هل تساءلت يومًا عما إذا كان أسلافنا القدماء قد عرفوا المخدرات واستخدامها أم لا؟ حسنًا هذا ما سنعرفه سويًا اليوم في رحلة نحو الماضي، نحو عصور ما قبل التاريخ، فعصور ما قبل التاريخ هو مصطلح أطلقه علماء الآثار على العصور التي سبقت اختراع الكتابة، أي حتى 3400 سنة تقريبًا ق.م، إذ إننا نؤرخ لمعرفتنا بالأمم الماضية بما تركوه من نقوش مكتوبة، وعليه فعصور ما قبل التاريخ لا تعني جهلًا تامًّا بالأمور الحياتية، إنما تعني فقط عدم اكتشافنا لنظام كتابة ما يعود لتلك العصور البعيدة، والآن لنبدأ رحلتنا. 

عيش الغراب.. ما هذا الشىء؟ 

إن معرفتنا البشرية تبدأ دائمًا بالفضول، ثم تتحول من الفضول إلى التفكير في التجربة، وأخيرًا تكلل بالنجاح أو توصم بالفشل بعد التجربة، فالتجربة والخطأ دائمًا كانا المبدأ الإنساني العام لإنجاز الأمور. 

كان نبات عيش الغراب بشكله العجيب مثار اهتمام هؤلاء الأسلاف، وخاصة عيش الغراب المعروف حاليًا بالفطر السحري وهو عيش الغراب البري أو المزروع الذي يحتوي على السيلوسيبين، وهو مركب كيميائي طبيعي قوي التأُثير ومسبب للهلوسة ويتواجد في حوالي أكثر من 200 نوع من أنواع عيش الغراب.

غالبًا ما كانت الأمور تبدأ بتقديم هذه النباتات قرابين إلى الآلهة ثم سرعان ما يرغب الإنسان في تذوق الثمرة فقام بتجربة هذه النباتات ليكتشف تأثيرها وقد أوضحت دراسة أثرية حديثة لبقايا هياكل عظمية من حضارة المايا تعود لحوالي 3500 سنة قبل الميلاد استخدام الفطر السحري في الطقوس الدينية بكل من وادي المكسيك وبقية أمريكا الوسطى، وقد أسموه «الفطر المقدس» إضفاءً للخصوصية على تجربة تناوله. 

وفقًا للمعهد الأمريكي الوطني لتعاطي المخدرات، فإن عقار السيلوسيبين يؤثر في ردود الفعل الحركية لدى الناس وسلوكهم وإدراكهم للوقت. يمكن أن يعاني الأشخاص أيضًا من ردود أفعال كالإصابة بالذعر أوالذهان أثناء استخدامه، وخاصة أولئك الذين يستخدمون جرعات كبيرة، كما ارتبط استخدام السيلوسيبين على المدى الطويل بالإصابة بالأمراض النفسية والتسبب في ضعف الذاكرة.

هل سمعت عن صبار يسبب الهلوسة من قبل؟ 

لقد عرفه القدماء قبل أن نعرفه نحن، فقدت وجدت بقايا للصبار المهلوس تعود إلى 5 آلاف سنة قبل الميلاد في كهف بالمكسيك وآخر بولاية تكساس الأمريكية، ويسمى هذا الصبار بصبار الميسكالين وهو من أندر أنواع الصبار التي لا تحتوي على شوك مما سهل عملية مضغه، وهنا اكتشف القدماء تجربته.

والميسكالين مادة كيمائية طبيعية موجودة في رؤوس أزهار الصبار المهلوس المعروف أيضًا بصبار وليمز أو البيوت، ويبدأ تأثير مادته الفعالة هذه بعد مرور ساعتين أو ثلاث ليستمر تأُثيره في الجسم لمدة 12 ساعة. تختلف تأثيرات الهلوسة هنا اختلافًا كبيرًا من شخص إلى آخر بل حتى بين المرة والأخرى اذا كان سيتعاطاه نفس الشخص، مما يشير إلى أن تأثيره يعتمد على الحالة المزاجية والنفسية للشخص وكذلك الإطار الذي يتم فيه إعطاء الصبار.

وقد كانت تتخلل هذه الممارسات كما في الفطر السحري طقوس دينية كذلك، وقد أوضح أولئك الذين استخدموا الصبار – حديثًا – أنهم رأوا هلاوس «ملونة» كما أحسوا بانعدام الوزن وعدم القدرة على إدراك الزمان والمكان. حسب موسوعة بريتانيكا فإن الآثار الجانبية لمادة الميسكالين عادة ما تكون هلاوس بصرية وسمعية بالإضافة إلى الغثيان والقيء. كما يمكن أن يسبب تناول «البيوت Peyote» لزيادة درجة حرارة الجسم ومعدل ضربات القلب، وعدم انتظام الحركة، والتعرق الشديد والاحمرار وفقًا للمعهد الأمريكي الوطني لتعاطي المخدرات. 

عشبة الشيطان.. مخدرات ما قبل التاريخ

إنها نبات يسمى الداتورة وهو جنس من حوالي تسعة أجناس من النباتات السامة التي تعود لعائلة الباذنجانيات، وتشير الدراسة إلى أن هذه النباتات كانت تستخدم طبيًّا في البداية ككل النباتات الأخرى في علاج الجروح وتخفيف الآلام.

لكنهم سرعان ما اكتشفوا تأثيرها المهلوس فتم استخدامها في الطقوس الدينية للمايا، إذ يجادل علماء الآثار ودارسو حضارة المايا أن أولئك الأشخاص الذين كانوا يستخدمون باعتبارهم تضحيات بشرية للآلهة كان يتم تخديرهم بمشروبات تؤثر في وعيهم وإدراكهم لاحتوائها على عشبة الداتورة التي اشتهرت أيضًا باسم عشبة الشيطان. 

والداتورة لا تقوم بزيادة أو اتساع الرؤية البصرية كبقية المهلوسات إنما تقوم على الحد من الكفاءة البصرية مع زيادة الهلاوس والأوهام الإدراكية. 

فنانو الكهوف الصخرية

الآن نعود للوراء أكثر، حيث تقودنا رحلتنا إلى العصور الحجرية، في دراسة مثيرة للاهتمام نشرت في دورية «Adaptive Behavior» العلمية في عام 2013 قام بها باحثون في معهد تاكاشي ايجاكمي الياباني حول أشكال الرسوم الكهفية حول العالم أو ما يعرف اصطلاحًا بالرسم الصخري نظرًا لوجوده داخل كهوف تعود للعصور الحجرية.

 قامت الدراسة بتجميع صور متعددة لرسوم الكهوف الصخرية من مختلف دول العالم ومقارنتها بالرسوم الحديثة التي يرسمها أولئك الواقعين تحت تأثير المهلوسات، لتخرج بنتيجة مدهشة لتطابق الرسوم القديمة مع تلك الحديثة، مما أرجعه الباحثون لوقوع الرسام الحجري القديم تحت تأثير العقارات المهلوسة التي عرف استخدامها في الطقوس الدينية. 

يقول الباحثون توم فروسي وألكسندر وودوارد وتاكاشي إيكيجامي أيضًا أن رجال الكهوف كانوا يبحثون بنشاط عن هذه الأدوية لإعطاء معنى أكبر لرؤيتهم والعالم من حولهم، ووفقًا للدراسة المنشورة، تميل أدمغة البشر إلى رؤية أنماط وأشكال معينة عندما يكونون في حالة وعي متغير.

وتجدر الإشارة لملاحظة محورية سلطت الدراسة الضوء عليها، وهي تشابه الرسوم الصخرية من مختلف دول العالم رغم اختلاف مناطق وجودها وفنانيها وبيائتهم، وهي رسوم تعود لفترة موغلة القدم منذ حوالي 40 ألف سنة لكنها تظهر أنماطًا وتصميمات متشابهة رغم ذلك. 

تشبه هذه الأنماط القديمة تلك التي أنشأها البشر، في اختبارات حديثة، تم إجراؤها أثناء حالات ممثالة من تغيير حالة العقل مما قاد الباحثين إلى الاستنتاج أن فن الكهوف مستوحى من مزيج من الطقوس الدينية وتغييرات في الدماغ حدثت نتيجة التفاعلات الكيمائية الناتجة عن تعاطي المهلوسات. 

اعتمدوا في الدراسة على أن انتشار أنماط هندسية معينة في الثقافة المادية الرمزية للعديد من ثقافات ما قبل التاريخ ممثلة في رسوم الكهوف الصخرية، والتي بدأت بعد فترة وجيزة من ظهور الأنواع البيولوجية التي نعرفها واستمرارها في بعض الثقافات الأصلية حتى اليوم، لا يمكن فهمه إلا من خلال تشابه تجربة الهلوسة وآثارها البيولوجية بين القدماء والمحدثين. 

خلال الدراسة، ناقش فروز وزملاؤه الأبحاث السابقة التي استكشفت استخدام المخدرات في ثقافات السكان الأصليين. تقترح نتائج الدراسة أن هذه الهلاوس تحدث بالدماغ نتيجة لرؤيته «أنماطًا وأشكالًا عصبية». يضيف الباحثون أن أناس الكهوف كانوا يتناولون هذه المخدرات ضمن طقوس دينية يقومون بها حتى «تأخذهم هذه المخدرات إلى مكان أكثر روحانية». 

ولأنها رسمت ضمن أداء الطقوس فقد اعتبرت هذه الرسومات التي قاموا بها على جدران الكهوف أكثر أهمية وربما حتى قدسية لإنسان الكهوف من غيرها، مما قد يفسر تكرار هذه الأنماط والأشكال في مختلف الكهوف، إذ يفترض الباحثون بأنه «عندما تُرى هذه الأنماط المرسومة خلال حالات الوعي المتغيرة، يتم التعامل باعتبارها مشحونة بدلالات عظيمة».

بمعنى آخر يمكن النظر إلى هذه الرسومات باعتبارها ذات مغزى إلى حد ما، وبالتالي فهي تصلح لاستخدامها كأداة طقسية – حسب الدراسة – ويتوقع الباحثون أن وجود ما يسمى بدينمايكية الاكتفاء الذاتي لدى الإنسان هو ما يفسر اعتبار هذه الأشكال والرسوم بعينها أكثر أهمية من غيرها بما يشبه الاكتفاء بها، وفي الوقت نفسه فقد تكون الدنيماكيات العصبية الكامنة وراءها قد لعبت دورًا بوصفها وسيطًا بين العالم الحقيقي والخيالي لخلق ما يشبه الطفو على الواقع. 

ومع ذلك، ما زالت هذه منطقة مجهولة للباحثين في معرفة أو تحديد سبب اعتبار بعض الأشكال أكثر أهمية من غيرها، وبالتالي تكرارها في مختلف دول العالم. مضيفين: «بالطبع، لا يزال يتعين توضيح سبب تقدير الفنانين لهذه الزخارف الخاصة بشكل كبير وكيف أصبح هؤلاء الأشخاص فنانين قادرين على التعبير الرمزي في المقام الأول». تابع الباحثون: «من المنطقي التحقيق فيما إذا كانت الآليات البيولوجية الكامنة وراء إنتاج هذه الظواهر البصرية قابلة للتحليل أم لا». في التحليل الأخير يبدو أن علم الظواهر العصبية ليس متقدمًا حاليًا بما يكفي ليفسر خصوصية هذه التجارب، لكنه على الأقل قد نجح في إيضاح الأهمية الشديدة لها. 

أفيون الخشخاش 

يعود أقدم دليل إلى استخدام الأفيون المستخرج من الخشخاش إلى موقع أثري إيطالي يعود للعصر الحجري الحديث اسمه «لاما مورتا» منتصف الألفية السادسة قبل الميلاد، حسب دراسة علمية فإن البدء في تدجين النباتات بأوروبا قد بدأ في ذلك الوقت تقريبًا، بغرب البحر المتوسط بالتحديد ثم انتقل إلى شمال غرب أوروبا بحلول نهاية تلك الألفية. 

وكتبت «Guerra-Doce» في دراستها (The Origins of Inebriation: Archaeological Evidence of the Consumption of Fermented Beverages and Drugs in Prehistoric Eurasia): «بصرف النظر عن استخدام الأفيون كمصنع غذائي، هناك أيضًا أدلة لا جدال فيها على استغلال خصائصه المخدرة». على سبيل المثال، تم العثور على آثار كبسولة خشخاش الأفيون على أسنان هيكل عظمي لذكر مدفون في موقع تعدين بالقرب من مدينة برشلونة يعود تاريخه إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد، كما تم العثور على آثار مواد أفيونية في عظام ذكر آخر مدفون في الموقع نفسه.

ماذا عن التبغ؟ 

وفقًا للدراسة، لا يمكننا التحديد بشكل قاطع متى بدأ البشر في استخدام التبغ، ولكن من المفترض عمومًا أن هذا النبات كان موطنه الأصلي أمريكا الجنوبية. حيث تم اكتشاف أنابيب للتدخين في مواقع أثرية شمال غرب الأرجنتين تعود إلى عام 2100 قبل الميلاد، ويشتبه الباحثون في أن الأنابيب كانت تستخدم للتدخين إما للتبغ أو للنباتات المهلوسة الأخرى. 

كما تم اكتشاف النيكوتين في شعر مجموعة مومياوات من عدة فترات خلال عصور ما قبل وصول الإسبان إلى أمريكا الجنوبية، إذ كشفت بقايا شعر المومياوات المكتشفة في بلدة سان بيدرو دي أتاكاما في تشيلي أن الناس في تلك المنطقة كانوا يدخنون النيكوتين واستمرت تلك العادة من سنة 100 قبل الميلاد – على أقل تقدير – حتى عام 1450 ميلاديًا. 

بالإضافة إلى ذلك، يقول الباحثون إن استهلاك النيكوتين كان عادة اجتماعية لكل طبقات المجتمع بغض النظر عن الوضع الاجتماعي أو مستوى الثروة. ففي حوالي عام 400 ميلاديًا كان سكان تلك المنطقة من تشيلي يدخنون التبغ، وهو ما يدحض الفكرة السائدة حول أن أناس ذلك العصر دخنوا التبغ لكنهم سرعان ما تحولوا لتدخين المواد المهلوسة. 

قال المؤلف المشارك في الدراسة الخاصة بهذه المومياوات هيرمان نيماير «Hermann Niemeyer»، وهو أستاذ الكيمياء العضوية في جامعة تشيلي في سانتياغو. «ما نظهره في هذه الدراسة هو أن هذا غير صحيح» فيما يخص الانتقال السريع من التبغ إلى المواد المهلوسة. 

وجد الفريق النيكوتين في شعر 35 مومياء، على مدى سنوات عمرهم كاملة، وقال نيماير «كان العثور على النيكوتين غير متوقع بكل تأكيد». يشير السجل الثري للمنطقة أنه قد تم استبدال أنابيب التدخين تدريجيًا بصواني السعوط بعد حوالي سنة 400 ميلاديًا – وقد وجدت الدراسات السابقة للمنطقة دليلًا على وجود النيكوتين في أنابيب التدخين، ولكن ليس في مسحوق استنشاق أو أدوات استنشاق بما يعني استمرار الأهالي في ممارسة تدخين النيكوتن وليس استنشاق المواد المهلوسة التي ارتبطت على الدوام بمادة قلويدات التربتامين وهي مادة مخدرة. 

أما في أمريكا الشمالية ، فيعود تاريخ أقدم أنابيب التدخين التي تم العثور عليها إلى الألفية الثانية قبل الميلاد؛ لكن علينا الأخذ في الأعتبار أنه من الممكن استخدام هذه الأنابيب أيضًا لتدخين نباتات أخرى بخلاف التبغ، حسبما أفادت «Guerra-Doce» في الدراسة، ويعود تاريخ أقدم بقايا النيكوتين الفعلي في أنبوب في أمريكا الشمالية إلى سنة 300 قبل الميلاد. 

لا شك أن هناك المزيد من الأدلة الأثرية التي من شأنها أن تكشف لنا في المستقبل عن حقائق الماضي وتنقل أصوات أولئك الذين عاشوا منذ آلاف السنين وهم يتحدثون إلينا عبر أعمالهم الفنية وخربشاتهم على جدران الكهوف استجابة منهم للرغبة الإنسانية الخالدة في البقاء، فقد عاش هؤلاء الأجداد في بيئات قاسية لا يمكننا تخيلها الآن، وواجهوا أخطارًا متعددة لكنهم استمروا في البقاء وتركوا آثارهم لتحكي قصتهم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد