default-avatar
زهراء مجدى

10

default-avatarزهراء مجدى

10

2,085

أطفال تركتهم المجاعات عرايا، يطنُّ الذباب حول وجوههم، أضلع صدورهم بارزة، يسترون عوراتهم بأيديهم، يمدون أيديهم نحو الكاميرا متوسلين. صورة متكررة، تذهب مع أزمات الدول الكبرى، وتعود كلما ساد الهدوء عالمنا. «الدعارة بالفقراء» هو منهج تستخدمه المنظمات الخيرية وغير الربحية التي تستغل تعاطف الجمهور لتحقيق مكاسب مادية، مثل زيادة التبرعات، أو دعم قضية بعينها، عبر نشر هذه الصور بوسائل الإعلام، واستخدام الفقراء وغير المتعلمين، بتسليط الضوء على حياتهم البائسة من خلال عرض حياة أفراد يعيشون في ظروفٍ مُعدمة، فتترك الكثيرين منا يشعرون بالضيق والذنب، ونقف في منطقة بين غض طرفنا عن هذه الصور وإعادة نشرها على أمل أن تصل لآخرين يستطيعون مساعدتهم.

ظهر مصطلح «الدعارة بالفقراء» لأول مرة في الثمانينيات، العصر الذهبي للحملات الخيرية، حتى أصبح اتجاهًا، ونجحت هذه الحملات في جمع أكثر من 150 مليون دولار لمكافحة المجاعات، وعلى الرغم من الصورة المثالية التي قد نرى فيها المؤسسات الخيرية، إلا أنّ تلك الصورة تشوه الواقع وتصور مجتمعًا عاجزًا، يعتمد اعتمادًا كليًّا على المجتمعات الغربية الأخرى للبقاء على قيد الحياة، وفي الوقت الذي قد يكون فيه هذا المنهج فعالًا في زيادة الأرباح، من خلال تحريف صورة قارة بأكملها، أو لون بشرة بعينه، أو مهنة بعينها، فإنه قد يضر بسمعة هؤلاء الأشخاص، وقد يحيد النظر عن قضايا أخرى أكثر أهمية.

الدعارة بالفقراء.. من يلعب أدوار القصة؟

شهدت السنوات الأخيرة عودة الطفل الأسود الجائع باعتبارها صورة تصدرها العديد من وكالات الإعلان لجمع التبرعات، فيبدو أن المعركة التي خضناها قديمًا، تحتاجنا من جديد..  *جون هيلاري صحافي بريطاني في مقال نشرته ذي نيو إنترناشونال 2016.

في الثمانينيات اكتظت وسائل الإعلام بصور الأطفال الأفارقة جياعًا، في حاجة ماسة للغذاء، ودعوة الغربيين لمساعدتهم بالتبرع لهيئاتٍ بعينها. وقد نشرت منظمة الكوارث الطارئة الخيرية هذا الإعلان، والذي كان جزءًا من حملة جمعت 23 مليون دولار بين عامي 1980 و1984، لإغاثة المجاعات في إثيوبيا. ولكن لم يكن الجميع متحمسًا لهذا النوع من الصور في تعديها على الخصوصية.

تقول جنيفر لينتفر، محاضرة في الاتصالات الإنمائية العالمية بجامعة جورج تاون إن «البشر في البلدان النامية غير قادرين، أو ينتظرون من ينقذهم، دون أن يبذلوا جهدًا، الفقر ومصارعة المرض والكوارث والتعرض للظلم جميعها أمور محزنة، ولكن هذا لا يعني أنهم ضحايا بالكامل،  جامع التبرعات يعرف دائمًا أنه قادر على تحريك القلوب من أجل التبرع، والدليل زيادة التبرعات من أجل أزمة اللاجئين السوريين بعد نشر صورة طفل غارق عمره 3 سنوات».

اتهمت جنيفر أيضًا منظمات إنسانية مثل اليونيسيف وأطباء بلا حدود على حدٍ سواء أن سلبياتها بأفريقيا أكثر من آثارها الإيجابية الهامشية التي كان من المفترض تحقيقها، فمن أجل جمع الأموال لأهدافهم تاجروا بالفقراء، بتصوير أفريقيا بأكثر الصور إهانة، فكرامة شعوب أفريقيا شيء لا يعتدُّ به، ولوحات الإعلانات والمجلات المعروفة صدَّرت أسوأ صور عن أفريقيا لتمتلئ بها عقول مليارات البشر حول العالم، ولسوء الحظ كثرة هذه الصور لم تعد تدفع الناس للتبرع، ولكنها تثبت وجهة نظرهم عن أفريقيا «وفي الوقت نفسه لا تستخدم نفس المنظمات صورة لجثة جندي أمريكي أو بريطاني لأنها صادمة ولا تحترم الكرامة الإنسانية».

بقاء أفريقيا فقيرة عمل تجاري بالنسبة للبعض

هناك استثمار يتجدد ما دام الفقرمستمرًا بأفريقيا، فالكاتبة النيجيرية تشيماماندا نغوزي أديتشي – وهي روائية منحدرة من أسرة متوسطة، كان والدها ووالدتها يعملان -، التحقت بجامعة أمريكية، وهنا تحدثت عن تجربتها مع زميلتها في الغرفة والتي أصابتها صدمة عندما سمعتها تجيد الإنجليزية، وتجيد استخدام الأجهزة الكهربائية، وتستمع للموسيقى، تقول تشيماناندا:

«شعرت بالأسف تجاه نفسي، موقف زميلتي الافتراضي ضدي باعتباري أفريقية حمل كل أشكال الشفقة، وتعامل معي الجميع على أني لا أرقى لكوني إنسانة، إن المشكلة في القوالب النمطية ليست أنها غير صحيحة، ولكنها غير كاملة، فتصبح قصة واحدة هي القصة الوحيدة».

Embed from Getty Images
طفلة صغيرة تبحث عن مكان لملء المياه

تلك الطريقة التي أثرت تأثيرًا عميقا على تصوُّر الآخر للأفارقة، ورؤية الأفريقي لذاته، فعلى سبيل المثال، من الشائع في فرنسا للمهاجرين الأفارقة الذين يعانون من مشاكل مع أولادهم في سن المراهقة أن يهددوهم: «إذا كنت سوف تستمر في التصرف بهذه الطريقة، سوف يتم إعادتك إلى أفريقيا»، وهو ما معناه، «سنرسلك إلى هذا الجحيم الذي تراه على شاشة التليفزيون وصفحات الصحف»، وأمثال هذا التصرف قد يظن أنه السبب الأكبر في الكراهية والعنصرية التي يواجهها الأفارقة في جميع أنحاء العالم.

هناك بعض الحقيقة في القصص التي ينشرها الغرب عن أفريقيا بالطبع، لكنَّها تختلط بالكثير من الحديث عن الأسلحة والفوضى وسوء توزيع الموارد، بعض الحقيقة تتمثَّل في سنوات عاشتها أفريقيا تحت قيادة ضعيفة مزعزعة، وفساد ما زال منتشرًا في العديد من البلدان، ولا يزال الوصول إلى الخدمات الصحية صعبًا على الكثيرين، كما أن الصراع السياسي ما زال في القرن الأفريقي وأجزاء من شمال القارة.

كذلك هناك مسؤولية تقع على عاتق القادة الأفارقة وشعوبهم لدعم حركة التجارة والتخفيف من الإجراءات عند المعابر الحدودية، والحدّ من فرص الكسب غير المشروع، وتشجيع القطاع الخاص والمحلي وتثبيت قواعد الأمن، فلو تم ذلك لأصبحت أفريقيا جزءًا من الاقتصاد العالمي في قرننا هذا، وليست منفذًا لمشاعر الشفقة والتعاطف.

Embed from Getty Images
طفل من شمال كينيا يقف عند نهرٍ جف بسبب تغير المناخ

لتحقيق ما سبق، ترى جنيفر لينتفر محاضرة في الاتصالات الإنمائية العالمية بجامعة جورج تاون أنه على العاملين في مجال المعونة وممثلي المنظمات الخيرية أنفسهم أن يدرسوا دوافع أدوارهم التي اختاروها، واتهمت جنيفر هذه المنظمات بحاجتها للحفاظ على الصورة شديدة السلبية لأفريقيا ضمانًا لاستمرار تدفق التبرعات، وشعور المواطنين في الغرب بدورهم في وضع نهاية للفقر، حتى أصبح العاملون في هذا المجال متواطئين مع أسباب الفقر بأفريقيا.

فهناك العديد من المشاريع حول العالم والتي يقوم عملها الأساسي على مناهضة الفقر بالدول النامية تستفيد مباشرة من الموارد المتاحة بالمجتمعات الفقيرة، وتستخدم الرجال والنساء والأطفال الفقراء باعتبارهم وسائل دون التنمية من قدراتهم، بدلًا من اعتبارهم أصحاب السلطة على حياتهم ومواردهم.

استصلاح الفقر وتحويله إلى مادة ترفيهية

تستصلح وسائل الإعلام الفقر وتحوله إلى مادة ترفيهية، ولكن وصم المحتاجين له عواقب وخيمة، فقد ثبت أنهم يجب أن يقوموا بعمل أفضل للتبليغ عن محنة الناس الذين يريدون مساعدتهم، ولكن في عصر الإثارة الأسوأ هو الأفضل، فما الخطأ في الدراما البسيطة إذا ساعدت المحتاجين في نهاية المطاف؟

تغمر وسائل الإعلام رسائل موجهة للجمهور حول ضرورة أن نكون شاكرين لأسرتنا وأصدقائنا والرفاهية التي تعلو حياتنا، لأن هناك في جانب آخر من كوكبنا أطفالًا جوعى يتمنون أن يملكوا ربع ما نملك، صور أطفال أنوفهم تسيل، والذباب يطن حول وجوههم، أيديهم موجهة تتوسل نحو الكاميرا، هذا ما يسمى الدعارة الحقيقية بالفقراء.

Embed from Getty Images
طفلتان من نيروبي تسكنان في منطقة تعد هي الأكثر فقرا والأشد ازدحاما

وتتعامل وسائل الإعلام بنمطية مهينة وبنظرة أحادية البعد تضغط أكثر على المتبرعين وتتسبب في شعور المحتاجين بأن سلوكياتهم منتقدة ما داموا فقراء. هيجينز، وهو مصور سابق لصحيفة نيويورك تايمز قال إن: هناك علاقة واضحة في الإعلان عن الفقراء والصور التي يلتقطها المصورون غير الأفارقة، وهي عدم حفظ كرامة الإنسان واحترام خصوصيته، أو أنها تظهر أضعف لحظاته على أنها حياته اليومية، وغالبًا تكون الصور مسروقة، أي أنه تم التقاطها دون موافقة الأشخاص.

وقال هيجنز إن المطالبة بالشفافية من المنظمات غير الحكومية والجمعيات الخيرية أمر بالغ الأهمية للتمييز بين الأهداف النبيلة والدعارة بالفقراء، ولتجنب التعرض للابتزاز قال هيجنز أنه يتعين على المتبرعين المحتملين طرح أسئلة مثل:

-كم من الأموال تُنقل إلى القضايا المحلية بدولتك؟

-هل يمكن للمنظمات الخيرية/ غير الحكومية أن تقدم بيانًا ماليًا؟

-هل أعطى الفقراء توكيلًا للمنظمات التي تجمع مالًا تحت اسمهم؟

-هل تُنمى مهارات الفقراء المستهدفين حتى تكون لديهم القدرة على استخدام أموال التبرعات؟

-هل تحترم المنظمة المعايير الثقافية والاجتماعية للمنطقة التي تود خدمتها؟

وأشار هيجنز إلى مثل أفريقي يقول: إذا أعطيت رجلًا سمكة فإنه يأكلها ويعود لك غدًا من أجل سمكة أخرى، ولكن إذا أعطيته قاربًا، فقد أصبح قادرًا على صيد السمك كل يوم بنفسه. ونصح هيجنز من يريد تقديم الخير حقًا بأن «لا تتبرع بالأموال إلى مؤسسة خيرية أو منظمة غير حكومية تبتز عواطفك؛ وبدلًا من ذلك، اطلب بيانًا ماليًا لما يفعلونه، لأن فعل الخير مصطلح واسع جدًا».