عندما كان العلماء يقولون: إن الجسم البشري أقوى مما يظن البعض، وأنه يحتوي طاقة وإمكانات كبيرة لم تكتشف، ربما كان البعض يعتقدون أن الكلام فيه بعض المبالغة، لن ندخل في هذه الجدلية الآن، لكن الأمر المؤكد، والذي يهمنا الآن أن فضلات الإنسان تحتوي على طاقة يمكنها حرفيًا إضاءة وتشغيل مدنًا بأكملها.

ربما الآن تقول: إن هذه الفرضية مبالغ فيه؟ حسنًا، الأمر ليس به أي مبالغة على الإطلاق، وحتى تكون الأمور واضحة لك، فنحن لا نتحدث هنا عن القمامة، بل نتحدث صراحةً عن مخرجات الإنسان المتمثلة في البراز، وكيف أنه أصبح مصدرًا للطاقة بالفعل في عدة مناطق حول العالم.

بالتأكيد فإن معظم الناس لا يفكرون في هذا البراز، ويعتبرونه نوعًا من الفضلات التي يجب التخلص منها فقط لا غير، لكن يبدو أنه حان الوقت لتغيير هذه الفكرة، والنظر لهذه الفضلات بجدية أكبر؛ لأن الطاقة الموجودة في هذه الفضلات مثيرة للدهشة بالفعل.

كيف نحصل على الطاقة من البراز؟

السر كله هنا في إنتاج غاز الميثان بصورته الملائمة للاستخدام المنزلي، وهو ما نطلق عليه اسم الغاز الحيوي أو الغاز الطبيعي. هذه العملية تسمى «الهضم»، والأجهزة المستخدمة لذلك يطلق عليها اسم «جهاز هضم الغاز الحيوي». عملية الهضم هذه تنتج لنا في النهاية الغاز الحيوي الغني بالميثان والذي يستخدم لتوليد الطاقة والتدفئة، ويتميز – وهذا هو المهم – بأنه غاز صديق للبيئة ويعطي أقل انبعاثات ممكنة للكربون.

في محطات معالجة مياه الصرف الصحي، تصل مياه الصرف الصحي بما فيها من فضلات بشرية ليمر عبر مرشحات لإزالة المواد الصلبة، وتترك المياه، وما بها من مواد شبه صلبة كالبراز. بعد ذلك يترك السائل حتى تنفصل المواد شبه الصلبة الأخف عن بقية المياه، وهنا يكون مفترق طرق. بالنسبة للمياه تنتقل إلى الخطوة التالية للمعالجة عبر تعريضها للبكتيريا في وجود الهواء، لتقوم هذه البكتيريا بتكسير المواد العضوية، ثم يضاف الكلور ومواد أخرى حتى نحصل على مياه نظيفة.

على الطرف الآخر تنتقل المواد شبه الصلبة إلى غرفة مغلقة وتترك لنوع آخر من البكتيريا يسمى البكتيريا اللاهوائية، والتي تحدث عملية تشبه التخمر لهذه الفضلات، لينتج عنها غاز الميثان وثاني أكسيد الكربون، وعبر إزالة أغلب كمية ثاني أكسيد الكربون، نحصل على الغاز الحيوي أو الغاز الطبيعي. المميز هنا أن بقايا مواد عملية الهضم لم تزل نافعة ويمكن استخدامها كسماد للتربة، أو يمكن تجفيفها وضغطها وتحويلها لصناعة الطوب القابل للاحتراق، مثل الفحم.

الدول المتقدمة.. بريطانيا رائدة

تستفيد محطات الصرف الصحي في جميع أنحاء العالم المتقدم من هذه الطاقة من أجل توفير الطاقة اللازمة لإدارة منشآتها. على سبيل المثال تحصل إحدى محطات المعالجة في المملكة المتحدة على 50% من طاقتها باستخدام البراز الذي يصل إليها من شبكة الصرف الصحي.

لم يقتصر الأمر على هذا، بل إنه في عام 2014 بدأت شركة مياه بريطانية بإمداد المنازل بالغاز المنزلي اللازم للتدفئة، والطهي الناتج من الفضلات البشرية. هذه البداية شملت في ذلك الوقت، تزويد 4200 منزل سنويًا بـ«طاقة البراز»، وبالطبع، توسعت هذه التقنية الآن وزاد عدد الشركات التي يعتمد عليها لتصبح ملايين المنازل في بريطانيا فقط تعتمد على هذا الأمر.

دولي

منذ شهر
هل تصلح الشمس ما أفسدته الحرب؟ أزمة الطاقة في مناطق النزاعات

ولأن عملية معالجة المياه والتخمر البكتيري للبراز هي عملية كيميائية تولد حرارة، فإن بقايا مياه الصرف الصحي تكون ساخنة إلى حد ما، وهنا انتقلت شركة بريطانية لمعالجة المياه إلى خطوة تالية عبر تحويل مسار هذه المياه إلى شبكة التدفئة إلى المنازل لتساهم في توفير طاقة، وبالتالي خفض انبعاثات الكربون أكثر.

جدير بالذكر أن أوروبا تعد بشكل عام رائدة في مجال استخدام الغاز الحيوي بقرابة 17 ألف مصنع لإنتاج الميثان من المكونات العضوية المختلفة، وبينها البراز، لإنتاج الحرارة والكهرباء، وتسيير وسائل النقل.

الدول النامية.. مالاوي نموذجًا

الأمر الآن لم يعد قاصرًا على الدول المتقدمة، بل بدأت مشاريع مميزة تظهر في دول العالم النامي، والتي تقدم وسيلة ليس فقط لإنتاج الطاقة المتجددة، ولكن أيضًا من أجل التعامل الأمثل مع مشكلات الصرف الصحي في تلك الدول؛ إذ يؤدي فائض مياه الصرف الصحي وسوء إدارتها في بعض الدول إلى تلوث إمدادات المياه النظيفة؛ مما يؤثر على صحة الناس وصحة النظم البيئية المحلية.

أحد النماذج الرائعة المطبقة في دولة ملاوي، كان ما قام به أحد السجون يدعى «سجن مولانج»، ففي السابق، كان السجناء يحتاجون إلى قطع الخشب من الغابة القريبة وتوفير ما متوسطه مترين مكعبين من الخشب، لإعداد الطعام لحوالي 200 سجين في ذلك السجن، وكانت عملية قطع الأخشاب شاقة، وتستلزم ويمكن أن تستمر لمدة خمس ساعات تقريبًا.

الآن جاء للسجن حل غير معتاد عبر تركيب نظام إنتاج الغاز الحيوي (جهاز هضم الغاز الحيوي) في السجن، ليقوم بتحويل المواد العضوية – بما في ذلك الفضلات البشرية – إلى طاقة، وكما ذكرنا كان النظام المركب بسيطًا ومصنوعًا من البلاستيك ليحمل البراز والفضلات البشرية إلى الجهاز المخصص لإنتاج البكتيريا اللاهوائية التي تنتج غاز الميثان، الذي يدخل إلى أنابيب أخرى ليصل مواقد الغاز في مطبخ السجن.

هذا الجهاز لم يوفر فقط الطاقة، بل حسن ظروف النزلاء في السجن؛ لأن السجناء المكلفين بالروتين اليومي الممل المتمثل في تقطيع الأخشاب لم يعودا بحاجة لذلك، كذلك أصبحت عملية الطهي أكثر فعالية لأن الطهي بالغاز أسرع، كما خفض السجن أيضًا من استهلاكه للحطب بنحو النصف، وساعد النظام الجديد في تقليل فواتير الكهرباء على السجن، مما وفر ما متوسطه 310 ألف و400 ميجاواط (تعادل 400 دولار) كل شهر على الحطب والكهرباء.

لاحظ أنه في ملاوي 97% من السكان يعتمدون على الغابات والأخشاب للحصول على الطاقة، لهذا فإن ملاوي لديها واحدة من أعلى معدلات إزالة الغابات في أفريقيا، وانخفضت مساحة الغابات الأصلية (الغابات الموجودة طبيعيًا ولم تزرع عبر البشر) في البلاد بمقدار 60%، وقد بدأت بالفعل عدة مؤسسات أخرى بالبلاد استخدام هذا النظام في انتظار إنتاج نموذج أصغر ملائم للبيوت العادية. الأمر لا يقتصر على مالاوي بالطبع، فعدة دول بدأت تسير في هذا الاتجاه مثل أوغندا التي حولت فيها المدارس مراحيضها إلى وحدات منتجة للطاقة عام 2014.

البراز.. موارد مهدرة

أنظمة معالجة مياه الصرف الصحي ليست موجودة في كل مكان في العالم، وحتى نكون أكثر دقة، فإنها ليست متوافرة بما يكفي في دول العالم النامي، وهذا الأمر يعني وجود إمكانيات كبيرة غير مستغلة لهذه الفضلات التي تحتوي على قدر غير قليل من الطاقة.

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن 2.3 مليار شخص لا يملكون مرافق الصرف الصحي الأساسية، ليس هذا فحسب، بل إن 892 مليون شخص يمارسون التغوط في العراء، وفي المقابل يستخدم 2.9 مليار شخص فقط، أو 39% من سكان العالم، مرحاضًا عامًا أو خاصًا متصل بنظام مناسب للتخلص من مياه الصرف الصحي ومعالجتها.

وظهر في تقرير نشرته الأمم المتحدة عام 2015، رؤية تحمل حلًا محتملًا لمشكلة الفضلات البشرية واسعة الانتشار. التقرير ذكر إنه إذا أمكن حصاد البراز الذي ينتجه أولئك الناس الذين يمارسون التغوط في العراء، فيمكن أن يولد ما لا يقل عن 200 مليون دولار من إنتاج غاز الميثان وحده، ويزود ما يصل إلى 10 ملايين منزل بالكهرباء، ووفقًا لتقرير صادر عن جامعة الأمم المتحدة في اليابان عام 2015، إذا حولنا جميع البراز البشري إلى غاز حيوي، فيمكن أن يوفر الكهرباء لـ138 مليون أسرة. يبدو الأمر مذهلًا، أليس كذلك؟

مخاطر محتملة

مما سبق يتضح أن هذه التقنية تستحق التعميم، خصوصًا إذا اتبعنا المعايير المناسبة الخاصة باستخدام أجهزة وأنظمة هضم حيوية سليمة ومبنية بشكل صحيح حتى لا تحدث بعض المشاكل أو مخاطر تسرب البكتيريا الموجودة في البراز، والتي يمكن أن تسبب بعض المشاكل الصحية.

المعيار الأهم هنا لتجنب هذه المشاكل هو أن يكون النظام معزول بشكل كامل، خصوصًا في محطات معالجة مياه الصرف الصحي التي تحدث فيها عمليات معالجة المياه من جهة، وتحويل الفضلات إلى طاقة من جهة أخرى، ففي حال حدوث خطأ وتلاقى النظامين، فإن هذا يعني تلوث بكتيري للمياه النظيفة؛ مما يؤذي المتعاملين معها، سواء كان يشربها إنسان أو حيوان، أو تذهب لري النباتات.

وعلى الرغم من أن الغاز الحيوي يبدو خيارًا جيدًا لخفض النفايات وانبعاثات الكربون، إلا أنه ليس طريقة مثالية بلا عيوب، وفي الوقت الحالي لا توجد تقنيات جديدة لتبسيط عملية توليد الغاز الحيوي وتحسينها، وتحويلها لإنتاج الغاز على نطاق واسع لعدد أكبر من السكان، في ظل اهتمام الحكومات بالاستثمار الأكبر في مجالات أخرى كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وربما يحمل لنا المستقبل بشرى سارة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد