أسبوع ساخن ينتظر الجزائر بعد أكثر من تسعة أشهر كاملة من الحراك الشعبي، الذي استطاع إزاحة الرئيس بوتفليقة عن السلطة ليُنهي 20 سنة من حُكمه. لكن الحراك أمام محطّة مفصليّة متمثّلة في رئاسيات 12 ديسمبر (كانون الأول) الرئاسية، التي تصرّ السلطة على إجرائها يوم الخميس القادم، بينما تلقى هذه الانتخابات رفضًا شعبيًا واسعًا وهجومًا كبيرًا على منظّميها وعلى المترشّحين المشاركين فيها من طرف الحراك الشعبي، خصوصًا بسبب عدم توفّر شروط النزاهة والشفافيّة بالإضافة إلى طبيعة المترشّحين المحسوبين على نظام بوتفليقة، واستمرار تواجد العديد من معتقلي الحراك في السجون.  

أسبوع التصعيد.. مظاهرات يوميّة ودعوات للإضراب الوطني

شهد شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المنصرم، تصعيدًا سلميًّا في المسيرات والمظاهرات في عدّة مناطق جزائريّة، إذ شهدت العاصمة وبومرداس ووهران ومحافظات أخرى احتجاجات ومظاهرات ليليّة شبه يوميّة رافضة للانتخابات. علاوة على أن زخم الحراك الشعبي المتواصل كلّ جمعة؛ شهد زيادة كبيرة لأعداد المتظاهرين في الأسابيع الماضية. خصوصًا بعد الكشف عن قائمة المترشّحين الخمسة، والذين ينتمون – حسب المحتجّين – إلى نظام بوتفليقة.

ويتعلّق الأمر بكلّ من عبد المجيد تبّون الوزير الأوّل السابق وعضو في «جبهة التحرير الوطني» الحاكم، وعبد القادر بن قرينة وزير السياحة السابق ورئيس «حركة البناء الوطني» (إسلاميّون)، وعز الدين ميهوبي وزير الثقافة السابق ورئيس «التجمع الوطني الديمقراطي» الحاكم، وعلي بن فليس، رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب «طلائع الحرّيات»، وعبد العزيز بلعيد رئيس «جبهة المستقبل».

.

مرشحو الرئاسة الخمسة

وقد شهدت بعض البلديّات في محافظة تيزي وزو المعروفة بـ«منطقة القبائل» إغلاقًا لمقرّات الانتخاب وبناء أسوار في مداخل البلديّات تعبيرًا عن رفض هذه الرئاسيات. ويرفض المشاركون في الحراك الشعبي المشاركة في هذه الانتخابات بسبب غياب شروط النزاهة والشفافيّة حسب رأيهم، إذ إن «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» التي أنشأتها السلطة من أجل الاشراف على الرئاسيات، يترأسها أحد وزراء بوتفليقة السابقين، كما أنّ أعضاءها في العديد من الولايات منتمون إلى أحزاب السلطة، بالإضافة إلى النفوذ المتزايد للمؤسسة العسكريّة وتدخّلها في الحكم، ممّا جعل البعض يرى باستحالة تمتّع رئيس منتخب بكلّ صلاحيّاته في ظروف كهذه. 

الحراك ضد انتخابات الرئاسة في الجزائر

مظاهرات ليلية رافضة لرئاسيات ديسمبر 2019

وفي مُقابل اصطفاف السلطة من أجل تمرير الانتخابات الرئاسيّة في موعدها الذي أعلنه قائد الأركان من قبل؛ انتشرت دعوات كثيرة في وسائل التواصل الاجتماعي أو أثناء مسيرات الحراك الشعبيّ في مختلف أنحاء الجزائر، داعية إلى إضراب وطني يستمرّ طوال الأسبوع الذي يسبق الانتخابات، ووُزّعت في كثير من المحلاّت بالإضافة إلى بعض الجامعات مطبوعات تدعو إلى الإضراب والعصيان المدني من أجل إسقاطها.

ويلقى المترشّحون الخمسة صعوبات كثيرة في إجراء حملتهم الانتخابيّة بسبب الغضب الشعبي العارم، إذ تلقى زياراتهم الميدانيّة رفضًا شعبيًّا واحتجاجات قويّة ممّا أدّى في بعض الأحيان إلى حدوث انزلاقات وأعمال عنف كما حدث في محافظة بويرة أثناء زيارة المترشّح علي بن فليس. 

وتعدّ رئاسيات 12 ديسمبر المُقبلة، المحاولة الثالثة التي تُجريها السلطة خلال سنة 2019 لتنظيم السباق الرئاسي، إذ سبقتها انتخابات أبريل (نيسان) التي أوقفها الحراك الشعبي الرافض لترشّح بوتفليقة لعهدة رئاسيّة خامسة، بالإضافة إلى انتخابات يوليو (تمّوز) التي اضطرّت السلطات لإلغائها بعد انسحاب جميع المترشّحين على وقع الرفض الشعبيّ الكبير لها.

لكن لا يبدو أن السلطات متّجهة لتغيير رأيها حول رئاسيات ديسمبر هذه المرّة؛ فقد أكّدت قيادة الأركان في أكثر من مرّة، سواء من خلال بيانات وزارة الدفاع الوطني أو خطابات قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح، عزمها إجراء الانتخابات في موعدها وحمايتها. 

غليان في الشارع.. وتخوّف من الانجرار إلى العنف

يقول خالد حسن، رئيس تحرير «صحيفة الأمّة» الالكترونية والناشط في الحراك الشعبيّ تعليقًا على رئاسيات 12 ديسمبر المقبلة في تصريحه لـ«ساسة بوست»: «الانتخابات لا قيمة لها شعبيًّا، لأنها مفروضة فرضًا بقوة الإكراه والقهر، السلطة إنما تنفّذ حُكمها بما تجبر الناس عليه من انتخابات، هي متوترة خائفة تترقب، تشعر بأنها مهدّدة في وجودها وليس في استمرارها فقط».

موضحًا: «ربما لأول مرة في تاريخ الجزائر المستقلة يشعر النظام الحاكم بأنه مُهدد في بقائه، هو أكثر عزلة شعبيًا، من أي وقت مضى، وإصرار الحراك الثوري وتصميمه زاده ارتباطًا وتخبطًا. فالانتخابات هي خريطته الأولى والأخيرة، والمجموعة المسيطرة على القرار حاليًا، ربطت مصيرها السياسي والسلطوي بها، لهذا ترى فيها خيارًا لا رجعة فيه». 

وقد شهدت الجزائر لأوّل مرّة، مناظرة تلفزيونيّة بين المترشّحين الرئاسيّين الخمسة، يوم الجمعة 6 ديسمبر الماضي، وتباينت الآراء حول المناظرة بين من اعتبر أنّها تندرج ضمن «ديمقراطية الواجهة» التي تريد السلطة التسويق لها باعتبار أن هذه الانتخابات تحظى بالنزاهة والشفافيّة، وبين المناصرين لخيار الانتخابات الذين رأوا أنّها سابقة إيجابيّة في الساحة السياسيّة الجزائريّة.

ويتخوف البعض من احتمالية حدوث مناوشات بين المؤيدين للانتخابات والمعارضين لها في يوم إجرائها، أو حدوث أعمال عنف بين قوات الأمن والمحتجين، خصوصًا وأن الشارع يشهد غليانًا كبيرًا بسبب إصرار السلطة على إجراء الانتخابات في موعدها رغم الرفض الشعبي، وتعرض العديد من النشطاء للاعتقال بسبب احتجاجهم ضد مرشحي الرئاسة. وقد أعلنت السلطات القبض على أحد عناصر حركة «الماك» الانفصاليّة، وهو طالب جامعي كان يسعى «إلى تصوير تشكيلات الشرطة والسيطرة على الحراك»، ما أثار سخرية الكثير من المتابعين. 

انتخايات الرئاسة في الجزائر والحراك الشعبي

 

وعن احتماليّة حدوث صِدام أو انحراف الأوضاع للعنف، يعلّق خالد حسن: «الصدام لا يخدم السلطة الفعلية، لأنها قد لا تسيطر عليه، وهي تحت ضغط شعبي كبير، والقوى الغربية ترفض الانزلاق إلى الفوضى، فشمال أفريقيا وضعه متقلب مضطرب (مصر وليبيا)، وليست مستعدة لجبهة جديدة من الاضطرابات في المنطقة نفسها، وتحتاج الجزائر في قضية الساحل وما تسميه «الإرهاب العابر للحدود». ولو حصل الانفلات، لانكشفت الساحة الجزائرية، وربما قد تتحّول إلى بيئة حاضنة للجماعات المسلحة، وتتعرض بهذا مصالحها في الصحراء، حيث مشاريع الطاقة، إلى المخاطر والتهديدات». 

ويرى خالد حسن أنّ السلطة تحاول استعمال الحساسيّات العرقية بين الجزائريّين والتخويف بالحركات الانفصاليّة من أجل كسر الحراك، موضحًا بالقول: «حاولت السلطة أن تلعب بورقة «منطقة القبائل» (محافظات بجاية وتيزي وزو)، والدفع بها إلى الفوضى والتصعيد لتبرّر قبضة أكثر تشددًا أمنيًا وربما تتخذ منها غطاء لانغماسها في الخيار الأمني التصعيدي في مواجهة الحراك. لكن حتى الآن على الأقل، يسيطر التيار الثوري العاقل على حراك منطقة «القبائل» (الزواوة)، وثمة ضبط للاندفاع، وإن حصل بعض المناوشات والاشتباكات، فهي محدودة ولم تدم طويلًا.

مشيرًا إلى أن: «السلطة تُخوف من التيار الانفصالي في المنطقة هناك، وتبالغ في تقدير حجمه وتأثيره، وتعبث بورقة العصبيات والمناطقية، وهي نار حارقة، لكن الحراك تصدى لهذا العبث، وتمكن من ضبط خيارات الحراك، والتزم بالسلمية، وحافظ عليها، رغم استفزازات السلطة».

وتجري في الأسبوع نفسه الذي يسبق الانتخابات الرئاسية، محاكمات لرموز نظام بوتفليقة، من بينهما الوزيران الأوّلان المالك سلال وأحمد أويحيى، ورجل الأعمال القريب من عائلة بوتفليقة علي حداد في قضايا متعلقة بالفساد، ويرى بعض النشطاء داخل الحراك أن السلطة تستغل هذه المحاكمات من أجل الترويج للمسار السياسي الذي تتبنّاه المؤسسة العسكريّة، والمتمثّل في اعتقال بعض الرموز المرتبطة بنظام بوتفليقة ومحاكمتهم، والإصرار على إجراء الانتخابات الرئاسيّة في موعدها.

عن مصير الحراك الشعبي بعد الانتخابات، واحتماليّة توقّفه أو قمعه من طرف السلطة، يضيف خالد حسن: «الحراك الثوري ابتداءً لم يربط مصيره بأي موعد أو انتخابات، ويدرك أنّ المعركة ضد الاستبداد والطغيان والقهر السياسي طويلة، وليس ثمة حسم بالضربة القاضية، وإنما التدافع يتطلب صبرًا ونفسًا طويلًا وملازمة للساحات والميادين، والدفع السلمي الضاغط واستمرار التعبئة».

عربي

منذ 7 شهور
مرشّحون رغم أنف الشعب.. هل تحوّلت الانتخابات الجزائرية إلى فقرة كوميدية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد