في الآونة الأخيرة، أصبحنا نسمع كثيرًا ألفاظًا مثل: «الرجل السند» أو «الرجل الحقيقي»، والتي تضع أُطُرًا معينة للصفات التي يجب أن يتحلى بها الرجل ليصبح جديرًا بالمرأة أو بالعلاقة. نسمع هذه الكلمات من المقربين، ونراها على صفحات السوشيال ميديا، وكثيرًا ما تتردد بعد الحوادث العامة في المجتمعات الأبوية، والتي تختبر مفاهيم الرجولة المفترضة.

وعلى الرغم من أننا ننجذب عادةً لتلك الأُطر الجاهزة التي تحصر الرجولة والأنوثة في قوالب معينة، فإن علم النفس الحديث قد أثبت أن هذا التأطير يضع كثيرًا من القيود النفسية، ليس على النساء فقط كما هو شائع، بل على الرجال أيضًا، حتى إنها من الممكن أن تدفعهم للتصرف بطريقة عنيفة، من أجل الحفاظ على صفة «الرجولة»، والتي تجعلهم في حالة ركض مستمر من أجل تحقيقها، فما الذي يعنيه أن تكون رجلًا في أحد المجتمعات الأبوية؟

«صفة غير مستقرة».. الرجولة تُكتسب ولا تُمنح

الرجولة صفة «غير مستقرة»، من الصعب الحصول عليها، ومن السهل فقدانها. هذا ما يخبرنا به علماء الإثنوجرافيا – وهو علم يتناول الأعراق والثقافات البشرية – إذ تناولوا كيف تُجبر المجتمعات الأبوية الرجال على التصرف بطريقة معينة من أجل جني لقب «رجل حقيقي».

ففي الوقت الذي تعترف فيه أغلب المجتمعات الأبوية بالأنوثة كونها عملية بيولوجية بحتة، تصل إليها الفتاة ما إن تبلغ الحيض، دون الحاجة إلى بذل مجهود إضافي – بحسب الدراسات – للاعتراف بأنوثتها؛ طالما أن العملية البيولوجية مستمرة، يجد الرجال أنفسهم في حالة ركضٍ مستمر من أجل حصد صفات «الرجولة»، وهي الصفات التي من السهل خسارتها في المقابل، ما إن يخرج الرجل عن الإطار الموضوع من المجتمع.

Embed from Getty Images

توصلت دراسة حديثة إلى أن معضلة «الرجولة غير المستقرة» هي آفة تعاني منها كثير من المجتمعات حول العالم، إلا أنها أكثر تركيزًا وانتشارًا في المجتمعات الأبوية والقبلية والدول الأقل تطورًا.

تشير الدراسة نفسها إلى أن المرأة ليست مطالبة بإثبات أنوثتها طوال الوقت؛ بينما الرجل مطالب بإثبات رجولته في المجتمع ذاته، وهو ما يخلق جيلًا من الرجال أكثر معاناةً من اضطرابات القلق. إذ لا يتطلب الانتقال من الطفولة للرجولة حدثًا بيولوجيًّا ضخمًا، كما «الطمث» عند النساء، لأن منزلة الرجولة في المجتمع ذاته هي شيء يجب على الصبي أن يكتسبه بنفسه لنفسه.

هذا الإثبات للرجولة تختلف طبيعته من مجتمعٍ إلى آخر. أحيانًا يكون في صورة «ختان الذكور»، أو إظهار القدرة الجنسية، أو اختبار الجَلَد وقوة التحمل. وهو ما يجعل صفة «الرجولة» ليست دائمةً أو حتميةً مثل الأنوثة، لأنها تمثل مكانةً اجتماعية يجب على الصبي تحقيقها وقد يتعرض لخسارتها.

على الرغم مما يتعرض له النساء في المجتمعات الأبوية من عدم المساواة في المناصب أو الأجور، فإن وضعهن بالنسبة إلى مفاهيم الأنوثة يبقى ثابتًا، لأنه عملية بيولوجية بحتة، فإنهن يواجهن بالطبع أزماتٍ ومخاطر من نوعٍ آخر، تجعلهن أكثر حساسية خاصةً بالنسبة إلى أوضاعهن الاقتصادية، وهو ما يجعلهن، وهن غير المتحققات اجتماعيًّا مؤيدات لضرورة «تحقق الرجل اجتماعيًّا».

«الإعجاب بالأقوى».. هذا ما يدفع الرجال لامتهانِ أعمال خطيرة!

إذا ألقينا نظرة على الإحصاءات الرسمية في الولايات المتحدة – على سبيل المثال – سنكتشف أن الرجال يهيمنون على أخطر المهن داخل المجتمع الأمريكي، مما يجعل معدل وفيات العمل بالنسبة إلى الرجال أكبر بعشر مراتٍ من النساء.

كان ذلك نتاج إقبال الرجال على مهن مثل صيد الأسماك، والقنص، وقطع الأشجار، وقيادة الطائرات الصغيرة، والتي تصنف ضمن أكثر المهن خطورة في الولايات المتحدة والمتسببة في زيادة معدلات الإصابة والموت خلال العمل. فإذا كان الأمر كذلك، لماذا يقدم الرجال في الأساس على المهن الخطيرة؟

على عكس المتوقع من المجتمعات الأبوية، فإن «الرجولة» – بحسب الدراسات الحديثة – مراوغة وهشة، وعلى الذكور إثباتها مرارًا وتكرارًا، مما يضعهم تحت ضغط هائل ومستمر، ويجعلهم يعانون من اضطرابات القلق أكثر من النساء.

لذا يشعرون بأن عليهم أن يكتسبوا رجولتهم في أحيانٍ كثيرة عن طريق الإقدام على تصرفات محفوفة بالمخاطر، مثل العدوانية والعنف، وشرب الخمور، وركوب الدراجات النارية، وزيارة «أماكن الدعارة». إذ تمثل تلك المواقف تحدياتٍ للرجولة يستطيع الذكور خلالها إثبات تفردهم وتميزهم. كما يميل الرجال إلى القيام بوظائف خطرة ليثبتوا لأنفسهم وللآخرين، أنهم «رجال حقيقيون».

سببٌ آخر، هو أن الرجال يجري تربيتهم وتكوينهم اجتماعيًّا ليصبحوا «العائل الأساسي للأسرة»، وبالتالي يصبحون أكثر قابلية واستعدادًا للإقدام على امتهان أعمالٍ خطيرة، وذلك على الرغم من أن المهن الأكثر خطورة عادةً ما تكون أجورها زهيدة، فإنهم يعملونها على أية حال طالما يتلقون أجرًا.

لا يعني ذلك عدم إقدام النساء على الوظائف عالية الخطورة، إلا أن طلباتهن عادةً ما يجري رفضها لأسباب روتينية، بحسب «سيكولوجي توداي».

ربما يعود تاريخ تحديات الرجولة الحقيقية وامتهان الرجال الأعمال الخطيرة، إلى ما هو أبعد من هذا التكوين الاجتماعي الحديث؛ إذ يتصل بأسبابٍ تطورية كانت الدافع وراء بقائنا.

كان الانتقاء الطبيعي في صالح الرجال الذين يتحملون المخاطر، هؤلاء ممن تركوا منازلهم وذهبوا بحثًا عن الطرائد ولمهاجمة قبائل منافسة، ومن ثم نجوا وعادوا؛ إذ حصلوا حينها على احترام قبيلتهم، لقدراتهم على تزويدها باللحوم والغذاء، كما صدوا عنها الأذى الخارجي المتمثل في الأعداء من القبائل الأخرى.

هؤلاء الرجال المخاطرون حظوا حينها بإعجاب النساء والفتيات، وكانت جيناتهم أكثر جذبًا، وأصبحوا أكثر قابلية للتزاوج والإنجاب من إخوانهم الحذرين الذين فضلوا البقاء آمنين في قبائلهم، وبالتالي من الناحية التطورية استطاعت جيناتهم الانتصار في معركة البقاء؛ إذ جرى تمريرها بأعدادٍ أكبر، وهو ما يجعل الرجال والفتيان اليوم أكثر إقدامًا على المهن الخطرة.

لماذا اختارت المجتمعات الأبوية إرسال الرجال دون النساء إلى الحروب؟

تخيل نفسك في خضم معركة قديمة، مَن مِن المرجح أن ترسله البلدة أو المدينة للدفاع عنها؟ تاريخيًّا، نجد المجتمعات دائمًا ما تزج بالرجال إلى ساحات المعارك، في مقابل حماية النساء والأطفال من المخاطر. هذا ما تشير إليه ورقة بحثية نُشرت بالجمعية الأمريكية لعلمِ النفس عام 2007.

يتناول الباحث روي بومايستر، الأسباب التاريخية الأولى التي جعلت المجتمعات والثقافات المختلفة تدفع الرجال إلى الأعمال الخطرة والمعارك إبان الحروب. فقد كان هذا دليلًا – بحسب بومايستر – على استخدام الثقافات المختلفة لـ«الرجال»؛ إذ يجري تحفيزهم عن طريق المكافآت للإقدام على الأعمال الأكثر خطورة، والتي من الممكن أن تؤدي إلى الموت، وهو ما يجعل حياة الرجال «أقل قيمة» من الآخرين، على حد تعبيره.

Embed from Getty Images

في البحث أشار بومايستر إلى أن العيب الوحيد للنسوية من وجهة نظره، أنها قامت بوضع الرجال والنساء في خانةِ الأعداء، وكأن المجتمع استخدم النساء لصالح الرجال، وهي فكرة مغلوطة بحسبه؛ إذ تعمل الثقافات المختلفة على استخدام كلا النوعين بما يخدم مصالحها الخاصة.

يدعونا بومايستر إلى رؤية الثقافة المجتمعية نظامًا مجردًا، يتنافس ضد أنظمة أخرى، ويستخدم عناصره من رجال ونساء بطرقٍ مختلفة لخدمة قضيته.

تطوريًّا عندما كانت المجموعات البشرية تتنافس مع بعضها بعضًا، كانت الغلبة بشكلٍ عام للمجموعة الأكبر عددًا؛ لذا شجعت أغلب الثقافات الزيادة السكانية، وهو أمرٌ يعتمد بشكلٍ أساسي على النساء.

يقول الباحث: «من أجل تعظيم التكاثر، يحتاج المجتمع إلى كل الأرحام المتاحة التي يمكنهم الحصول عليها؛ لأن عددًا قليلًا من الذكور بإمكانه إتمام المهمة». كان هذا السبب الرئيس وراء إرسال الرجال جنودًا إلى ساحات المعارك، وحماية النساء آمنات في منازلهن؛ لأن هذا يمثل «حماية النوع».

مقابل ذلك جرى منح الرجال الامتيازات المجتمعية والمكافآت المجزية التي حُرمت منها النساء؛ وذلك لأنهم يقومون بأعمال الحماية، وبالتالي يحتاجون إلى محفزاتٍ للإقدام على الأعمال الخطرة.

ولهذا يتصرف الرجال بعدوانية عندما يواجهون تهديدًا لرجولتهم

لأن «الرجولة» عادةً ما تكون صفة غير مستقرة من السهل فقدانها، والحصول عليها محفوف بالمخاطر، يميل الرجال عادةً، بحسب الدراسات الحديثة، إلى التصرف بعدوانية ما إن تتعرض رجولتهم للتهديد؛ إذ يمثل العدوان تكتيكًا جيدًا لاستعادة الرجولة، وكأنهم مدفوعون من قبل قوى خارجية للقيام بذلك.

في التجربة التي أجراها الباحثان جنيفير بوسون وجوزيف فاندلو، عندما تعرضت مجموعة من الرجال والنساء للإهانات، تصرف الرجال بطريقة عدوانية، لكن اللافت للنظر أن أقرانهم من الرجال المشاركين في التجربة، قد رأوا هذا الفعل مناسبًا، لأن الرجل جرى استفزازه، وبالتالي كان مدفوعًا للدفاع عن رجولته.

المرأة

منذ سنتين
لا للواقي الذكري ونعم لإبادة الرجال.. أكثر الأفكار النسوية إثارة للجدل

تشير الدراسة إلى أن ذلك نابعٌ من أنَّ انفصال «الرجولة» عن العملية البيولوجية؛ إذ إنها صفة تكتسب بالإنجازات، وبالتالي التهديد بخسارتها يجعلهم أكثر قلقًا، وتعرض رجولتهم للانتهاك تعمل على زيادة معاناتهم النفسية، وبالتالي يستخدمون العدوانية وسيلةً جيدة للحفاظِ على تلك المكانة. وهو ما يدفع بعض الرجال بطريقةٍ غير واعية إلى التصرف بعنفٍ، كما ينظرون إلى السلوكيات العدوانية كونها جزءًا لا يتجزأ من الرجولة، ومهمة الدفاع عنها.

إذ إن هذا الوضع الجنساني غير المستقر – بالنسبةِ للرجال – له آثار في مواقف الرجال وسلوكياتهم، التي ترتبط أحيانًا بالعنف، وقد أثبتت الدراسة أن تهديد الرجولة قد يؤدي إلى تنشيط الإدراك العدواني عند الرجال بصورة أكبر من النساء، لكن الرجال يعملون على استخدامه بطريقة إستراتيجية، عندما يكون هناك احتمالية كبيرة للعنف أن يؤتي ثماره بنجاح. ولهذا يميل الرجال الأكثر قوة بدنية إلى السلوكيات العدوانية بصورة أكبر من أقرانهم.

عن ذلك تقول بوسون: «يجعل ذلك الرجال قلقون بشدة بشأن صورتهم في عيون الآخرين»، وهو ما يدفعهم للاهتمام بالصورة الجسدية والقوة البدنية وإظهار العضلات، وذلك لأن الآثار النفسية السلبية الناتجة من اهتزاز رجولتهم بالمجتمع قد تتراوح ما بين الاكتئاب والقلق وتدني احترام الذات، وهو ما يجعلهم في حالة دفاعٍ مستمر من أجل إثبات «القيمة» والمكانة، ويجعل الباحثة اليوم تشعر بتعاطف أكبر تجاه الرجال.

المصادر

تحميل المزيد