أعلن رئيس وزراء لبنان السابق، ونجل رئيس الوزراء الأسبق، وزعيم تيار المستقبل، سعد الحريري، دعمه للعماد مشيل عون رئيسًا للجمهورية، وهي الخطوة التي قد تنهي فراغًا رئاسيًّا يعد من أطول فترات الفراغ الرئاسية التي شهدتها لبنان، منذ الفراغ الرئاسي بعد الرئيس اللبناني أمين جميل في عام 1988.

عامان على خلو كرسي الرئاسة اللبناني من خليفة لـ «مشيل سليمان» تخللهما أكثر من 40 جلسة برلمانية لاختيار رئيس جديد للبلاد، لكنها باءت جميعًا بالفشل، خمس منها في فترة الشهرين التي سبقت انتهاء الولاية المحددة من الدستور.

 

ومن بين كل القوى السياسية اللبنانية، يوجد لاعبان أساسيان في حلبة الصراع على المنصب في لبنان، الأول هو فريق الـثامن من آذار، الذي يضم حزب الله والقوى والشخصيات المتحالفة معه، وأبرزهم نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني، ورئيس تكتل التغيير والإصلاح، النائب ميشال عون، ويتلقى هذا الفريق دعمًا إيرانيًّا منقطع النظير.

الفريق الآخر هو قوى الـ 14 من آذار، بزعامة تيار المستقبل، الذي يترأسه سعد الحريري المدعوم سعوديًّا.

ودعم الحريري لعون قد يشكل تغييرًا مهمًّا ينهي أزمة الفراغ الرئاسي في لبنان، لكن الأمور قد لا تجري في نسق مطمئن، خاصةً مع تغير الظروف الإقليمية والدولية وتقلّبها، وهو ما يؤثر في مجرى السياسة بلبنان. فالدعم الذي يلقاه عون، دعم من تحالفات سياسية تتضاد في المصالح السياسية، بالإضافة إلى كونه شخصية ذات تاريخ مثير للجدل، تاريخ يعود إلى الوقت الذي كان فيه قائدًا للجيش اللبناني، في الثمانينات.

فقد شكّل عام 1988 علامةً مهمة في سيرة قائد الجيش اللبناني ميشال عون، حين كلفه رئيس الجمهورية آنذاك أمين الجميل بتشكيل حكومة انتقالية تتولى التحضير لانتخابات رئاسية تعذر إجراؤها في موعدها.

 

فشكّل عون حكومةً عسكريةً، واتخذ من القصر الجمهوري في بعبدا قرب بيروت مقرًا لها، وبقي فيه لمدة سنتين خاض خلالها حربين مدمرتين.  الأولى كانت ضد «القوات اللبنانية»، وكانت الطرف المسيحي الأقوى عسكريًّا في تلك الفترة، بهدف تجريدها من سلاحها، الذي كان يدعو إلى حصره في «يد الشرعية». وقد تركت هذه الحرب أثرًا عميقًا بين المسيحيين الذين انقسموا منذ ذلك الحين بشكل حاد بين الزعامتين.

في مارس (آذار) 1989، شن عون «حرب التحرير» ضد القوات السورية التي كانت موجودة في لبنان، وهي الحرب التي جعلته قائدًا في عيون المسيحيين الذين ضاقوا كثيرًا من التدخل السوري في تفاصيل الحياة السياسية اللبنانية، لكن تلك الحرب لم يكتب لها النصر. فقد أدى تدخل دولي، وسعودي خصوصًا، إلى التوصل لاتفاق ينهي الحرب الأهلية اللبنانية، عرف بـ«اتفاق الطائف»، وهو ما رفضه عون واعتبره مساسًا بالسيادة اللبنانية، لتضيق القوات السورية بعدها الخناق عليه حتى هربه إلى منفاه في باريس، والذي استمر فيه حتى مقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 2005.

بعد شهر على عودته، شكل عون مفاجأةً كبرى بفوزه بـ21 مقعدًا من أصل 128 في المجلس النيابي، بالتحالف الذي شكّله سابقًا، وهو «التيار الوطني الحر»، ما دفع الزعيم الدرزي وليد جنبلاط إلى وصفه بـ«التسونامي»، وقد خاض الانتخابات وحده من دون حليف.

 

أما خصومه فيرون فيه شخصًا عصبيًّا، ومتقلبًا في مواقفه، و«متجاوزًا للمبادئ»، من أجل الوصول إلى الرئاسة، مشيرين إلى أنه بدوره سلك طريق العائلات التقليدية عبر إعطاء أدوار سياسية لأفراد من عائلته، وعلى رأسهم صهره النائب جبران باسيل.

تأكد ذلك النهج «المتجاوز للمبادئ»، في نظر خصومه والمنتقدين له، بعد خطوته المفاجئة بتوقيعه في السادس من فبراير (شباط) عام 2006 وثيقة تفاهم مع حزب الله، الذي يعد أبرز حلفاء النظام السوري، ومن ثم زيارته سوريا ثلاث مرات في الأعوام 2008 و2009 و2010، وقد استقبله الرئيس السوري بشار الأسد.

اختلافات داخلية وخارجية حول عون

أعلن سمير جعجع، السياسي اللبناني، دعمه للعماد مشيل عون رئيسًا للبنان، مطالبًا القوى السياسية بالتوحد خلفه، وهو ما يُكسب المرشح المتحالف مع حزب الله أصواتًا إضافية إلى جانب ما حازه بالفعل من دعم.

وذكرت صحيفة الديار اللبنانية أن رئيس البرلمان اللبناني نبيه برّي لن يصوّت للعماد ميشال عون، لكنه لن يعطي صوته لمرشح آخر؛ مما يعني وقوفه على الحياد من ترشيح عون للرئاسة، في نفس الوقت الذي أعلن فيه سعد الحريري، نجل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري ورئيس الوزراء اللبناني دعمه لترشيح عون.

 

وعلى الجانب الدولي، قال وزير الخارجية الأمريكية جون كيري إن لديه شكوكًا حول وصول العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية في لبنان، وهو ما وصفته صحيفة الديار اللبنانية بأنه يدل على عدم ميل الولايات المتحدة إلى دعم وصول عون إلى كرسي الرئاسة، والاكتفاء بالتعاون مع سعد الحريري في حالة وصول عون إلى الرئاسة.

وعلى الجانب الآخر، فإن السفير الروسي في بيروت رحّب بدعم الحريري لعون، مؤكدًا أن الرئيس فلاديمير بوتين سيدعو عون لزيارة روسيا في أول مناسبة، بينما، وبحسب معلومات ذكرتها صحيفة الديار اللبنانية، قد يرسل الرئيس السوري بشار الأسد وفدًا رفيعًا لتهنئة عون، ضمن خطوات لإلغاء القطيعة السورية اللبنانية.

الخوف من الوصاية الإيرانية والانقسام

يقول الكاتب اللبناني خير الله خير الله في مقال له على «ميدل إيست أونلاين» إن دخول عون إلى القصر الرئاسي في  بعبدا هو انتصار لمشروع الوصاية الإيرانية على لبنان، وهو ما يعرض مستقبل لبنان للخطر، مستشهدًا بذكرى دخول القوات السورية إلى لبنان في الثالث عشر من أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1990، والتي مهد لها، كما يذكر خير الله، قائد الجيش اللبناني وقتها، ميشال عون.

كان ذلك بعد انتهاء ولاية الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل عام 1988، والتي كلّف بعدها جميل قائد الجيش ميشال عون، ليكون على رأس حكومة مؤقتة هدفها انتخاب رئيس بعد الجميل.

يقول خير الله: «الحكومة التي شكلّها، وكانت تضم ثلاثة ضبّاط مسلمين، وثلاثة آخرين مسيحيين، استقال منها جميع المسلمين. أكثر من ذلك، قرّر حلّ مجلس النواب في وقت كان النوّاب يستعدون للاجتماع في الطائف للوصول الى اتفاق ينهي الحرب الأهلية في البلاد، ويؤسس لنظام جديد مبني على نصّ مدروس بعناية، كرّس المناصفة بين المسيحيين والمسلمين».

يضيف خير الله: «قبل التوصل الى اتفاق الطائف، قصف ميشال عون بيروت الغربية، ذات الأكثرية الإسلامية. قتل القصف كثيرين. وبعد اتفاق الطائف الذي وقع في سبتمبر 1989، والذي سمح للنوّاب بانتخاب رجل عاقل هو رينيه معوّض رئيسًا للجمهورية، خاض حربًا مع (القوات اللبنانية) التي كانت وقتذاك ميليشيا مسيحية. منع رينيه معوّض من دخول قصر بعبدا. وسمح ذلك للنظام السوري باغتياله، بعد أسابيع قليلة من انتخابه».

 

يُذكّرنا الكاتب إبراهيم حيدر في مقال له، على صفحات النهار اللبنانية، بالفترة التي كان فيها عون قائدًا للجيش ورئيسًا للحكومة العسكرية التي كانت خلفًا لأمين الجميل حتى انتخاب رئيس لبناني جديد، محاولًا شرح الفروقات بين لبنان عام 1989، ولبنان الآن.

يقول حيدر، إن البيت اللبناني رغم صراعاته، ولكنه من عام 1989 وحتى نزول دم رفيق الحريري على الأرض اللبنانية في عام 2005، وهي الدماء الذي أنهت الوصاية السورية على لبنان، كان منصب الرئيس يتم اختياره حسب التوازنات الإقليمية، وهو ما يختلف عن الوضع الحالي، على حد قوله.

لكن في جريدة السفير، وعلى لسان طلال سلمان في مقال له، يشرح وضعًا مختلفًا، حيث يقول إن أحد الأسباب الرئيسية لعدم إنهاء الأزمة الرئاسية في لبنان هو عدم إظهار الدول، ككل مرة، اهتمامًا بإنهاء الأزمة اللبنانية، في ظل تدهور الأوضاع الإقليمية في الوطن العربي.

وينتقد حيدر في مقاله على النهار اختيار العماد عون كشخصية يتفق عليها أكثر من ائتلاف سياسي، غير متفقين على برامج موحدة، أو مطالب سياسية ومصالح محددة، وهو ما يعني بالضرورة اختلافهم بعد انتخابه، وانعدام قدرتهم على تنفيذ برنامجه الذي يعتمد على توافق سياسي غير موجودٍ أصلًا.

وعلى الرغم من دعم شخصيات مؤثرة للعماد عون، إلا أن هناك من يرفض وجوده رئيسًا للبنان، فقد صرّح وزير العدل اللبناني المستقيل أشرف ريفي السبت، أن وصول عون إلى رئاسة الجمهورية يؤدي بالبلاد إلى مزيدٍ من الانقسامات.

 

وكان ريفي قد قال تصريحه أمام المعتصمين بطرابلس، المدينة اللبنانية، أمام مكتبه، رفضًا لترشيح عون لرئاسة الجمهورية، وذلك، بحسب ريفي، لأن عون يمثل نفوذًا إيرانيًّا قد يسيطر على المنصب الرئاسي في لبنان.

هذا بالإضافة إلى أن دعم الحريري مرتبط بتوليه رئاسة مجلس الوزراء، وعلى الرغم من إعلان حسن نصر الله، حليف عون أنهم إذا ضمنوا مقعد الرئاسة فهم منفتحون على رئاسة الحكومة، بحسب الشرق الأوسط، فإن مصدرًا صرح للجريدة السعودية أن حزب الله لن يدعم بالضرورة الحريري لمقعد رئاسة الوزراء، وهو ما يهدد فرص عون بالترشح، ويضع لبنان في موقف صعب، لم تخرج منه منذ عامين ونصف العام.

عرض التعليقات
تحميل المزيد