أغلب معلوماتنا عن التاريخ البريطاني المتداولة من خلال الروايات، والأفلام السينمائية، وحتى الوعي الشعبي، تتعلق بعصور ما بعد الميلاد، لكن القرن الأول الميلادي وما قبله، متوار في صفحات التاريخ وكأن بريطانيا لم تكن موجودة.

والسبب الرئيسي في ذلك هو انعدام وثائق البريطانيين القدماء، لكن مع اكتشاف الحفريات المتوالية بدأ العلماء في رسم صورة لأقرب ما تكون عليه الحياة في بريطانيا القديمة، ومع ذلك لا يزال هذا الجزء من التاريخ مسكوتًا عنه، لأن الحياة في بريطانيا القديمة كانت بدائية حتى في عصور ما قبل الميلاد مباشرة.

قرابين بشرية لأجل الآلهة

التضحيات البشرية كانت موجودة بشكل أو بآخر في أغلب الحضارات القديمة، لكنها في بريطانيا كانت مكثفة، ووصلت ذروتها خلال العصر الحديدي، وهو العصر الذي استمر في بريطانيا حتى نهاية القرن الأول الميلادي، ونبعت فكرة التضحية من الرغبة في استرضاء الآلهة، واعتقد البريطانيون أن الآلهة يجب أن يتلقوا تضحيات لأسباب مختلفة، مثل طلب النصر في المعركة، أو إظهار الشكر للنصر المذكور، أو حتى لوقف الكوارث كالطاعون والمجاعات، وحتى طلب تعزيز الحصاد.

Embed from Getty Images

قدم الكهنة تضحيات بشرية لأولئك الذين كانوا مرضى بشكل خطير أو في خطر الموت في المعركة، واستخدم الكهنة الرجل الخوص، وهو عبارة عن سجن من الخوص يشبه الإنسان البشري، يوضع به الضحية البشرية ثم يتم حرقه بالنار، واعتقد عدد من الباحثين أن البشر الذين اختيروا للتضحية خلال العصر الحديدي في بريطانيا كانوا مجرمين أو أسرى حرب، لكن الحقيقة أنه قد استخدم الأبرياء من البشر في التضحيات، وأظهرت الحفريات أن بعض الضحايا عوملوا باحترام، بينما أظهر آخرون علامات تعذيب أو إصابات عنيفة.

كشف السجل الأثري عن تضحيات حيوانية في طقوس دينية بالإضافة إلى البشر، وفضل البريطانيون القدماء من الحيوانات الخيول؛ نوعًا من تكريم الخيول بسبب قوتها وأهميتها في الحرب، وفضلوا الكلاب أيضًا؛ وكانت ذات أهمية فهم حماة المنازل والمزارع من المتسللين في الليل، لذا ضحى بها باعتبارها قرابين ذات قيمة كبيرة للإله، وإظهار الامتنان والتقرب إليه.

لغز التغير السكاني لا يزال يحير العلماء

بعد بناء نصب ستونهنج؛ وهو أثر حجريٌّ يرجع إلى عصر ما قبل التاريخ في إنجلترا، بحوالي 300 إلى 500 عام، انخفض سكان العصر الحجري الحديث البريطاني من أصل متوسطي من حوالي 100% إلى 10% فقط من السكان، مما يعني أن بريطانيا عانت من تغيير شبه كامل في عدد سكانها في تلك الحقبة، أما السبب فيظل لغزًا إلى الآن.

حاول العلماء تفسير ما حدث لموت هذه النسبة الكبيرة من السكان، وبالأخص أنه لا يوجد أي دليل على الإطلاق عن نشوب أي صراع واسع النطاق؛ كالحرب أو حتى الإبادة الجماعية، ووضع العلماء بعض التفسيرات مثل أن يكون السكان الذين هاجروا حديثًا إلى بريطانيا، وحملوا تكنولوجيا أكثر تقدمًا مثل استخدام المعادن، تمكنوا من التحكم في الأراضي والموارد ونجحوا في تهميش سكان العصر الحجري الحديث اقتصاديًا.

وضع العلماء أيضًا احتمالًا آخر يفيد بأن السكان العصر الحجري الحديث في بريطانيا لم يكن لديهم مقاومة لبعض الأمراض الأوروبية القارية، وهناك بعض الأدلة من أوروبا أفادت أن ربما يكون الطاعون الدبلي هو الجاني.

ولكن أظهرت أدلة أن فترة العصر الحجري الحديث في بريطانيا القديمة لم تكن حقبة سلمية، حيث عثر على العديد من بقايا بشر قتلوا بضربات في الرأس أو جروح الأسهم، ومع تطور العصر واكتشاف المعادن الجديدة مثل البرونز وبداية العصر البرونزي؛ حدثت ثورة في الأسلحة، وبالتالي انطلق سباق التسلح بين القبائل البريطانية، تطورت الخناجر البرونزية، وصنعت سيوف من البرونز الأثقل، وكذلك أسنة الرماح، وتطورت في العصر الحديدي حلت الأسلحة الحديدية محل البرونز تدريجيًا.

Embed from Getty Images

عربات الحرب كانت سلاحًا امتازت به بريطانيا القديمة، ورغم أنها كانت موجودة في حضارات مختلفة، إلا أن استخدامهم لها كان مذهلًا بحسب وصف يوليوس قيصر، والذي علق عليها أثناء غزوه بريطانيا عام 55 قبل الميلاد؛ فقال: «في قتال العربات، يبدأ البريطانيون بالقيادة في جميع أنحاء الميدان وهم يقذفون الرماح.. ثم يقفزون من مركباتهم ويشتبكون سيرًا على الأقدام».

حين اكتشف العلماء مقبرة حرب جماعية في بريطانيا؛ أكدوا أن الغزو الروماني كان المسئول عن قتلهم؛ لكن مع إعادة تحليل الرفات البشرية، وجدت أدلة أكثر على العنف في شكل كسور، وإصابات من الأسهم والأسلحة الحادة، ووجدوا رفات لآخرين لم يدفنوا في مقبرة الحرب ولقوا حتفهم بشكل عنيف، مما جعل بعض العلماء يؤكدون أنهم كانوا ضحايا لمواجهات عنيفة طوال حياتهم، وقالوا إنه من المحتمل أن العديد من الهياكل العظمية كانت ضحية للأحداث المميتة في الفترة ما قبل الرومانية.

التحنيط في بريطانيا قديمًا.. غسل الموتى في المستنقعات

  • يبدو أن البريطانيين القدماء كانوا الأقل تقدمًا بين الحضارات الأخرى، ويبدو أنهم ساروا على نهج الحضارات الأخرى، لكن بطريقتهم الخاصة، فمثلا كان التحنيط في مصر القديمة متطورًا، أما في بريطانيا فكان لديهم التحنيط لكن بعدد أقل، وبطريقة بدائية للغاية.

أظهرت الأبحاث العلمية الآن أن القبائل البريطانية القديمة حنطت بعض موتاهم من خلال غمرهم في مستنقعات الخث، وفي حالات أخرى عرضوا موتاهم للحرارة والدخان، وهو نظام تحنيط مختلف تمامًا عن النظام القائم على الملح والذي استخدمه المصريون القدماء، ويرجح العلماء أن البريطانيين القدماء عرفوا على الأغلب الصفات الحافظة لمستنقعات الخث، لذا استخدموها في التحنيط.

قال الباحثون إن ممارسات تحنيط الموتى في بريطانيا القديمة كانت منتشرة، لكنها لم تكن ناجحة دائمًا في الحفاظ على جثث بأكملها، لذا فقد منها الكثير، كما وجد الباحثون أن البريطانيين القدماء حنطوا موتاهم لأغراض مختلفة، مثل أنهم احتفظوا بهم في المنازل لعشرات السنين، وكانوا يخرجونهم في مناسبات خاصة، ورجحوا أنهم استخدموا المومياوات لتأكيد الحقوق القانونية للعائلات في الأرض، أو للاحتفاظ بهم لعبادتهم، أو لاستخدامهم وسيلة للتحدث إلى الموتى.

الثورة الدينية في بريطانيا.. من معالم الطبيعة إلى الشمس

لا يمكن الجزم مطلقًا حول معتقدات البريطانيين الدينية في عصور ما قبل التاريخ، ولكن باستخدام أدلة من الآثار التي عثر عليها، يمكن القول أنه لم يكن هناك نظام اعتقادي واحد، أو متطور باستمرار في بريطانيا ما قبل التاريخ، ولكن لفترات طويلة كانت هناك ممارسات دينية تتعلق بالأموات وحياتهم الآخرة وتأثيرها على الأحياء.

Embed from Getty Images

في محاولة لاكتشاف المزيد من الآثار والحفريات في بريطانيا؛ استخدم علماء الآثار طرقًا جديدة للمسح الجوفي، في منطقة نصب ستونهنج، واستخدم الباحثون مجموعة من الأدوات الحديثة بما في ذلك أجهزة الكشف عن المعادن المتقدمة، وأجهزة رادار حديثة تخترق الأرض، وأجهزة استشعار كهرومغناطيسية، والليزر، وكشفوا عن آثار جديدة لم يسبق أن رآها علماء الآثار، وأبرز ما وجدوه معبد ديني تحت الأرض، ويعود إلى ما قبل التاريخ ولم يكن معروفًا من قبل.

بقايا المعبد الذي اكتشفه العلماء قدم أدلة على ثورة دينية حدثت في بريطانيا ما قبل التاريخ، ورجح العلماء أن البريطانيين القدامى تحولوا من عبادة المناظر الطبيعية مثل التلال إلى عبادة جديدة وهي نمط من أنماط عبادة الشمس، وأوضح العلماء أن نصب ستونهنج استهل فترة التحول الديني والتي انقلب فيها النظام الديني السابق وحل محله النظام الديني الجديد.

أكلوا لحوم البشر واستخدموا الجماجم في الحياة اليومية

أثبتت دراسة أن أكل لحوم البشر كان شائعًا نسبيًا في إنجلترا ما قبل التاريخ، أجرى الباحثون دراسة على الهياكل العظمية المكتشفة في كهف جوف في مقاطعة سومرست البريطانية، ووضعوا معايير جديدة لتحديد علامات الأسنان البشرية على العظام البشرية، وأظهرت الأدلة من الكهف على قضم العظام؛ وحملت علامات الأسنان، باستثناء الجمجمة.

أفادت الدراسة أن معظم العظام حملت من أسفل الرقبة علامات الأسنان البارزة، ويبدو أن أكلة لحوم البشر قاموا بتقطيع العضلات الرئيسية بالسكاكين الحجرية ثم مضغت البقايا؛ وحتى نهايات عظام إصبع القدم؛ أما عظام الأضلاع فكانت مضللة للباحثين، ولا يمكن تحديد إذا كانت تعرضت للأسنان أم جرى استئصال النخاع منها فقط، ورجح الباحثون أن أكل لحوم البشر في بريطانيا لم يكن للضرورة القصوى، بل بدا أنه كان طقسًا لدى شعبها البدائي.

الملفت أيضًا أن الباحثين وجدوا عظام الجمجمة لا تحمل علامات الأسنان، واستنبطوا من هيئتها أنه بعد أكل صاحبها جففت بالكامل، وبدا أن العيون والأذنين والشفاه واللسان؛ أزيلوا بدقة باستخدام الأدوات الحجرية، وحرص أكلة لحوم البشر على الحفاظ عليها، وفصلها عن الوجه وتشكيل حواف لها؛ لإنتاج أكواب وأوعية للشرب، لاستخدامها في حياتهم اليومية مع معرفتهم التامة بأنها جمجمة بشرية.

المصادر

تحميل المزيد