عندما يحضر زعماء العالم قمة رئيسية حول قضايا الأمن العالمي؛ من المعتاد أن يستعدوا جيدًا بقراءة أكبر عدد ممكن من التقارير ذات الصلة. وفي عام 1986، لم يكن أكثر أهمية من اجتماع الزعيمين الأمريكي والسوفيتي رونالد ريجان وميخائيل جورباتشوف في ريكيافيك لمناقشة تخفيض ترسانتيهما النوويتين. لكن ما قرأه أقوى رجل في العالم آنذاك، ليلقي بنظرة ثاقبة على عقلية المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي، استعدادًا للمواجهة الآيسلندية، كان رواية من تأليف الكاتب توم كلانسي.

«هبوب العاصفة الحمراء» تؤثر في تفكير ريجان أثناء الحرب الباردة

تكشف الوثائق التي رُفِعَت عنها السرية لاحقًا، أن ريجان أجرى مكالمة هاتفية مع رئيسة وزراء المملكة المتحدة مارجريت تاتشر قبيل ساعات من انعقاد القمة، أثنى الرئيس خلالها بشدة على رواية «هبوب العاصفة الحمراء» التي تتخيل نشوب الحرب العالمية الثالثة في أوروبا بين «حلف شمال الأطلسي (الناتو)» و«حلف وارسو» في منتصف الثمانينيات.

تقول صحيفة «الإندبندنت»: إن ترشيح ريجان الرواية لرفيقته السياسية يؤكد أن الرئيس الأمريكي -الذي كان ممثلًا في السابق- كان يقرأ «هبوب العاصفة الحمراء» إبان اجتماع ريكيافيك، ويبدو أنها أثرت في تفكيره في هذا المنعطف الحرج من حقبة الحرب الباردة. وقد ورد في المذكرة، التي كتبها سكرتير تاتشر الخاص ومستشارها لشؤون السياسة الخارجية: «أثنى الرئيس بشدة في محادثته مع رئيسة الوزراء على كتاب جديد لمؤلف (أكتوبر الأحمر) بعنوان -على ما أظن- (هبوب العاصفة الحمراء). لقد رسم صورة ممتازة لنوايا الاتحاد السوفيتي واستراتيجيته. من الواضح أن الكتاب أثار إعجابه بشدة». 

كانت قمة ريكيافيك، التي عُقِدَت في قنصلية فرنسية سابقة خارج العاصمة الآيسلندية، أحد أكثر الاجتماعات استثنائية في سلسلة لقاءات ريجان- جورباتشوف التي سبقت انهيار الاتحاد السوفيتي النهائي. وعلى الرغم من إعلان فشل القمة بعد انهيارها في اللحظة الأخيرة، إلا أن الاجتماع دشن أول نقاش جاد بين الشرق، والغرب حول إزالة جميع الأسلحة النووية.

الرئيس الأمريكي رونالد ريجان

إلى أي مدى بالضبط أثرت الرواية في تفكير الرئيس الأمريكي؟ يظل هذا مجهولًا، على وجه التحديد، بيدَ أن مذكرة داونينج ستريت تقدم إشارة مثيرة إلى أن النجم السينمائي السابق ربما بدأ يخلط بين الواقع، والخيال، عندما يتعلق الأمر بتفسير تصرفات السيد جورباتشوف.

تجسد الرواية شخصية رئيس المكتب السياسي المراوغ الذي يقدم لواشنطن عرضًا سخيًا بشأن تخفيض الأسلحة؛ بينما يخطط سرًّا للحرب طوال الوقت. على أرض الواقع، أظهر الرئيس أيضًا عدم ثقة كبيرة في الدوافع السوفيتية. وكانت المحاولات السوفيتية لتجميد الأبحاث الأمريكية في مجال الدفاع الاستراتيجي مجرد غطاء «للمضي قدمًا كالمجانين بخطط دفاعهم الصاروخي».

في حين أن توظيف عمل خيالي في عملية تفاوض دقيقة حول أسلحة الدمار الشامل قد لا يوحي بالثقة في استيعاب السيد ريجان للتفاصيل الجيوسياسية، فقد كان السيد كلانسي على الأقل يحظى بتقدير كبير بصفته مراقب تكنولوجيا الحرب الباردة. وتعكس الرواية خبرة واضحة بالأسرار العسكرية الحساسة، مثل قاذفات «الشبح» الأمريكية، أو غواصات «تايفون» السوفيتية. 

لكن كلانسي كشف لاحقًا أن المصدر الرئيسي لآرائه المتعلقة باستراتيجية «الناتو» لم تكن وثائق سرية، بل لعبة حرب بحرية مجانية. وحين شارك المؤلف في تأسيس شركة تطوير ألعاب عام 1997، أطلق عليها اسم «العاصفة الحمراء للترفيه»، تيمنًا بروايته التي باعت عدة ملايين من النسخ. 

صحيحٌ أن هناك روايات أخرى رسمت سيناريوهات استشرافية للحرب العالمية الثالثة، لكن هذا العمل تميز بتوظيف كافة التفاصيل نسيجًا واحدًا بحيث تلعب دورًا أساسيًا في النتيجة النهائية، بدءًا من جاذبية نفط الخليج، مرورًا بإسقاط أقمار الاستطلاع الصناعية ومعارك الدبابات في ألمانيا، وصولًا إلى وقف إطلاق النار.

في نهاية الرواية، وقد أدرك الجنرال بافيل أليكسييف أن المكتب السياسي يفكر في استخدام أسلحة نووية تكتيكية؛ فإنه يتعاون مع رئيس «الاستخبارات السوفيتية (كي جي بي)» ووزير الطاقة ميخائيل إدواردوفيتش سيرجيتوف، لتنفيذ انقلاب ناجح ضد المكتب السياسي، ونقل السلطة إلى ترويكا تضم: سيرجيتوف، ووزير الزراعة ف م. كريلوف، وعضو المكتب السياسي المخضرم بيوتر برومكوفسكي (أحد المحاربين القدامى في الحرب العالمية الثانية). وحين يعرض الاتحاد السوفيتي مقترح وقف إطلاق النار على حلف شمال الأطلسي المنهك فإنه يوافق لتضع الحرب أوزارها.

عشق رؤساء أمريكا وبريطانيا للأدب.. من هاري بوتر إلى ستيفن كينج

قرأت رئيسة وزراء المملكة المتحدة السابقة تيريزا ماي جميع كتب هاري بوتر، وإن امتنعت عن تحديد أي شخصيات السلسلة تشبهها، قائلة: «لا أعتقد أنني أشبه أيًّا من الشخصيات». وقال رئيس وزراء المملكة المتحدة الأسبق ديفيد كاميرون إن كتبه المفضلة هي مذكرات الروائي روبرت جريفز «وداعًا للجميع»، ورواية «ديفيد كوبرفيلد»، على الرغم من أن صورة التقطت لشقته في داونينج ستريت عام 2014 أظهرت المزيد من كتب الطبخ أكثر من روايات الخيال الأدبي على رفوف مكتبته.

وقبل أن يصبح توني بلير رئيسًا للوزراء، اختار رواية والتر سكوت التاريخية «إيفانهو» في عرض «أقراص صحراء الجزيرة». أثناء وجوده في منصبه، قال إن كتابه المفضل هو سيرة ليون تروتسكي وسلسلة كتب الأطفال «فلات ستانلي»، وفي عام 2011، زعم أنه يقرأ القرآن كل يوم. وتعرضت رئيسة وزراء المملكة المتحدة الشهيرة مارجريت تاتشر للسخرية بسبب إعادة قراءة مؤلفات فريدي فورسيث. وقال السير ونستون تشرشل رئيس وزراء المملكة المتحدة الأسبق إنه قرأ جميع مؤلفات هربرت جورج ويلز، مرتين.

وكان الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش يخوض سباقًا طويل الأمد مع مستشار البيت الأبيض كارل روف. وقرأ رئيس وزراء كندا جاستين ترودو كل شيء تقريبًا كتبه ستيفن كينج. وأعلن الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون أنه قرأ المجلدات العشرة لسيرة هاي ونيكولاي لأبراهام لنكولن.

لن تفاجأ على الأرجح إذا علمت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يخالف هذا الاتجاه، وليس لديه وقت لقراءة الكتب. لكنك قد تبتسم حين تطلع على نتيجة دراسة مسحية أجرتها ديانا موتز من جامعة بنسلفانيا لاستطلاع آراء أكثر من ألف أمريكي في عام 2016، خلُصَت إلى أنه كلما زاد عدد كتب هاري بوتر التي قرأها الناس، قلّ عدد مرات إعجابهم بترامب. 

مترجم: لماذا هاري بوتر الرواية المفضلة لجيل كامل؟ 6 أسباب تشرح لك سر عظمة السلسلة

العلاقة «الحميمة» بين رؤساء فرنسا وعالم الأدب

يحفظ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعض كتابات الكوميدي المسرحي موليير عن ظهر قلب، ويستشهد بها من ذاكرته. لكن لم يكن هذا هو السبب الوحيد الذي دفع الكاتب المسرحي والروائي الفرنسي- البلجيكي إيريك إيمانويل شميت لأن ينصح ماكرون بأن يكون رئيسًا أديبًا.

في مقال رأي نشرته صحيفة «لوموند» في 13 مايو (أيار) 2018 كتب شميت: على ماكرون أن يأخذ في الحسبان أنه رئيسُ بلد يقال عن لغته إنها «لغةُ موليير». ويجمل به أن يتجنب في خطابه لغة الصحافة، التي تشبه النقش على الماء، ويتبنى لغة الأدب التي تتحدى المكان والزمان، وتصمد أمام الهزات والأزمات، وتسمح لصاحبها بأن يخترق الحدود الضيقة.

Embed from Getty Images

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

نصيحة شميت ليست خروجًا عن المألوف، بل اعتزازًا بتقليد فرنسي ظل قائمًا منذ قيام ما يسمى «الجمهورية الخامسة» يتمثل في العلاقة الحميمة بين رؤساء فرنسا، وعالم الأدب. فمذكرات الجنرال شارل ديجول التي كتبها بنفسه، يُضرب بها المثل في مجال أدب المذكرات. والرئيس الأسبق حورج بومبيدو كان يلقب بـ«الرئيس الشاعر». وكان فاليري جيسكار ديستان يُذكّْر مخاطبيه دومًا بأنه مولع بأدب «غي دو موباسان». 

وكانت ثقافة الرئيس الأسبق جاك شيراك الواسعة هي التي أهلت اسمه ليطلق على متحف «كيه برانلي» القريب من برج إيفل. وقبلهم جميعًا، تباهى الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت بأنه قرأ رواية الأديب الألماني يوهان جوته «آلام الشاب فرتر» سبع مرات.

حتى نيكولا ساركوزي وفرانسوا هولاند اللذان كانت علاقتهما بالأدب ضعيفة جدًا، حرصا خلال فترتي حكميهما أن يتذكرا أن من مهام رؤساء الجمهورية الخامسة إقامة علاقة حميمة مع الأدب والثقافة.

السلطان عبد الحميد الثاني.. خيال الروايات يخفف وطأة الواقع

على الرغم من ضغوط الحكم الشديدة التي كانت ملقاة على عاتق السلطان عبد الحميد الثاني، إلا أنه لم يهمل القراءة، بل كان يدير معظم شؤون الدولة من مكتبته الشخصية. يشتهر عبد الحميد الثاني بشغفه بقراءة الروايات، خاصة البوليسية منها، وكان له اهتمام كبير بمقالات السفر والمنشورات المتعلقة بالصحة. وكان متابعًا لأحدث الأعمال المنشورة في أوروبا، وأنشأ في قصر يلديز مكتبًا لترجمتها.

وقد قال السلطان عبد الحميد الثاني ذات مرة: «حين تكون لدي مشاكل في النوم، أطلب من أحدهم قراءة كتاب، وسرعان ما أنزلق إلى النوم في النصف الأول من القصة». وفقًا لمذكرات ابنته عائشة عثمان أوغلو التي نُشرت بعنوان «أبي السلطان عبد الحميد»، كان السلطان عبد الحميد الثاني من أوائل القراء الذين اكتشفوا عالم شيرلوك هولمز الشهير في الأراضي العثمانية. وكان القراء العثمانيون على موعد مع قصص شيرلوك في عام 1908 بفضل ترجمات فايق صبري دوران. 

لكن كانت هناك العديد من قصص هولمز التي ترجمت قبل عهد السلطان، في الوثائق المسماة «مجموعة يلدز الرئيسية» في الأرشيف العثماني، وفي مكتبة جامعة إسطنبول التي كانت أيضًا ضمن مجموعة السلطان. وحين صادف السلطان عبد الحميد رواية أرسين لوبين منشورة على هيئة سلسلة في مجلة قبل تجميعها ونشرها في كتاب، أمر بترجمتها إلى اللغة التركية عام 1905، أي قبل عامين من نشرها في الدول الغربية كتابًا. 

في بعض الأحيان، كان السلطان يطلب من السفراء إرسال أعمال مؤلفيه المفضلين حتى يترجمها مكتب الترجمة في القصر. وبعد أول لقاء مع آرثر كونان دويل وشخصية شيرلوك هولمز، طلب السلطان من السفير العثماني في لندن مزوروس باشا إرسال جميع أعمال دويل إلى القصر.

وكتب الأدميرال البريطاني السير هنري وودز، الذي عمل مستشارًا للقوات البحرية العثمانية بين عامي 1869 و1909، كيف تلقى آرثر كونان دويل أمرًا عثمانيًّا مباشرًا من السلطان عبد الحميد الثاني. يقول وودز في مذكراته: «كان (السلطان) لديه عقل نشط للغاية، وعلى الرغم من محدودية معرفته باللغة الفرنسية، وعدم درايته بأي لغة أوروبية أخرى، فقد قرأ أو قُرِأت له ترجمات العديد من الكتب الأوروبية. كان هناك فريق من المترجمين في (قصر) يلدز يعملون دائمًا إما في ترجمة الصحف وإما الكتب الأوروبية، وقد أخبرني أحدهم، وهو يهودي فييني توفي منذ سنوات عديدة، أنه ترجم للسلطان كتاب مكيافيلي لإرشاد الأمراء». 

وقد أوضح السلطان بنفسه أن اهتمامه بهذا النوع من الروايات البوليسية كان مجرد وسيلة للهروب من عبء عمله الثقيل وشؤون الدولة المعقدة، ربما ليرد بذلك على تفسير البعض لهذه الهواية باعتبارها نتاج شخصيته المتشككة. 

عبد الحميد الثاني.. قصة السُلطان «المُستبد» الذي رفض بيع القدس

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد