الشيء الوحيد الذي نعرفه على وجه اليقين حول الزلازل، هو أن أحدها سيقع مرة أخرى، في مكان ما على هذا الكوكب، وقريبًا جدًا. تشكل الزلازل مجموعة حيوية، لكنها محيرة، من الأسئلة البحثية التي أربكت العلماء عقودًا من الزمن، ولا تزال، ولكن طرقًا جديدة للنظر في المعلومات الزلزالية والتجارب المعملية المبتكرة، بدأت تقدم أدلة جيدة حول ما الذي يطلق الزلازل، والأهم من ذلك هو متى.

الكثير منا يعلم أن الملايين من الزلازل تهز العالم كل عام، فالأرض تترنح فجأة، ردًا على تحركات الصفائح التكتونية التي تشكل القشرة الأرضية. هذه الألواح تتدافع فوق بعضها البعض، وتحت بعضها البعض، وضد بعضها البعض، إذ إنها تتحرك بشكل دائم في جميع أنحاء العالم. كل عمليات التدافع والتزاحم هذه تؤدي إلى تراكم التوتر على طول الصدوع أو الكسور أو الفواصل في الصخور المكونة للقشرة الأرضية، حتى يحدث شيء ما يجب أن يقع؛ زلزال.

كبار صناع السينما في هوليوود حاولوا كثيرًا التحدث عن الزلازل وكيفية التحكم بها أو كيفية التنبؤ بها في الكثير من الأفلام. ولعل آخر هذه الأفلام كان فيلم سان أندرياس (San Andreas)، الذي يحكي عن اثنين من العلماء الذين يجرون التجارب للوصول إلى عملية تنبؤ بالزلازل، ليفاجئهم وقوع زلزال جديد ناتج من تمزق أحد التصدعات الشهيرة في القشرة الأرضية. وجد أحد العلماء بعد ذلك أن صدع سان أندرياس في غرب الولايات المتحدة، بدأ في التزحزح متسببًا في تدمير المدن الواقعة على جانبيه.

من هنا نلاحظ أن حلم العلماء الكبير في هذا المجال هو التنبؤ بوقوع الزلازل، بغرض حماية البشرية من نوعية الزلازل الضخمة المدمرة، والتي يمكن لبعضها أن تتسبب في فناء مدن كاملة.

أدوات جديدة

يسعى علم الزلازل لفهم ما الذي يسبب الزلازل من خلال تتبع وقوعها، وقياس قوتها، واستخدام تكنولوجيا التصوير المتطورة لاستكشاف الطبيعة الجيولوجية تحت سطح الأرض حيث تقع الزلازل. اليوم يمكننا تحديد التصدعات الموجودة في القشرة الأرضية، وتمييزها، ووصفها، وشرح العديد من الضغوط التي تسبب عدم قدرة هذه التصدعات على تحمل الضغط الشديد.

ولكن، ما زلنا لا نستطيع أن نفهم تمامًا التفاصيل الموجودة داخل هذه التصدعات، أو كيف أن هذه التفاصيل من الممكن أن تتحكم في موقع ووقت حدوث الزلازل. هذا هو السبب الأساسي، أو لنقل الفكرة والمبدأ وراء عدم قدرة علماء الجيولوجيا على التنبؤ بوقوع الزلازل.

ونرجع هنا ونقول، ولكن علماء الجيوفيزياء وعلماء الحاسوب في مختبر لوس ألاموس الوطني، يرتبون عرضًا لمجموعة جديدة من الأدوات، لدراسة التفاعلات والتداخلات بين الزلازل، والزلازل المبدئية أو الأولية (والتي تكون في كثير من الأحيان حركات أو هزات أرضية صغيرة جدًا)، والتصدعات. وتشمل هذه الأدوات تجارب تُجرَى في أحواض كبيرة الحجم في المختبرات المجهزة التي تحاكي الزلازل. هذه الأدوات تتميز بأنها أكثر حساسية، ومنتشرة على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، مما يمنح إنتاجية أكثر كثافة فيما يتعلق بالبيانات والجداول، أضف إلى هذا أجهزة الكمبيوتر العملاقة التي يمكنها أن توجد علاقات مفيدة بين كميات البيانات الضخمة هذه.

ولأنه من الصعب جدًا مراقبة التفاعلات على مستوى جيولوجي تحت الأرض، فقد طور فريق لوس ألاموس البحثي، مع متعاونين في ولاية بنسلفانيا، ومعهد المسح الجيولوجي الأميركي، والمعهد الفيدرالي السويسري في زيوريخ، ومعهد فيزياء الكرة الأرضية ومدرسة إيكول نورمالي في باريس؛ تجارب معملية متقدمة لمعرفة اللحظة التي يمكن أن تنهار فيها التصدعات وتبدأ الزلازل القوية.

وباستخدام «آلة الزلزال»، التي بناها كريس مارون في ولاية بنسلفانيا، يقوم الفريق البحثي في التحقيق في الدور الذي يلعبه (مقلاع الصدع)، وهو المواد السائبة التي أنشِئت نتيجة عملية الطحن المستمر التي تحدث عند الصدع بسبب عملية الضغط الذي تسببه الصفيحتان التكتونيتان المتصادمتان، والتي يمكن أن تلعب دورًا في حدوث الزلازل، وزيادة حجمها. آلة الزلازل هذه تخلق ظروفًا مماثلة للتصدعات مع وجود المقلاع أو حالة الطحن والنحت بها، ثم عرضها إلى الموجات الصوتية بديلًا للموجات الزلزالية.

وقد أسفرت هذه التجارب عن آثار غريبة ومذهلة. لاحظ الفريق أنه عندما بني ضغط أو توتر معين على الصدع، وبدأ الصدع يصل إلى مرحلة الانهيار والاستسلام لهذا الضغط استعدادًا لإطلاق زلازل، بدأت سلسلة من الزلازل الصغيرة المبدئية في التموج بمعدلات تتبع أنماطًا معينة ومحددة. وبمقارنة هذه النتائج بالبيانات الزلزالية الفعلية؛ كشفت تماثل معدل انهيار التصدعات، وظهور موجات الزلازل المبدئية قبل وقوع الزلازل الحقيقية.

ووجد الباحثون أيضًا أن الموجات الصوتية التي جرى إطلاقها في التجارب، محاكاةً للموجات الزلزالية، لعبت دورًا رئيسيًا في التسبب في حدوث الزلازل في المختبر، وذلك عبر جعل مقلاع الصدع أكثر سيولة ومرونة. الأمر المثير للدهشة هنا، هو أن الزلازل المبدئية يمكن أن تؤدي إلى زلازل كبرى رئيسية على بعد آلاف الكيلومترات من مصدرها الأصلي، وغالبًا ما يكون في وقت لاحق خلال أشهر.

معنى هذا ببساطة، هو أننا يمكننا بالفعل التنبؤ بإمكانية وقوع الزلازل الكبيرة، ليس قبل وقوعها بدقائق، ولكن قبل وقوعها بأيام وشهور.

لماذا لم نرَ هذا الأمر سابقًا؟

وكثيرًا ما لا يلاحظ أي نُذُر قبل وقوع الزلزال، ولكن ذلك قد يكون بسبب أن الهزات المبدئية هي صغيرة للغاية، تستعصي على الكشف. ولاختبار هذه الفرضية، يقوم العلماء بطرح كمبيوتر قوي خارق لمحاولة قياس وتمييز هذه الهزات البسيطة، من خلال تمشيط الكتالوجات الخاصة بالبيانات التاريخية، لمعرفة ما إذا كان يبدو أن الهزات الصغيرة كانت تسبق الزلازل في الماضي. بدءًا من البيانات المختبرية المستقاة من اختبارات محاكاة الزلازل، وباستخدام تقنية تسمى تعلم الآلة (machine learning)، يقوم العلماء في لوس ألاموس بتدريب برنامج كمبيوتر للتدقيق والاستفادة من هذه البيانات المحدودة، في محاولة لتعليمه رصد الهزات البسيطة التي تسبق الزلازل.

وبعد أن تعلم برنامج الكمبيوتر كيفية التعرف على هذه الهزات المبدئية، سيشغل الفريق المسؤول هذا البرنامج على زلازل حقيقية. بعد ذلك، سيقارنون دقة هذه النتائج من أجل مزيد من التفسيرات التقليدية للبيانات نفسها. وسيتم إضافة مجموعات أخرى من البيانات القادمة من الرصد الزلزالي الفعلي إلى برنامج الكمبيوتر عبر عملية تسمى «التحقق على أرض الواقع»، والتي تهدف إلى التحقق من دقة تنبؤ برنامج الكمبيوتر. الهدف هو تطوير برنامج كمبيوتر يستعرض بيانات جديدة في الوقت الحقيقي تقريبًا، ويتمكن من رصد الإشارات الزلزالية النموذجية للهزات المبدئية، التي تبشر بوقوع زلزال ضخم مقبل.

في غضون السنة المقبلة أو نحو ذلك، يخطط الفريق لبدء استخدام أحدث أجهزة الكمبيوتر في لوس ألاموس، وأكثرها قوةً وأداءً في العالم، لتقوم باستيعاب الأرقام من مجموعات البيانات الضخمة التي سيتحصل عليها العلماء، أولًا من مناطق التعدين، ثم المناطق التكتونية مثل صدع سان أندرياس البالغ طوله أكثر من 1200 كيلومتر غرب الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة لأنماط زلزالية عديدة ومختلفة حول العالم، من أجل اكتشاف الإشارات الزلزالية السابقة المخفية.

حلم هذا الفريق البحثي هو التجرؤ على تعقب «الكأس المقدسة» الخاصة بالزلازل، ألا وهي توقع حدوث الزلازل الكبرى. هذا لن يحدث في أي وقت قريب، إلا أن المستوى الأول من التنبؤ سيكون متعلقًا بوقت وقوع زلزال خلال فترة زمنية معينة. ولكن كما أن قدرات الحواسيب وبرامجها تنمو بقوة مدهشة، مما يعطي الباحثين قدرات غير مسبوقة لغربلة البيانات الكبيرة التي تولدها أجهزة الاستشعار الزلزالية أكثر من أي وقت مضى، تدفعنا لأن نكون أكثر ثقة ودقة في التنبؤ بالزلازل الضخمة، التي كثيرًا ما تعيث فسادًا على الملايين من الناس غير المستعدين في جميع أنحاء العالم.

نظرية الصفائح التكتونية

هي نظرية علمية تصف الحركات الكبرى لغلاف الأرض الصخري (يشمل القشرة الأرضية والجزء العلوي من طبقة الوشاح)، والتي اعتمدت على مفهوم نظرية الانجراف القاري.

وتقول النظرية إن الغلاف الصخري للأرض ينقسم إلى عدد من الصفائح التكتونية (وهي مشتقة من كلمة يونانية قديمة تعني بنيوي)، وهناك سبع أو ثماني صفائح كبرى إضافة إلى العديد من الصفائح الصغرى. عندما تلتقي هذه الصفائح فإن حركتها النسبية تحدد نزع الحدود بينها إذا ما كانت تقاربية أو تباعدية.

يذكر أن الزلازل والبراكين وتشكل الجبال والخنادق المحيطية جميعها يحدث على حدود الصفائح التكتونية. وتتراوح الحركة النسبية لهذه الصفائح في المعتاد ما بين صفر إلى 10 سنتيمترات سنويًا. وتتشكل هذه الصفائح من غلاف صخري محيطي (قاع المحيط) وغلاف صخري قاري أكثر سمكًا (اليابسة)، يعلو كل منهما قشرة أرضية خاصة بكل منهما.

وعلى طول الحدود التي يحدث عندها تقارب بين صفيحتين تغطس الصفائح إلى طبقة الوشاح، ويتم تعويض المادة المفقودة عبر تكوين قشرة محيطية جديدة بين صفيحتين يحدث تباعد بينهما، وبالتالي تبقى مساحة الكرة الأرضية ثابتة لا تتغير.

القدرة على تحرك الصفائح يأتي نتيجة لأن الغلاف الصخري للأرض أقوى من الغلاف الموري الذي ترتكز عليه (الغلاف الموري يمثل إحدى طبقات الوشاح الذي يمتد على عمق ما بين 100 إلى 200 كيلومتر تحت سطح الأرض وهي طبقة صلبة لكنها سهلة التشكل وتعتبر الطبقة الأضعف في الغلاف الصخري للأرض).

هناك العديد من العوامل التي يعتقد العلماء أنها السبب وراء حركة الصفائح التكتونية، مثل حركة قيعان المحيطات بعيدًا عن الرصيف القاري نتيجة التغير في كثافة القشرة الأرضية بسبب تيارات الحمل، وبسبب المقاومة المائية وعمليات الشفط أسفل مناطق اندساس الصفائح. والبعض يحيل تفسير هذه الحركة إلى القوى المختلفة التي تنتج عن دوران الكرة الأرضية وقوى المد والجزر الخاصة بالقمر والشمس. لكن لم يتمكن العلماء حتى الآن من تقديم تفسير واضح وشافٍ للسبب وراء هذه الحركة وسبب بدايتها من الأساس.

اقرأ أيضًا: هل تتحرك القارات تحت أقدامنا؟ كيف يحدث هذا؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد