حظي الداعية عمرو خالد مؤخرًا بكم وافر من الهجوم الإعلامي، على خلفية ظهوره في إعلان دعائي لشركة دواجن «الوطنية»، إذ اعتبره طيف واسع من المعترضين استغلالًا للدين في الترويج التجاري لسلعة ما، بعدما ربط بين «الارتقاء إلى الله في قيام الليل»، وتناول هذا النوع تحديدًا من الدجاج.

جدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها عمرو خالد للربط بين صحيح الدين في الترويج الدعائي لمنتج محدد، إذ سبق واعتمد الطريقة نفسها أيضًا في الترويج لإحدى شركات صناعة العطور، وهي شركة «عطور عبد الصمد القرشي» ما أثار حينها استهجان البعض، خصوصًا بعدما راح يشرح فلسفته قائلًا: «أنا أعتقد أن العطور، ومهنة العطور، وأيضًا الطريقة التي يعرض بها عبد الصمد القرشي منتجاته تتفق مع القيم الإسلامية التي تدعو للجمال».

https://www.youtube.com/watch?time_continue=1&v=pBAe6ore7XQ

ما يجعلنا نسأل عن «صورة الدعاة»، وما لحق بها من آثار قطعًا سلبية، بدليل الانتقادات الحادة التي انطلقت على منصات التواصل الاجتماعية تهاجم نمط الدعاة الجدد بشكل عام، وعمرو خالد على وجه الخصوص؛ بسبب إعلانه الأخير، ما اضطره للاعتذار عبر فيديو بثه لاحقًا، حاول خلاله نفي استغلاله الدين، مؤكدًا أنه فقط «أخطأ التعبير»، حاذفًا الفيديو الدعائي من على صفحته الخاصة، وهو ما فعلته أيضًا الشركة المنتجة لهذه الدواجن.

هل أخطأت «الوطنية» في الاستعانة بعمرو خالد في الدعاية لمنتجها؟

يؤكد الدكتور صفوت العالم أستاذ الإعلان في كلية الإعلام جامعة القاهرة، في تصريحات لـ«ساسة بوست» أن أي إعلان مهما كان لا بد أن يتسم بالمنطق، وأن تستند رسالته الإعلامية والإعلانية إلى بيانات ومعلومات منطقية، ولأن الهدف من الإعلان هو التأثير في المستهلك لحثه على شراء المنتج؛ يجب مراعاة نفسية المستهلك وعقليته، ومن ثم اختيار أنسب الطرق لإقناعه، والشخوص الذين يتم اختيارهم لأداء هذه المهمة ومدى مصداقيتهم لتحقيق هذه الرسالة.

الكلام نفسه أكدته ميرت أبو ذكري، منسق الحملات الإعلانية لشركة سمارت ميديا، في حديثها لـ«ساسة بوست» حول ضرورة وجود تشابه بين المنتج الذي نهدف لتسويقه، والشخصية التي تسند إليها هذه المهمة، فمثلًا إن كان المنتج خاصًا بالشباب يفضل أن يقوم بالمهمة شاب، وإن كان منتجًا رياضيًّا يفضل بالطبع أن يروج له شخص رياضي. وهكذا لا بد من توافر عوامل تشابه بين السلعة أو المنتج الذي نهدف للترويج له، والشخصية التي تقوم بهذه المهمة.

وبغض النظر عن شهرة الشخصية المعلنة، فالمصداقية هنا هي الأساس، وهي التي تؤكد مساحات التشابه بين الطرفين، وهو ما لم يتوافر -في رأي ميريت- في إعلان الدجاج الذي تحمس عمرو خالد للترويج له، وهو ما سيؤثر بالسلب حتمًا في المنتج، فلا مساحات تشابه تؤهله لتقديمه، اللهم إلا كون المنتج «سعوديًّا»، وتم ذبحه على «الطريقة الإسلامية»، ومن ثم يتم الترويج له بوصفه حلالًا.

وتتساءل ميريت مع غيرها: هل يعاني عمرو خالد من مشاكل مادية دفعته إلى قبول هذه المهمة؟ خصوصًا وأنها ليست الأولى، فلقد سبقه إعلان آخر عن العطور كما أشرنا سلفًا ، في إشارة لتراجع شعبيته، والتي كانت تتيح له تقديم برامج دعوية تدر عليه الربح، ما يفسر توجهه إلى الإعلانات والترويج للسلع.

تشير ميريت كذلك إلى أنه لا يمكن قصر دور الإعلان على خدمة بيع السلعة فقط، والتي بالمناسبة حققت غرضها ونالت من الشهرة ما كانت تهدف له، وهو برأي ميريت «أسلوب غير لائق للأسف يتبعه البعض في الترويج لمنتجاتهم، وليذهب إلى الجحيم الشخص الذي عهد له بهذه المهمة»، في إشارة إلى الصورة السيئة التي لحقت بالداعية، والثمن الغالي الذي سيدفعه من مصداقيته لاحقًا.

لكن العالم يختلف مع بعض ما طرحته منسق الحملات الإعلانية ميريت أبو ذكري، تحديدًا ما يتعلق بالرسالة الإعلامية (الغرض من وراء الإعلان عن منتج ما)، والتي تفتقد في إعلان عمرو خالد عن الدجاج المصداقية، فليس معنى أن الإعلان حقق شهرةً أنه نجح في حصد الغرض الذي يبحث عنه، لسبب بسيط أنه افتقد المصداقية، مشيرًا إلى أنه فقط وظف صورته بوصفه داعية للحديث عن الروحانية التي تتحقق من تناول هذا النوع تحديدًا من الدجاج، مع أن الدجاج كله من خلق الله، ومن ثم لا فرق هنا بين هذه الشركة أو غيرها.

ويشير العالم إلى أن ما تبقي فقط من هذه التجربة هو السخرية من الداعية، ومن المنتج نفسه الذي ربما حقق شهرة ولكنه افتقد أيضًا المصداقية، كونه اعتمد أسلوب المبالغة في الترويج لرسالته الإعلانية، وبدلًا من أن تكون الدعاية مساندة رسالته الإعلانية تحولت إلى شكل من أشكال الدعاية المضادة.

ويواصل العالم قائلًا: «للأسف خالد قدم رسالة إعلانية فيها مبالغة بغية مصلحة شخصية، ومن أجلها وظف صورته كداعية فخسر كثيرًا، كذلك المنتج نفسه لن يحقق رواجًا رغم ما ناله من شهرة لاعتماده على رسالة إعلانية تفتقد المصداقية».

القائمة تطول.. عمرو خالد ليس الوحيد

المؤكد أن خالد ليس الوحيد بين الدعاة الذي خاض تجربة الإعلان لسلعة ما، فالذاكرة ما زالت تحتفظ بالدور الذي لعبه إمام الدعاة محمد متولي الشعراوي، والذي يتصدر القائمة بوصفه الداعية الأشهر الذي ساهم في الترويج لشركات توظيف الأموال التي طفت على الساحة في ثمانينيات القرن الماضي، إذ كان يساند أصحاب شركة الهدى لتوظيف الأموال، ويحضر افتتاح مشاريعهم، الأمر الذي شجع عددًا كبيرًا من المودعين على التعامل مع تلك الشركات.

وفي رأي البعض، تلك الشركات كانت تلعب على الوازع الديني لدى المواطن المصري؛ فقامت بدعوة الشيخ الشعراوي وغيره من الشخصيات العامة والمسؤولة في ذلك الوقت إلى حفلات افتتاح مشاريعها، كما نشرت صورة إمام الدعاة بالصحف للإيعاز للمواطن بأن الشيخ الشعراوي يدعم المنهج الاقتصادي الإسلامي الذي تتبناه تلك الشركات، ولتأكيد النزعة الإيمانية لأصحاب تلك الشركات.

من الدعاة الذين خاضوا التجربة أيضًا الداعية السعودي عادل الكلباني الذي سبق وروج لنوع محدد من الشاي الأخضر بإضافة العلامة التجارية لهذا المنتج عبر تغريدته، مبرزًا فوائده في تخفيف الوزن، ما عرضه بالطبع لانتقادات كثيرة.

كذلك الداعية السعودي محمد العريفي تعرض هو الآخر للانتقادات بسبب إعلان عطور، ثم إعلان ماركة أرز ضمنها إحدى تغريداته، والتي راح يتحدث فيها عن آداب تناول الطعام على الطريقة الإسلامية، وكما ذكرنا ضمنها صورة إعلان المنتج، ما دفع عدد كبير من النشطاء إلى مهاجمة العريفي قائلين إنه لا يليق بداعية بحجمه أن يتكسب من نشر دعايات لشركات تجارية.

«إسلام السوق».. الدعاة الجدد وتسويق «ما يطلبه المستمعون»

استخدام الدعاة في الترويج الإعلاني لأي منتج يفسره الباحث السويسري باتريك هايني في كتابه «إسلام السوق»، راسمًا ملامح الدعاة الجدد، والذين باتوا يخاطبون أنماطًا اجتماعية جديدة ليسوا من مرتادي الجوامع؛ بل النوادي الشهيرة وفنادق الخمس نجوم.

ما يفسر-بحسب هايني- لماذا نرى هؤلاء الدعاة يرتدون على أحدث خطوط الموضة، ويذهبون إلى النوادي الرياضية، ويتحدثون بلغة أشبه بلغة الحياة اليومية، بغرض استهداف فئة محددة، وبعيدًا عن لغة عتاة الدعوة، الغارقة في البلاغة والمفردات الصعبة والغريبة عن المستمعين في أغلب الأحيان، ما يسهم في تصدير حالة «موهومة» من المساواة بين مستمعي عظات هؤلاء الدعاة.

فالمؤمن هنا لم يعد كسير النظرة منطفئ الملامح، فخطاب هؤلاء الدعاة يعتمد الفرد في المقام الأول، وبالتالي يُشبع حاجته لتدين متوازن يأمن معه غضب السلطة. وعليه فإن الترويج للإسلام باعتباره منتجًا موجهًا أساسًا إلى مستهلكين لهم خصوصيتهم، ويتكيف مع مطالب النفس بدلًا من إصلاحها، ويتنازل عن الهوية في مقابل عرض منتج إسلامي يتناغم مع تطلعات جمهور غارق في الاستهلاكية.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!