هل حلمت يومًا بركوب آلة الزمن والرجوع إلى الماضي لتغيير وقائع ما كنت تود حدوثها أو القفز إلى المستقبل لمعرفة ما يخبئه لك، أو حتى للنظر في الشكل الذي ستبدو عليه الحياة بعد سنين طويلة من الوقت الحاضر؟

إن بدا لك هذا الحلم مستحيلًا، فتذكر أن الكثير من الأشياء التي تحدث عنها الكاتب الإنجليزي هربرت جورج ويلز في روايات الخيال العلمي ذائعة الشهرة، التي كتب معظمها في أواخر القرن التاسع عشر، كانت فيما مضى ضربًا من ضروب الخيال حتى استلهم العلماء من أفكاره العديد والعديد من الاختراعات التي غيرت وجه العالم.

ويستعرض هذا التقرير عددًا من أبرز الاختراعات الحديثة التى تخيلها هربرت جورج ويلز وكتب عنها في أعماله الأدبية وصارت حقيقة واقعة في وقتنا الحالي:

1. القنبلة النووية.. نبوءة ويلز بدمار العالم

في عام 1914، وقبل بدء مشروع مانهاتن بحوالي ثلاثة عقود، كتب هربرت جورج ويلز في روايته «العالم يتحرر» عن قنبلة تحتوي على اليورانيوم بإمكانها نسف مدينة بأكملها وتدميرها ومحوها من الخريطة وكأنها لم تكن. فهل كانت قنبلة ويلز التخيلية تلك هي ما ألهم العلماء لصنع وتطوير القنبلة النووية؟

Embed from Getty Images

صورة توضح انفجار القنبلة النووية

في البداية استلهم ويلز فكرة قنبلته المُدمرة تلك من الأبحاث التي أُجريت في العهد الإدواردي حين كان يسعى العلماء إلى إيجاد طريقة جديدة لتصور العالم المادي من حولهم، وقد أدى بهم ذلك إلى اكتشاف أن الأجسام الصلبة تتكون من ذرات صغيرة تحتوي بداخلها على نواة كثيفة بإمكانها اختزان قدر هائل من الطاقة. ومن هنا استطاع ويلز أن يتخيل قنبلة ذات قوة شديدة التدمير، إلا أن هذه القنبلة المُدمرة ظلت محض خيال في رواية لكاتب مفتون بالعلوم حتى حدثت مصادفة سيئة جعلت هذا الوحش الخيالي المدمر يصير حقيقة.

وقد حدثت تلك المصادفة عام 1932 حين قرأ الفيزيائي المجري ليو زيلارد رواية ويلز «العالم يتحرر» في السنة ذاتها التي نجحت فيها أولى تجارب الانشطار النووي.

في ذلك الوقت، وعلى الرغم من نجاحهم في تجارب الانشطار النووي، غمر العلماء البريطانيين شعور بالخيبة حول كم الطاقة الذي قد تنتجه هذه التفاعلات إذ اعتقدوا أن كمية الطاقة الناتجة عنها لن تكون بالضخامة التي توقعوها. وقد ظل هذا الاعتقاد قائمًا حتى قرأ زيلارد رواية ويلز التي قال عنها إنها هي ما هداه إلى فكرة التفاعل النووي المتسلسل.

في «العالم يتحرر»، كانت قنبلة ويلز تعتمد على سلسلة من التفاعلات التي تمكنها من الاستمرار في الانفجار لأيام، وربما لأسابيع أو شهور متواصلة حسب حجمها، وكانت تُخلف وراءها سحابة الفطر، تمامًا كتلك التي تخلفها القنبلة النووية، وكانت تلك القنبلة أيضًا تُخلف وراءها إشعاعًا مدمرًا كذلك الذي تخلفه القنبلة النووية.

2. الهاتف الخلوي والبريد الإلكتروني.. شكل الأجهزة المتطورة في «يوتوبيا ويلز»

في روايته «رجال كالآلهة» التي صدرت عام 1932، دعا ويلز قراءه إلى تخيل الأرض بعد مرور آلاف السنين، حيث أصبحت يوتوبيا يملؤها التقدم والرخاء. وفي تلك اليوتوبيا المستقبلية، تخيل ويلز أن وسيلة التواصل بين البشر بعضهم بعضًا سوف تكون عبر الأجهزة اللاسلكية والهواتف الخلوية، حتى إنه قد تخيل وسيلة تواصل أخرى أقرب في الشبه إلى البريد الإلكتروني، وعن هذه الوسيلة التي تشبه البريد الإلكتروني كتب هربرت جورج ويلز:

«في تلك اليوتوبيا سوف تُرسل الرسائل الإلكترونية إلى المحطة الخاصة بكل مقاطعة، حيث تكون هوية المُرسل إليه معروفة، وهناك يكون لكل شخص صندوقه الإلكتروني الخاص الذي يحوي عددًا من الرسائل يستطيع الفرد الوصول إليها عن طريق الضغط عليه. أيضًا، من الممكن أن يُرسل المستقبل إلى المُرسل رسالة أخرى ردًّا على رسالته من تلك المحطة، ويحدث هذا كله عن طريق أجهزة لاسلكية».

3. «جزيرة الدكتور مورور».. عالم مجنون ينذر ببدء عصر الهندسة الوراثية

لا شك أن زوار جزيرة الدكتور مورو المنعزلة التي استوطنها لكي يتسنى له إجراء تجاربه المجنونة على البشر والحيوانات، قد انتابتهم دهشة كبيرة حين وجدوها أشبه بحديقة حيوان مفتوحة تحتوي على كمٍّ كبير من الكائنات الغريبة الناتجة عن تهجين البشر بالحيوانات. ففي هذه الجزيرة يوجد كل ما هو غريب، فمثلًا من الممكن أن تشاهد في تلك الجزيرة حيوانًا يعد خليطًا من الإنسان والفهد معًا، أو تشاهد حيوانًا يشبه الدب والثعلب معًا.

Embed from Getty Images

من خلال شخصية الدكتور مورو، تنبأ هربرت جورج ويلز بعصر جديد مخيف بعض الشيء يستبد بالبشر فيه الغرور ويغريهم تقدمهم العلمي بأن يتصوروا أنفسهم في صورة الخالق الذي يستطيع أن يبتدع مخلوقات جديدة وأن يتحكم في الطبيعة من حوله. ففي تلك الرواية استخدم الدكتور مورو وسائل قريبة الشبه بالوسائل التي يستخدمها العلماء حاليًا في الهندسة الوراثية، فكانت النتيجة أنه أنتج مسوخًا على شكل حيوانات قضت عليه في نهاية الأمر.

نشر ويلز روايته تلك في عام 1896، أي قبل فترة طويلة من بدء عصر الهندسة الوراثية، ولكنها مثلت تحذيرًا صارخًا للإنسان من غروره وتلاعبه بالطبيعة، إذ بينت أن المصير المتوقع لمن يتصور أنه قد بلغ قمة التطور العلمي وتصور بغروره أنه يقدر على عملية الخلق، أن يهلك بفعل مخلوقاته تلك التي سوف تصير مسخًا يقضي عليه بالنهاية.

4. القتل عن بعد.. تصورات هربرت جورج ويلز عن أسلحة الطاقة الموجهة

تحكي رواية هربرت جورج ويلز «حرب العوالم» – الصادرة عام 1897 – عن غزو الأرض من قبل سكان المريخ الذين يستمدون قوتهم من أسلحتهم المتطورة التي تُلقي بأشعتها الحارقة – التي تشبه أشعة الليزر – على البشر فتحرقهم تمامًا وتذيبهم في صمت.

وقد نُشرت تلك الرواية قبل ما يزيد عن ستة عقود كاملة من تاريخ الإعلان عن أول سلاح ليزر في عام 1960. وعلى الرغم من أن وصف ويلز لسلاح الطاقة ذلك الذي استخدمها الغزاة من المريخ لم يكن يشبه أسلحة الطاقة الموجهة بشكلها الحالي إلى حد كبير، فإنه يمكن القول بأن هذا السلاح كان هو الإلهام الذي استمد منه العلماء فكرة كل أسلحة الطاقة الموجهة، بدءًا من الأسلحة التي تستخدم الموجات الدقيقة، مرورًا بتلك التي تستخدم الإشعاع الكهرومغناطيسي، وحتى تلك التي تستخدم الموجات الصوتية أو اللاسلكية.

دولي

منذ 5 شهور
لماذا تلجأ أقوى جيوش العالم إلى توظيف كُتَّاب الخيال العلمي؟

5. طائرات ترمي بالقنابل.. هكذا تخيل ويلز شكل الأسلحة في وقتنا الحالي

في عام 1903، وقبل ظهور الدبابات لأول مرة في الحرب العالمية الثانية، نشر ويلز قصة قصيرة بعنوان «أرض المدرعات»، والتي تخيل فيها شكلًا أوليًّا للدبابة؛ إذ وصفها في شكل هيكل معدني أسود كبير الحجم يزحف ببطء بين الخنادق، ويطلق النيران من فتحات على جانبيه.

ولم تكن الدبابات فقط هي الشيء الذي توقع ويلز استخدامه سلاحًا في الحروب، بل قد تخيل أيضًا طائرات ترمي بالقنابل والقذائف الحارقة. والمدهش في الأمر أن ويلز قد تخيل شكل الطائرات المقاتلة قبل تسع سنوات من استخدامها سلاحًا مؤثرًا خلال الحرب العالمية الأولى، وقد كان ذلك من خلال روايته «الحرب في الهواء» الصادرة عام 1907.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد