«إن مصيرنا خارج نطاق كوكب الأرض، ليس مسألة هوية وطنية فقط؛ وإنما مسالة أمن قومي»، هكذا صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مؤتمر صحافي أقيم بالبيت الأبيض في منتصف العام الماضي 2018، حينما دعا لإنشاء قوة دفاع جديدة يُطلق عليها «قوات الفضاء»، والتي من شأنها أن تكون القوة السادسة في قوات الجيش الأمريكية، لتنضم للقوات الخمس الأساسية وهي: القوات الجوية، والجيش، وخفر السواحل، ومشاة البحرية، والبحرية. مؤكدًا أنه حينما يتعلق الأمر بالدفاع عن أمريكا؛ لا يكفي التواجد الأمريكي في الفضاء، بل يجب أن يكون لأمريكا الهيمنة الكاملة عليه.

أثار هذا الخطاب جدلًا بين المواطنين والإعلام، حتى أن صُناع الدراما داعب خيالهم هذا الأمر، وتستعد شركة «نيتفلكس» الآن لإنتاج مسلسل كوميدي يحمل اسم « Space Force»، من بطولة الممثل ستيف كاريل بطل المسلسل الكوميدي الشهير «The Office».

فما حقيقة تلك القوات؟ وهل ينوي ترامب غزو الفضاء بالفعل؟

«سنفعل ما هو أكثر من رفع علم أمريكا»

تلك الخطوة التي يُقبل ترامب عليها، تهدف لما هو أكثر من رفع علم أمريكا في الفضاء، أو حتى ترك آثار أقدام رواد الفضاء على القمر؛ فهي تسعى للتواجد الأمريكي الدائم في الفضاء، وتشمل خطة ترامب لتنفيذ تلك الخطوة -وفقًا لما ورد في بيان نشره البيت الأبيض- تشكيل قيادة فضائية للولايات المتحدة الأمريكية تعمل على إدارة التقنيات الخاصة بالعمليات العسكرية الفضائية وتطويرها، وتنظم التدريبات الفضائية القتالية؛ لتكون بمثابة فرع منفصل لقوات الجيش الأمريكي.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

وهذا -من وجهة نظر ترامب- يعتبر تحضيرًا لتحديات القرن الواحد والعشرين؛ لحماية أمريكا من كل الجهات بما في ذلك الفضاء الخارجي، باعتباره ساحة معارك جديدة، وفي شهر يونيو (حزيران) من عام 2018، طالب ترامب وزارة الدفاع الأمريكية في البدء بالإجراءات اللازمة لإنشاء قوات الفضاء تلك، مع العلم أن مبادرة ترامب ليست الأولى من نوعها؛ فهناك روسيا والصين وسعيهما وراء بناء قوات فضاء للسيطرة على الفضاء أيضًا، وهذا أمر لن يسمح ترامب بحدوثه حين صرح قائلًا: «نحن لا نريد أن تقود الصين وروسيا أمريكا في الفضاء».

لندسي جراهام.. الجمهوري الذي يسعى لإطاحة ابن سلمان ويشكل «صداعًا في رأس ترامب»

«الفاتورة» بالمليارات

بعد تصريحات ترامب بشهرين، ناقش نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس الأمر مع الإعلام، وأكد أن تلك القوات يتوقع أن تكون جاهزة للانطلاق بحلول عام 2020، مشيرًا إلى أن تكاليف تلك القوات سترسل رسميًّا إلى الكونجرس الأمريكي خلال شهر فبراير (شباط) من عام 2019، تلك الميزانية التي وصفها نائب وزير الدفاع الأمريكي باتريك شاناهان بأنها «ستكلف مليارات».

نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس

من جانبه أكد وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس قبل استقالته، أنه على وفاق تام في الرأي مع الرئيس الأمريكي ترامب؛ بضرورة إنشاء قوات من شأنها الدفاع عن الاستثمارات الفضائية لواشنطن، والتي تشكل نسبة كبيرة من الاقتصاد الأمريكي، وتوفر «الأمن الاقتصادي» لها وفقًا لتصريحه؛ الأمر الذي يجعل إنشاء القوات الفضائية أمرًا فاصلًا وليس مجرد رفاهية أو فكرة متطرفة، خاصة وأن هناك بعض البلدان التي تعمل على تطوير تلك القوات، فما الذي يمنعهم من مهاجمة أصول الاقتصاد الأمريكي في الفضاء؟

مؤكدًا -ميتس- أن الصين وروسيا هما منافسان استراتيجيان الآن في الفضاء، خاصة بعد نواياهما الواضحة في تطوير قدراتهما القتالية في الفضاء؛ بغرض السيطرة على أمريكا حينما ينشأ صراع حربي، وأضاف قائلًا: «قوات الفضاء هي التطور المنطقي والطبيعي للقوة العسكرية الأمريكية».

لكن.. هل تحظى تلك الفكرة بإجماع؟

في المقابل كانت هناك بعض الآراء المعارضة، وصرح لورين تومسون، المستشار في مجال صناعة الدفاع والمحلل العسكري بمعهد ليكسينجتون، بأن تلك الفكرة غير مدروسة دراسة جيدة وشاملة، وأنها خطوة من شأنها تعطيل الخطط العسكرية القائمة بالفعل، ولا تضيف شيئًا ذا قيمة لأمريكا، مشيرًا إلى أن الأمر غير منطقي بالمرة، وتوقع عدم تنفيذه من الأساس في حالة رفض الكونجرس للمشروع برمته.

موضحًا في تصريحاته الإعلامية أن الفكرة الأفضل هي العمل على تطوير داخل منظمة القوات الجوية لإنشاء قوات فضائية؛ بدلًا من إنشاء فرع سادس لن يضيف سوى إهدار المليارات بلا عائد واضح، مؤكدًا أن إنشاء قوات منفصلة سيكون من شأنه الاختلال الوظيفي في وزارة الدفاع.

وهو رأي قد لا يكون بعيدًا عن الواقع، خاصة بعد تصريحات مسؤولين بوزارة الدفاع في نهاية شهر يناير (كانون الثاني) من هذا العام 2019، بأنهم يهدفون إلى أن تكون قوات الفضاء الأمريكية «صغيرة قدر الإمكان»، وهناك مقاومة داخل الوزارة لتكون فرعًا سادسًا مستقلًا خاصًا.

وعلى الرغم من تصريحاته السابقة، وضح وزير الدفاع الحالي، باتريك شاناهان، أنه يريد لتلك القوات أن تكون تحت مظلة القوات الجوية، وأن تكون وفقًا لتصريحه «صغيرة بقدر الإمكان»، وهو الأمر الذي يوافق عليه أكثر من طرف داخل وزارة الدفاع، مؤكدين أن هذا المشروع باهظ الثمن، وبالإضافة إلى ثقتهم في قدرة الجيش الأمريكية بفروعة الخمسة على صد أي هجمات حتى لو كانت في الفضاء الخارجي؛ فإن المشروع -من وجهة نظرهم- مجرد إهدار للمال.

ويوافق على هذا الرأي آدم سميث، رئيس لجنة الخدمات المسلحة في البيت الأبيض، موضحًا أن التركيز على قوات تدعم حماية الفضاء الخارجي مهمة، ولكنها لا تستعدي قوات خاصة بها.

فهل يتحقق حلم ترامب بالسيطرة على الفضاء بقوات خاصة، أم أن رجاله بالبيت الأبيض ووزارة الدفاع قد يقفون في طريق أحلامه؟

«ميدل إيست آي»: لهذه الأسباب يصر ترامب على إهانة السعودية

المصادر

تحميل المزيد