسمة عام 1650، وكانت تماثل مدينة لندن في عدد السكان.

 مدينة بوتوسي القديمة– مصدر الصورة: الجارديان

في القرن السابع عشر، كان في المدينة 36 كنيسة مزينة بالفضة، ومن شرفات بيوتها كانت تتدلى الستائر من أفخر الأقمشة، وفي أرضها تُفرش السجاجيد من بلاد فارس، وتُجلب إلى المدينة عطور من بلاد العرب، وخزف من الصين، وتأتي القبّعات من لندن وباريس، ويستعرض النبلاء بالثياب التي تُجلب من هولندا، وجمعت المدينة في فترات ازدهارها الكثير من الرسامين والحرفيين الذين أبدعوا في النقش على الفضة والعاج، وزيّنت أعمالهم كنائس المدينة وواجهاتها.

فوهة الجحيم

كان استخراج كل هذه الفضة التي بدت للإسبان وكأنها لن تنفد أبدًا يتطلب «إحراق أرواح الهنود» الذي انتُزعوا من مجتمعاتهم، ودُفع بهم إلى العمل في التل. كان الطريق يبدأ من السوق حيث يشتري عمال المناجم أدواتهم، هم المسؤولون عن توفيرها، وهم وحدهم المسؤولون عن سلامتهم الشخصية بين الممرات والمتاهات والكهوف والآبار. وكان بين كل 10 من هؤلاء الذين يذهبون إلى العمل سبعة لا يعودون أبدًا، تقتلهم ظروف عمل قاسية، وينتظرهم «ألف موت وألف كارثة» وأصحاب المناجم لا يرحمون، وفوق ذلك فالخرافات والجهل الذي كان يدفع بعضهم إلى القول بأن ما يصيب العمال من أمراض تؤدي للموت ليس بسبب العمل، وإنما بسبب «الفسق الذي يعيشون فيه».

خلال ثلاثة قرون كان تل بوتوسي الغني قد أحرق 8 ملايين روح.

اليوم يمكن إدراك ما كانت تبدو عليه المدينة وما كان لها من أهمية بزيارة متحف العملة، الذي بُني بين عامي 1759 و1773، واحتفظ بكل الآلات التي استُخدمت في استخراج الفضة ونقلها، الذي استمر لما يربو على 200 عام، يحتفظ المتحف بآلات تحكي عن الظروف التي عاشها العمال، بداية بالعربات الخشبية التي تجرها البغال، ثم العربات التي تعمل بالبخار، ثم الآلات الكهربائية، يُقال إن ما نُهب منها من فضة كان يكفي لبناء جسر كامل من بوليفيا إلى إسبانيا من الفضة الخالصة، لكن هناك من يضيف أن الجسر يمكن أيضًا أن يمتلئ بجثث العبيد الذين راحوا ضحية العمل القاسي في المناجم.

مصر والأندلس.. كيف كانت العلاقات التاريخية بين البلدين؟  

أطنان الفضة المنهوبة

بين عامي 1503 و1660، وصل إلى ميناء إشبيلية 185 ألف كيلوجرام من الذهب، و16 مليون جرام من من الفضة، وذلك وفقًا للبيانات المسجَّلة في الغرفة التجارية، إلى جانب ما تم تهريبه. وتشير تقديرات أخرى إلى أن الفضة المستخرجة من الجبل الغني بين 1545 و1825 بلغت أكثر من 35 طنًا، ويقدّر سعرها اليوم بحوالي 17 مليار دولار، دخلت في صنع العملات والسبائك والقطارات.

كنوز الفضة المستخرجة من بوتوسي– مصدر الصورة: la-razon.com

كانت هذه المعادن هي الأساس الذي قام عليه الاقتصاد الأوروبي في تلك الفترة، وكانت إسبانيا في ذلك الوقت ورغم امتلاكها مصادر الفضة مثل الفم الذي يتلقى كل الغذاء فيطحنه ثم يوزعه على الأجهزة الأخرى، بسبب ديون التاج الإسباني.

السقوط في الفقر

يحفر سكان بوتوسي اليوم في التل الذي تغيّر لونه وطبيعته بفعل الديناميت الذي ظل الإسبان يفجرونه في جوفه لقرون، يبحث السكان عن البقايا –الفتات– أو عن القصدير أو المعادن الأخرى. لم يبق من البذخ والتبذير الذي عاشته بوتوسي سوى ذكرى الماضي وبقايا القصور، ونُهبت الكنائس، وبقيت أطلالها فقط اليوم تزيد شجون أهل المدينة. وصارت مدينة فقيرة في بوليفيا الفقيرة أيضًا.

بيت العملة في بوتوسي 

لا يزال اقتصاد المدينة يعتمد على الفضة، لكنها سقطت في الفقر، وانزوت تمامًا بعد أن نفذ مخزونها أو كاد، والحقيقة الوحيدة الباقية أن اليوم وبعد مرور 400 عام على قيام بوليفيا بنقل العالم بفضل مخزونها من الفضة، فهي اليوم لا تزال غير قادرة على صنع عملتها بنفسها.

آخر ما تبقى من الفضة

اليوم يعمل في التل ما يقرب من 10 آلاف عامل، يموت منهم حوالي 15 عاملًا كل شهر بسبب الحوادث التي تسببها الانهيارات الأرضية والانفجارات، فضلًا عن مرض سرطان الرئة، وبدلًا من العثور على عروق بعرض متر ونصف من الفضة، أصبح العثور على عرق فضة بعرض سنتيمتر ونصف نجاحًا كبيرًا، وأصبح يُصدّر إلى آسيا ليُستخدم في صنع الإلكترونيات، ويقول الخبراء إن ما بقى من الفضة في تل بوتوسي سينفد تمامًا خلال 10 سنوات.

من جهة أخرى يفقد جبل بوتوسي طبيعته الجميلة التي جذبت المستكشفين الأوائل، وأوحت لهم بأن مثل هذا الجمال لا بد أن تكون في داخله كنوز، الجبل الذي اعتبرته اليونسكو موقعًا للتراث الإنساني معرّض لخطر الانهيارات الأرضية بسبب التفجيرات المتتابعة، وهو اليوم يحتاج لترميمات تحفظ ما بقى من هيكله المليء بالثقوب التي أحدثها حوالي 460 لغمًا –قديم أو حديث– في جوفه.

ولا يزال اليوم يحتفظ ببعض الفضة والمعادن الأخرى التي تعمل حوالي 50 شركة تعدين في استخراجها، ويعتمد عليها معظم اقتصاد بوتوسي.

مثال معبِّر

تعتبر بوتوسي بما آلت إليه أحوالها اليوم مثالًا معبّرًا عن العلاقة الطردية بين علامات الفقر والتخلف في المدن، ومدى ارتباطها في الماضي بالحضارة الأوروبية، ثم بالولايات المتحدة لاحقًا وإنتاجها للبضائع المُصدَّرة إليها.

بوتوسي كما تبدو من أعلى التل– مصدر الصورةdanielbeams.photoshelter.com

ويمكن تخيل ما كان يحدث في تلك الأيام بزيارة سياحية إلى الجبل، وهي لن تكون سهلة لمن يخافون من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، فلا أحد يعلم ما يُخبئه بطن الجبل من أخطار، لكنها تجربة يروق للبعض خوضها، ويعتمد عليها اقتصاد بوتوسي اليوم أيضًا.

تبدأ الرحلة بزيارة السوق الذي يشتري منه العمال أدواتهم، ثم على بعد بضعة كيلومترات من مدخل المناجم يتابع الزوار –الذين يتم تقسيمهم إلى مجموعة لا تتجاوز بضعة أفراد- كيف يجري فصل المعدن عن بقية المواد، وكيف يتم إعدادها بواسطة المنتجات الكيميائية وتمريرها عبر سلسلة من الآلات التي تستكمل بالعمل الذي تم إنجازه يدويًّا.

ثم يدخل الزائرون إلى المناجم، يستغرق الأمر بعض الوقت ليمكنهم الاعتياد على الغبار المتصاعد، وحين تتضح الرؤية يبدو قلب الجبل المليء بالمتاهات مثل بيت النمل. وهناك يتواجد العمال الذي أنفقوا عشرات السنوات من أعمارهم في هذا المكان المنعزل من العالم، تحكي أوضاعهم بعضًا مما تعرّض له أجدادهم في قلب الجبل منذ مئات السنين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد