بين المشاهد التي لا تجد تفسيرًا بالنسبة لنا، ما نراه في المجتمعات الفقيرة من إهمال للصحة بشكل أمكن ملاحظته مؤخرًا في ظل جائحة كورونا؛ إذ كان من النادر أن تلتزم الطبقات الفقيرة في المدن والقرى على سبيل المثال بإجراءات التباعد الاجتماعي، وبإضافة هذه الملاحظة إلى غيرها مثل عدم الالتزام أحيانًا بتناول التطعيمات للوقاية من الأمراض، أو باستخدام الناموسيات للوقاية من مرض الملاريا في بعض الدول، يكون التساؤل؛ ألا يهتم الفقراء بصحتهم؟ وما تفسيرات علماء مثل أبهجيت بانيرجي، وإستر دوفلو الفائزين بجائزة نوبل في الاقتصاد عام 2019 لهذا الأمر؟

الإصابة بالأمراض تزيد الفقر!

تضيع مليارات الدولارات من النشاط الاقتصادي للدول كل عام، نتيجة الإصابة بأمراض مثل السل والملاريا وفيروس نقص المناعة البشرية أو الوفيات التي تسببها. إذ تقلل الملاريا النمو الاقتصادي بنسبة 1.3% في البلدان المتضررة، وتتسبب في فقدان حوالي 12 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي في جميع أنحاء أفريقيا. كذلك يكلف مرض السل حوالي 7% من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان الأكثر تضررًا.

وبشكل عام يزيد الفقر من فرص تدهور الصحة، ويؤدي اعتلال الصحة إلى سقوط المجتمعات في براثن الفقر؛ وحول العالم هناك كثير من الأمراض المعدية والمهملة التي تؤدي إلى قتل وإضعاف الملايين من الفئات المهمشة التي لا تتوفر لها الخدمات الصحية اللازمة للوقاية والعلاج.

يضطر كثير من السكان لاتخاذ قرارات قاسية فيعرِّضون حياتهم للخطر في سبيل توفير الطعام لأطفالهم، أو يقررون إخراج الأطفال من المدارس ليساهموا في توفير شيء من الدخل للأسرة، يؤثر هذا بالطبع في حياتهم على المدى الطويل؛ إذ يؤدي لانخفاض الدخل وتباطؤ الإنتاجية.

مع ذلك، فهناك إمكانات هائلة يمكن تسخيرها لصالح الفقراء، ويمكن عدها «قطوفًا دانية» كما يقول الاقتصاديان الأمريكيان أبهيجيت بانرجي وإستر دوفلو في كتابهما «اقتصاد الفقراء»؛ إذ تنقذ هذه الإمكانات أرواحًا كثيرة بأقل التكاليف، مثل توفير بعض اللقاحات أو استخدام شبكات للحماية من البعوض الذي ينقل أمراضًا، لكن المحبط أن عددًا قليلًا جدًّا يستفيد بهذه الإجراءات الوقائية.

كان السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا يموت 1.5 مليون طفل سنويًّا حول العالم، بأمراض يمكن تجنبها بتكلفة قليلة، مثل الإسهال الذي يمكن علاجه باستخدام المياه المغلية والسكر والملح؟

ينفقون الأموال على العلاج لا الوقاية!

كان الهدف من البحث عن إجابة هذا السؤال هو إنقاذ الفقراء العالقين في مصيدة الفقر لأسباب صحية، في حين  تتوفر لديهم السلالم اللازمة للخروج من فخ الفقر، لكن هذه السلالم على ما يبدو ليست في مكانها المناسب؛ فالأشخاص لا يعرفون أو ربما لا يرغبون في الصعود، كما يشير المؤلفان.

أبحاث ودراسات

منذ 4 شهور
«الإندبندنت»: كم سيبلُغ عدد الفقراء في العالم بسبب كورونا؟

وفي رحلتهما للبحث عن إجابة هذا السؤال طرح المؤلفان افتراضًا يبدو من سلوكيات بعض الفقراء؛ أنهم لا يهتمون بصحتهم، لكن الحقيقة التي توصلا لها، أن الفقراء وإن لم يرغبوا في التضحية بثمن قليل مقابل الحصول على ماء نظيف أو شبكات للبعوض تقيهم بعض الأمراض، فإنهم يأبهون لصحتهم كما تشير على سبيل المثال إجابات عدد من الفقراء من سكان المناطق الريفية في أودايبور بالهند، وعدد من فقراء الولايات المتحدة. فقد أكدت نسبة مرتفعة منهم أنهم شعروا بالقلق والتوتر والاضطراب خلال الشهر الماضي بسبب الحالة الصحية لهم أو لأحد أقاربهم.

وكان متوسط ما أنفقته الأسر المعدمة في الهند مثلًا على الصحة حوالي 5% من الدخل الشهري لهم، وبلغ إجمالي إنفاق 8% من الأسر الفقيرة في أودايبور أكثر من 5 آلاف روبية؛ أي ما يعادل 10 أضعاف الميزانية الشهرية على خدمات الرعاية الصحية، لكن هذا حدث حين واجهوا مشكلات صحية خطيرة، فخفضت معظم الأسر إنفاقها، وباعت ما لديها من أصول، ولجأ بعضهم للاقتراض بأسعار فائدة عالية جدًّا.

القضية إذن ليست كم ينفقون، ولكن على ماذا ينفقون هذه الأموال، إنها غالبًا تذهب لعلاجات باهظة الثمن بدلًا من الوقاية ذات التكلفة الرخيصة.

الرعاية المجانية قد لا تفيد

لجأت كثير من الدول النامية إلى تقديم نظام الرعاية الصحية لضمان حصول الفقراء على الخدمات العلاجية الأساسية بتكلفة منخفضة، لكن البيانات التي جمعها المؤلفان تشير إلى أن الفقراء غالبًا ما يعافون نظام الرعاية المجاني؛ مما يجعله بلا فاعلية، ويتجه الغالبية إلى مراكز الرعاية الصحية الخاصة، أو إلى معالجين تقليديين، يتبنون طرد الأرواح الشريرة.

ورغم أن دراسات عديدة أكدت أن الخدمات الحكومية ليست بالكفاءة المطلوبة؛ إذ يغيب الأطباء والممرضون أحيانًا عن مكان عملهم، ولا يمنحون المريض الوقت الكافي ليجري تشخيصه بصورة صحيحة – الأمر الذي قد يفسر توجه الفقراء لأماكن خاصة للحصول على الخدمة الصحية – ورغم أن الخدمات التي تقدم في المراكز الخاصة ليست دائمًا أفضل من تلك التي تقدمها المراكز المجانية، فضلًا عن أن هذا لا يفسر ضعف الاستفادة من خدمات أخرى، مثل التطعيم، أو مثلا الحصول على شبكات البعوض، أو الكلور لتنقية المياه.

أحد التفسيرات التي لم يستبعدها الاقتصاديان هو تأثير التكلفة الغارقة؛ إذ يميل الناس لاستخدام ما دفعوا من أجل الحصول عليه ثمنًا كبيرًا، بينما تعد الأشياء التي حصلوا عليها بسعر رخيص معدومة القيمة بالنسبة لهم. وإن كانت دراسات دقيقة أخرى، كما يتابع الكتاب، وجدت أن استخدام شبكات البعوض التي يجري توزيعها بسعر مدعم استخدمها بالفعل حوالي 60- 70% من السيدات اللاتي حصلن عليها، وهي نسبة لم تختلف كثيرًا عن معدل استخدامها بين من حصلوا عليها بالسعر الحقيقي لها.

أحد التفسيرات أظهر تعلق الفقراء بمعتقدات واهية تعود حقيقتها، كما يقول طبيب بنغالي، إلى أنهم حين لا يملكون التكلفة المرتفعة لعلاج مرض خطير فإنهم يلجأون له لعلاج بعض العلل البسيطة، فيقدم لهم أدوية قليلة ليشعروا بالتحسن، إن الأمر بلغة أخرى – كما يذكر المؤلفان – أن عليك أن تستمر في فعل شيء لصحتك حتى لو كنت تدرك أنه  ليس الشيء المطلوب لتحل المشكلة.

إنه التعلق بالأمل الذي يفعله الأمريكيون مثلًا حين تعييهم مشكلة الاكتئاب التي تأتي وتعود، أو آلام العمود الفقري التي لا تتحسن بالعلاج؛ يترددون على الأطباء النفسيين والمعالجين الروحيين، أو يلتحقون بفصول اليوجا، أو ربما يتوجهون إلى مقومي العظام والعمود الفقري، وتتناوبهم حالات الأمل والإحباط في كل مرة يلجأون فيها لطريق مختلف أملًا في الشفاء.

الفقر يغير سيكولوجية الناس

تشير أبحاث حديثة حول قرارت الفقراء إلى أن اتخاذ القرار في ظل الندرة يؤثر في الطريقة التي يتخذ بها الناس قراراتهم؛ إذ يؤثر الفقر في طريقتنا في التفكير، إذ نكون إزاء عجز عن تلبية الاحتياجات، وليس عجزًا عن تلبية الرغبات.

إن هذه الندرة تشوه الواقع، وتسبب ما يسمى بـ«الرؤية النفقية»، فيركز الشخص فقط على ما يفتقر إليه من موارد، ويكون أكثر حذرًا وعقلانية، ويركز كل تفكيره على تلبية هذا الاحتياج المُلح الذي ينقصه، ويترك الاحتياجات الأقل إلحاحًا، وتشتت انتباهه فلا يتوقف عن التفكير في أمر واحد فقط، مما يترك موارد معرفية أقل للمشكلات والاحتياجات الأخرى.

وكأنه يرى العالم من خلال أنبوب تظهر به فقط المشكلة الملحَّة، وهو بالتالي ما يدفع كثيرًا من الفقراء لاتخاذ قرار بالقرض ذي الفوائد المرتفعة مثلًا؛ وينطبق الأمر على ما نراه من مشاهد غريبة لأطباق الأقمار الصناعية على أكواخ بالغة التواضع؛ الفقر يغير سيكولوجية الناس.

لا يرفضون الوقاية والعلاج.. فقط يتجنبون «سيرة» المرض

لكن أبهيجيت وإستر لا يرون هذا الاختلاف، ويشبِّهان الأمر بقرارات العام الجديد، الفقراء لا يرفضون التطعيم ولكنهم يؤجلونه لوقت آخر، ويفضلون الحصول على شطيرة لذيذة اليوم، مثلما نؤجل نحن الذهاب لصالة الألعاب الرياضية فيما النية موجودة للانتظام في ارتيادها لاحقًا، رغم إدراكنا أن الذهاب إليها يجنِّبنا أزمات قلبية في المستقبل، لكننا نؤجل الذهاب حتى لا نتعرض لآلام بسيطة في العضلات اليوم، تمامًا مثلما يؤجل الفقراء التطعيم حتى لا يضطروا للوقوف في طابور طويل.

Embed from Getty Images

إن الأمر كما يخبرنا كل من أبهيجيت وإستر أننا جميعًا نميل لتأجيل التكاليف الضئيلة التي نضطر إليها اليوم على أساس أن ندفعها في الغد، ونحن على يقين وثقة أننا سنفعل الأمر الصحيح في المستقبل، لكن الغد يصبح اليوم، وهكذا تدور الدائرة، غير أن الفقراء يعلقون في مشكلات أكبر بسبب كثير من المزايا التي يحصل عليها الأغنياء بوصفها بديهيات، بينما يكون على الفقراء اتخاذ قرار حيالها.

يفتح الأغنياء صنابيرهم فيجري الماء النقي، وفي المقابل يكون على الفقراء يوميًّا إضافة الكلور لتنقية الماء، والأمر نفسه ينطبق على الصرف الصحي وغيرها من الخدمات، وحتى القرارات بشأن الصحة يثق مواطنو الدول الغنية في قدرات نظام الرعاية الحكومي، ويجدون تشجيعًا من شركات التأمين الصحي لارتياد صالات الألعاب الرياضية، ولا تقبل المدارس أطفالهم سوى بالحصول على التطعيم، وبالتالي لا يكون أمامهم فرصة كبيرة للتسويف، إن الفرق في رأي المؤلفين: «إننا نادرًا ما نحتاج إلى الاعتماد على ما لدينا من عزيمة وقدرة على التحكم في الذات، فيما يتعين على الفقراء أن يفعلوا ذلك دائمًا».

اقتصاد الناس

منذ شهرين
3 منتجات يقتنيها الأغنياء ويصنعها الفقراء بمقابل زهيد

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد