شهد الشارع الجزائري في الأسابيع الماضية دعوات لعودة المظاهرات المطالبة بالتغيير في الذكرى السنوية لحراك 22 فبراير (شباط)، وذلك بعد توقُّفها لأكثر من سنة بسبب جائحة كورونا. وقد شهدت مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة حملات حشد ودعوات للعودة إلى التظاهر من أجل الضغط على السلطة لتغيير النظام السياسي. 

لكن السلطة قررت استباق هذه الذكرى السنوية، عبر إعلان ما يمكن تسميته بإجراءات تهدئة، ذكرها الرئيس عبد المجيد تبون في خطاب متلفز في الثامن عشر من الشهر الجاري، تمثَّلت في إطلاق سراح مجموعة من المعتقلين المحسوبين على الحراك الشعبي، بالإضافة إلى حل البرلمان في انتظار إعلان تاريخ إجراء انتخابات برلمانية، وتغيير مرتقب في الحكومة. فهل ستنجح هذه الإجراءات في إقناع الشارع الجزائري بجديَّة السلطة في الوصول إلى حل سياسي؟ 

النظام الجزائري يستبق عودة الحراك بإجراءات تهدئة

فور عودة الرئيس من رحلة علاج ماراثونية في ألمانيا، دامت حوالي ثلاثة شهور، التقى مجموعة من رؤساء الأحزاب من مختلف التوجهات السياسية، من بينها رئيس حزب «جيل جديد» جيلالي سفيان (ليبراليون)، و«جبهة المستقبل» عبد العزيز بلعيد (تيار وطني)، ورئيس «حركة البناء الوطني» عبد القادر بن قرينة (إخوان)، وعبد الرزاق مقري رئيس «حركة مجتمع السلم» (إخوان).

علاوة على قيادتين من «جبهة القوى الاشتراكية» (يسار)، ولوحظ أنه لم يكن بينهم رؤساء أحزاب السلطة التقليدية (جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي)، في رسالة سياسية قرأها البعض بأنها رغبة للرئيس في أخذ مسافة عن هذه الأجهزة المحسوبة على السلطة، والتقرُّب أكثر فأكثر من «المعارضة المعتدلة».

بعد هذه اللقاءات، أعلن رئيس الجمهورية، في خطاب تلفزيوني يوم الخميس 18 فبراير (شباط) إجراءات للتهدئة السياسية، واصفًا الحراكَ الشعبي بـ«الحراك المبارك الأصيل»، وقال إن التغييرات التي هو بصدد القيام بها تأتي استجابة لمطالب الحراك، وأضاف أن الدستور الجديد كرَّس «الحرية المطلقة». 

وقد أسفرت إجراءات التهدئة التي أعلنها الرئيس تبون في خطابه عن الإفراج عن 37  معتقلًا، بينهم محكوم عليهم بحكم نهائي، وآخرون لم تصدر بحقِّهم أحكام نهائية. ومن بين أبرز الأسماء التي خرجت من السجن، الناشط السياسي المعارض رشيد نكاز، والصحافي خالد درارني، بالإضافة إلى الناشط إبراهيم لعلامي وآخرين؛ وهو ما استقبلته الأوساط الشعبية والسياسية بالارتياح والترحاب.

لكن وبرغم هذه المبادرة التي تدعو إلى التهدئة أيَّامًا قليلة بعد عودة الرئيس من رحلة علاج طويلة في ألمانيا، وقبل الذكرى السنوية لانطلاق الحراك الشعبي وسط دعوات لعودة المظاهرات إلى الشارع الجزائري؛ فإن الناشطين داخل الحراك الشعبي يبدون متشككين من هذه الإجراءات ومدى جدِّيتها أو نية السلطة في حلحلة الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد.

فرغم الإفراج عن حوالي 37 من الناشطين المحسوبين على الحراك، ما يزال يقبع في السجن حوالي 29 معتقل رأي. ليس هذا فحسب، بل إن المتابعات القضائية والاستدعاءات الأمنية لمئات الناشطين الحراكيين في مختلف المحافظات ما تزال سارية المفعول، وهو ما علَّق عليه بعض الناشطين الذين تواصل معهم «ساسة بوست» بالقول إن السلطة تتخذ سياسة «العصا والجزرة» من خلال إطلاق سراح عدد محدود من المعتقلين، والتضييق على آخرين وتهديدهم بالسجن في أية لحظة.

ليس هذا فحسب، فإن ما يدعو إلى القلق حسب الناشطين، هو أن إجراءً شبيهًا قد اتخذه رئيس الجمهورية فور وصوله إلى السلطة في ديسمبر (كانون الأول) 2019 من خلال إطلاق سراح حوالي 70 معتقلًا محسوبًا على الحراك، لكن هذا الإجراء لم يصمد أكثر من سنة، لتعود حملة الاعتقالات مرة أخرى في السنة التالية، وبالتالي فإن كابوس الاعتقال وزج المتظاهرين السلميين في السجن يبقى دائمًا مطروحًا لدى السلطة، رغم تأكيد الرئيس احترام الحريات في الدستور الجديد. 

الأمازيغية والحساسيات الجهوية

احتجاجات الحراك 2019

بالإضافة إلى الإفراج عن بعض معتقلي الرأي المحسوبين على الحراك، أعلن رئيس الجمهورية إجراءات أخرى، تتمثل في حل البرلمان الحالي المحسوب على عهد بوتفليقة، والذي يقول معارضون إن انتخاباته شهدت عمليات تزوير واسعة؛ ووعد رئيس الجمهورية بإجراء انتخابات برلمانية لم يحدد تاريخها بعد، كما أعلن أيضًا في الخطاب ذاته تغييرًا في الحكومة لم تظهر معالمه بعد.

وتأتي هذه الإجراءات في ظرف سياسي دقيق وغليان اجتماعي محتدم؛ إذ شهدت البلاد حالة من الغموض بسبب غياب الرئيس إثر رحلة علاجه في ألمانيا التي دامت حوالي ثلاثة شهور، وهو ما ذكَّر الجزائريين بسنوات الرئيس المستقيل بوتفليقة، وأعطاهم شعورًا بأن البلاد ما تزال في المربَّع الأول؛ بالإضافة إلى الاحتجاجات الاجتماعية المطالبة بالتنمية التي شهدتها عدَّة محافظات مؤخرًا من بينها الأغواط وورقلة، بالإضافة إلى عودة قويَّة لمظاهرات الحراك التي شهدتها مدينة خرَّاطة يوم الثلاثاء 16 فبراير الماضي. 

الجزائر في «العهدة الخامسة»! لهذه الأسباب قد تعود مسيرات الحراك

بعد سنتين من انطلاق مسيرات الحراك الشعبي في 22 فبراير 2019 والتي أسقطت الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، دعوات من أجل العودة إلى الاحتجاج في الشارع الجزائري للمطالبة بالتغيير.

ويقول ناشطون في الحراك تواصل معهم «ساسة بوست»، إن هنالك شعورًا بانعدام أي قدر من التغيير الذي يطالب به الشعب، بل إن البعض يحاجج بأن مستوى الحريات واستخدام القمع قد أصبح أكثر سوءًا من عهد بوتفليقة نفسه، وهو ما جعل بعض الناشطين يصفون فترة تبُّون حتى الآن بـ«العهدة الخامسة»، في إشارة إلى استمرارية النظام السياسي بالممارسات نفسها.

ليس هذا فحسب، بل إن مرض الرئيس تبون وغيابه عن البلاد طوال رُبع السنة التي جلس فيها على مقعد الرئاسة، أعادت إلى الأذهان بالتفصيل الممل، سنوات الرئيس بوتفليقة الذي حكم البلاد طوال السنوات الخمسة الأخيرة من عهده، في غياب شبه كامل بسبب المرض. 

بالإضافة إلى تمسُّك السلطة بخارطة طريقها المتمثِّلة في الاستفتاء على تعديل الدستور، والذي شهد نسبة تصويت منخفضة لم تتجاوز 23%، صوَّت ثلُثهم بـ«لا» على الوثيقة الدستورية، ورفضت السلطة الدخول في حوار مع الحراك الشعبي، حسب المعارضين، وإغلاق المجال العام والفضاء الإعلامي للأصوات المعارضة، واستمرار الاعتقالات والمتابعات الأمنية للناشطين الميدانيين.

ويمكن رصد حالة الغضب الشعبية بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردِّية وغلاء الأسعار وانتشار البطالة، من خلال الاحتجاجات والمظاهرات التي شهدتها بعض المحافظات مثل ورقلة والأغواط، بالإضافة إلى بعض المظاهرات المتفرقة في مدن أخرى طالبت برحيل النظام.

عربي

منذ شهرين
ما أشبه اليوم بالبارحة.. 4 ملفات تعيد إلى أذهان الجزائريين شبح سنوات بوتفليقة

ويُلاحظ في العاصمة الجزائر – بحسب ناشطين من العاصمة – بالإضافة إلى المدن الكبرى، انتشار أمني غير مسبوق من رجال الشرطة ومركباتها، وتشديد الرقابة على الساحات العمومية، بالإضافة إلى استدعاءات أمنية للناشطين الميدانيين قصد تخويفهم من مغبَّة الخروج في الذكرى الثانية للحراك، وهو ما قد يشير إلى أن السلطة ليست مستعدة هذه المرَّة للتسامح مع المسيرات والمظاهرات مثلما كان عليه الحال في سنة 2019.

ووسط هذه الإجراءات الأمنية المشددة والاحتقان الشعبي المتواصل، يترقَّب الشارع الجزائري الذكرى السنوية الثانية للحراك الذي استطاع إزاحة بوتفليقة من المشهد، لكنه ما يزال يضغط من أجل إجراء تغييرات عميقة في صلب النظام الذي لم يشهد تغييرات جوهرية في طبيعته، حسب معارضين، فهل يخرج الجزائريون غدًا – في ذكرى الحراك – إلى الشوارع، أم تؤتي إجراءات التهدئة أُكلها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد