دائمًا ما ترتبط كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية في العالم، بالاستغلال السياسي من قبل السياسيين ورؤساء الدول. فلقطات ودية في مباراة كروية من رئيس مدغشقر الشاب هنا، ورقصة تفاعلية من الرئيسة الكرواتية الشقراء هُناك، كافية لنسج «أساطير» وهمية وتصريحات «درامية» عن هؤلاء الرؤساء، وتلاقي صدى واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولأن «الكرة أفيون الشعوب»، فغالبًا ما يسعى الزعماء والرؤساء إلى ربط أنفسهم بفريق كرة القدم الخاص بالدولة؛ على أمل أن يجدوا في البطولات الرياضية دعاية سياسية لأداء حكوماتهم. وقد يبلغ الأمر أقصاه، بأن يُجبر اللاعبون على رفع شارات سياسية موالية للحكام، أو يهددوا بالقتل إذا لم يفوزوا بالبطولة!

كرة القدم تحول رئيس مدغشقر لـ«أُسطورة»

سافر أندريه راجولينا رئيس مدغشقر إلى مصر لمساندة منتخب بلاده الذي يشارك لأول مرة في كأس أمم أفريقيا لعام 2019، وفي استاد الإسكندرية حضر الرئيس الشاب مباراة بلاده مع فريق منتخب الكونغو الديموقراطية، في ثُمن نهائي البطولة، في مباراة دراماتيكية، انتهى وقتها بهدفين لكل فريق، قبل أن تحسم مدغشقر المباراة لصالحها بركلات الجزاء، وتصعد لربع نهائي البطولة في إنجاز تاريخي غير مسبوق لمدغشقر.

ومع توالي أهداف مدغشقر في المباراة؛ احتفل راجولينا بطابع رسمي حينًا وطابع عفوي حينًا عندما انتهت المباراة وقفز الرئيس الشاب من على كرسيه مهللًا بانتصار منتخب بلاده التاريخي. ومنذ وصول الرجل للاستاد بملامحه الشابة لفت انتباه الكاميرات، وخطف الأضواء، وبدأ البعض من خلال مواقع التواصل الاجتماعي في نسج «أسطورة» حوله؛ معززة بمعلومات مغلوطة وإنجازات سياسية وهمية اتسع انتشارها على مواقع التواصل الاجتماعي، لتحصد عشرات الآلاف من التفاعلات، بعد إنجاز رياضي تاريخي لفريق مدغشقر، ليس له علاقة بأداء راجولينا في منصب الرئاسة.

المظهر الشاب الذي يتميز به رئيس مدغشقر كان كافيًا لراغبي جمع التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، لخفض عمر الرجل ست سنوات؛ فينشروا أنه ثلاثيني يبلغ من العمر 39 عامًا، مع أن الرجل في منتصف الأربعينات، وُلد في 30 مايو (أيار) عام 1974، لأسرة غنية نسبيًا في مدينة أنتسيرابي.

وعلى عكس ما قيل وانتشر من أن راجولينا «اكتسح الانتخابات بنسبة 98% في عام 2016»، ذلك العام الذي لم تُجرَ فيه انتخابات بمدغشقر من الأساس؛ وصل الرجل إلى سُدة الحكم بعد خوضه انتخابات رئاسية وحيدة نُصب بموجبها رئيسًا للبلاد في 19 يناير (كانون الثاني) 2019، بعد منافسة شرسة مع نظيره مارك رافالومانانا، ففي الجولة الأولى حصد أندريه راجولينا نسبة 39.19% من الأصوات مقابل 35.29% لرافالومانانا، قبل أن يحسم راجولينا الانتخابات لصالحه، إثر حصده أكثر من 55% مقابل 44.34% لرافالومانانا.

الرئيس الشاب وصل الحكم بـ«انقلاب عسكري»

ومع أن راجولينا فاز بانتخابات رئاسية وحيدة، إلا أنه سبق وأن حكم البلاد فترة كان من المفترض أنها «مؤقتة» ولكنها دامت لخمس سنوات رغم تعهده بفترة انتقالية لا تتعدى العامين، إثر سيطرة على السلطة رُفضت أفريقيًا ودوليًا، واعتبرها الاتحاد الأفريقي عملية انقلابية، وقعت قبل عقد مضى.

إذ شهد عام 2009 صراعًا آخر على السلطة بين راجولينا الذي كان حينها رئيسًا لبلدية أنتاناناريفو عاصمة مدغشقر، وبين رافالومانانا رئيس البلاد حينذاك، عندما قاد راجولينا حركة سياسية أعلن بموجبها أنه رئيسًا للبلاد، ونظم الرجل ومؤيدوه مسيرة في 7 فبراير (شباط) 2019، ذهبت لقصر الرئاسة، بهدف استبدال رافالومانانا براجولينا؛ ففتح الحرس الجمهوري النار على المحتجين مما أدى لمقتل نحو 23 شخصًا، وإصابة أكثر نحو 83 آخرين، في خطوة قلّصت من شعبية رافالومانانا، و أفقدته جزءًا من دعم الجيش.

وفي 6 مارس (آذار) 2009، حاولت السلطات الملغاشية اعتقال راجولينا الذي لجأ للاحتماء بالسفارة الفرنسية، وفي 10 مارس، أمهل الجيش القادة السياسيين 72 ساعة لإيجاد حل للأزمة «متعهدًا بالتزام الحياد»، وإن لم يجدوا حلًا سيتدخل الجيش «لحماية المصالح العليا للبلاد» بحسب بيان لرئيس أركان الجيش الملغاشي، جاء بعد مقتل أكثر من 100 شخص إثر الاحتجاجات التي شهدتها البلاد.

Embed from Getty Images

ليُعلن رافالومانانا في 15 مارس استفتاءً لحل الأزمة، رفضه راجولينا مطالبًا باعتقال الرئيس، ليلجأ رافالومانانا في اليوم التالي لحل الحكومة و تقديم استقالته، ونقل الختم الرئاسي إلى لجنة عليا بالجيش، بعدما اقتحمت قوات الجيش قصره واعتقلته، لينقل الجيش السلطة مباشرة إلى راجولينا باعتباره رئيسا مؤقتًا للبلاد، ليكون أصغر رئيس في تاريخ البلاد والعالم حينها، في خطوة اعتبرتها المحكمة الدستورية الملغاشية قانونية، ولاقت رفضًا دوليا وأمميًا وأفريقيًا، باعتبارها «انقلابًا عسكريًا» أعقبه فرض عقوبات على مدغشقر وتجميد مساعدات لها.

وبعد ذلك وبمساعدة فرنسا، بدأ رفع هذه العقوبات تدريجيًا، بعدما أقرت مدغشقر دستورًا جديدًا للبلاد، عام 2010، بعد استفتاء بلغت نسبة الموافقة عليه 73%. وحاول راجولينا بموجبه إجراء تعديل يخصه، بخفض سن الترشح للرئاسة من 40 عامًا لـ 35 ليتمكن من الترشح للرئاسة، واستمر الرجل في الحكم الذي كان «مؤقتًا» حتى عام 2014، قبل أن يعود للحكم مرة أخرى مطلع العام الحالي.

اقتصاد بلاده لا يزال يعاني.. حقائق وخرافات عن رئيس مدغشقر

خلال فترة حكمه أجرى رئيس مدغشقر بعض الإصلاحات الاقتصادية بزيادة الدعم للبنزين والكهرباء، ولكن ليس بالمبالغة التي روجها رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين أمطروا الرجل بمعلومات مُرسلة عن أدائه الرئاسي. وبالبحث والاستوثاق منها لم نجد أي مصادر موثقة لهذه المعلومات، والتي من بينها أن راجولينا: «سحب جميع سيارات الوزارات وترك لكل وزارة سيارة واحدة، وجعل راتب المدرس يعادل راتب الوزير، وألقى القبض على 5700 فاسد والحصول على أموالهم».

وبالبحث وراء أنه «باع جميع طائرات الرئاسة»؛ تبين أنه قام فقط ببيع طائرة مثيرة للجدل كان قد اشتراها سلفه من الأموال العامة وبلغت قيمتها نحو 24.5 مليون دولار ومثّلت فضيحة له.

أما اقتصاد مدغشقر فما يزال يُعاني؛ فبحسب ورقة بحثية حديثة نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» تعود ليوليو (تموز) الجاري: «فإن مواطني مدغشقر يعانون من الفقر والبطالة وعدم كفاية الرعاية الصحية وانعدام الأمن الغذائي و شُح الموارد الاقتصادية، وأعمال السرقة، وانقطاع الكهرباء والمياه».

اللافت أن رواد مواقع التواصل الاجتماعي العرب الذين هوّلوا وضخمّوا من رئيس مدغشقر في محاولة لخلق «أسطورة» يُحتذى بها، قد جهلوا أو تجاهلوا، أن راجولينا ابن جنرال عسكري متقاعد، مزدوج الجنسية، شارك في الاستعمار الفرنسي للجزائر، بحسب ما كشفه كتاب «أشخاص من أنتاناناريفو».

رئيس مدغشقر ليس الوحيد.. لرئيسة كرواتيا نصيب من البطولة «الوهمية»!

لم يكن رئيس مدغشقر الرئيس الوحيد الذي أضفى ظهوره الرياضي العفوي صورة أسطورية عليه، ففي العام الماضي، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي داخل العالم العربي وخارجه حالة من الزخم والاحتفاء برئيس دولة، بزغ نجمه خلال إنجاز رياضي تاريخي حققه فريق كرة القدم في مونديال روسيا 2018.

ولأن التهويل يُصبح أكبر عندما يكون منصب الرئيس لسيدة شقراء، بدت خفيفة الظل في دعمها لمنتخب بلادها واحتضان اللاعبين في المونديال، والاحتفال معهم في غرفة الملابس؛ كانت كوليندا غرابار-كيتاروفيتش، رئيسة كرواتيا، التي انتخبت رئيسة للبلاد عام 2015، لتكون أول امرأة كرواتية تحتل هذا المنصب في كرواتيا؛ محط أنظار الجميع ونجمة السوشيال ميديا، خلال المونديال.

وعلى مدار مسيرة فريق كرة القدم الكرواتي المفاجئة في مونديال 2018، وصعوده للنهائي لأول مرة في تاريخها قبل الخسارة من فرنسا، كان حضور كوليندا لافتًا في دعم اللاعبين، لدرجة كانت كافية لنسج أساطير حولها ونسب إنجازات وهمية لها، من بينها خفض راتبها للنصف، وهو ما لم يحدث على أرض الواقع، بل على العكس زاد 2000 كونا، في عام 2017، بعد سياسة الإصلاح الضريبي.

وأنها باعت طائرتها الرئاسية؛ «لأن بالبلاد جوعى وصيانة الطائرة والتأمين عليها يُكلف الدولة 300 ألف دولار سنويًا، المسافرون على الدرجة الأولى والسياحية يصلون المحطة في نفس الوقت، والرفقة في السفر ممتعة» في تصريحات «درامية» وهمية ليس لها أساس من الصحة، فكوليندا لم تقل ذلك، وهي تملك طائرة رئاسية رسمية، يمكنك الإطلاع عليها في الموقع الرسمي للحكومة الكرواتية.

سر انتهاء معظم أسمائهم بـ«إيتش».. 8 أشياء قد لا تعرفها عن كرواتيا

مصر في مونديال 2018: «انتصرنا في عهد السيسي»

الاحتفاء بالرؤساء ونسج الأساطير الوهمية حولهم، بربط الإنجازات الرياضية والكروية بهم، لا يقف عند منشورات «زائفة» على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما قد يمتد لـ«تلميع» ممنهج من وسائل الإعلام الموالية للأنظمة، مدفوع من رغبة الحكومة في ضم النجاح الكروي والرياضي إلى جُعبة إنجازاتها المُفترضة.

فعلى سبيل المثال؛ حاولت الحكومة المصرية ووسائل الإعلام الداعمة لها، الدعاية للحكومة من خلال صعود فريق كرة القدم المصري التاريخي لمونديال 2018، بعد 28 عامًا من الغياب. لدرجة أن الإعلامي المحسوب على النظام، أحمد موسى، ربط الصعود التاريخي المصري بالرئيس عبد الفتاح السيسي، قائلًا عقب الصعود: «يا مرتشين يا خونة مصر صعدت خلاص، وانتصرنا وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، هي دي مصر.. عايزين إيه بقى مننا تاني؟ نجيب كأس العالم يعني؟!».

وبعد الصعود للمونديال تكرر عرض تكريم السيسي للاعبي فرق كرة القدم ليس فقط على قنوات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي، وإنما أيضًا على مبنى مجمع التحرير في ميدان التحرير الذي تحول في 12 أكتوبر (تشرين الأول) 2017، إلى شاشة لعرض أهداف منتخب مصر في التصفيات، بعد أيام قليلة من صعود منتخب مصر إلى كأس العالم، تحت شعار حملة السيسي الانتخابية «تحيا مصر»، في عرض لم يخلُ من تكرار الصورة التي جمعت السيسي بمحمد صلاح  اللاعب المصري ذائع الصيت عالميًا ومحليًا، وسط أهداف المنتخب!

صورة لمجمع التحرير بعدما أصبح «شاشة عرض» لأهداف مصر وصور السيسي مع صلاح تحت شعار «تحيا مصر»

وخلال النسخة الأخيرة لكأس أمم أفريقيا 2019 المقامة في مصر، زار السيسي مقر تدريب المنتخب المصري، مرتديًا زيًا رياضيًا. وعقب انتهاء الدور الأول زار وزير الدفاع محمد أحمد ذكي هو الآخر مقر تدريب منتخب مصر قبيل مباراة جنوب أفريقيا، تلك المباراة التي خسرتها مصر لتودع البطولة المقامة على أراضيها مبكرًا من دور ثُمن النهائي، في خروج بدى مُخيبًا لآمال المسؤولين الذين كانوا يأملون في استغلال الإنجاز المُرتقب!

فريق كرة القدم الإيطالي والتحية الفاشية في مونديال 1934!

وتاريخيًا، يبرز الرئيس الإيطالي الفاشي بينيتو موسوليني ضمن أحد أبرز النماذج التاريخية الذي استغل بصرامة كرة القدم لتحقيق مآربه. ففي عام 1934 وبعد منافسة شديد مع السويد على تنظيم المونديال؛ تمكّنت إيطاليا بعد ضغط كبير من موسوليني (الملقب بالدوتشي)، الفوز بتنظيم البطولة. وهو أمر استغله موسوليني لنشر الفاشية والنازية، فالمنتخب الفائز بالبطولة لا يحصل على كأس العالم فقط، وإنما يحصل أيضًا على «كأس الدوتشي» وهو أكبر في حجمه من كأس العالم!

وطغت رائحة الفاشية على نسخة كأس العالم تلك؛ إذ أُجبر لاعبو فريق كرة القدم الإيطالي على الانضمام لـ«الحزب الفاشي»، وهدُدوا بالقتل إذا لم يفوزوا باللقب، أما ملعب العاصمة الإيطالية روما (الأولومبيكو) فقد حمل اسمًا جديدًا، وهو «ملعب الحزب الوطني الفاشي».

أما التحية الرومانية المعبرة عن التحالف النازي الفاشي بين أدولف هتلر وموسوليني، بمد الذراع مستقيمة للأمام مع ميلها لأعلى، فقد نفذها لاعبو فريقي كرة القدم الإيطالي والألماني أثناء عزف النشيد الوطني مع بداية كل مباراة، ليس هذا فحسب، بل نفذها أيضًا لاعبو منتخبات أخرى كالأرجنتين والسويد تحيةً منهم للمنصة الرسمية والحكومة الفاشية المنظمة لكأس العالم.

لاعبو منتخب إيطاليا يأدون التحية الفاشية في كأس عالم 1934

ومن أجل الفوز بكأس العالم الذي كان «أمرًا سياديًا»؛ جنّست إيطاليا لتحقيق تلك الغاية لاعبًا برازيليًا، وأربع لاعبين أرجنتينيين، بينهم ثلاثة حصلوا على الجنسية بالمخالفة للوائح الفيفا.

«أنت المسؤول الوحيد عن النجاح، لكن ليكن الرب في عونك إذا انتهى الأمر بفشلك»

هكذا هدد موسوليني المدرب فيتوريو بوتسو، في لقاء جمع بين الدوتشي والمنتخب الإيطالي قبل انطلاق البطولة، حذره فيه من أنه «سيتّحمل» ثمن الخسارة، مُترجمًا تهديده للاعبين أيضًا «إما الفوز أو الصمت التام» مُشيرًا بيده إلى علامة الذبح، بحسب ما جاء في كتاب «Historias Insólitas de los Mundiales de Fútbol  (أغرب الحكايات في تاريخ كأس العالم)» لكاتبه الأرجنتيني لوثيانو برنيكي. وقد نجحت إيطاليا بالفوز بكأس العالم بعد انتصارها على تشيكوسلوفاكيا بهدفين لهدف، وحافظت على لقبها في النسخة التالية لأغلى بطولة في العالم للمرة الثانية على التوالي!

خلف القضبان.. كيف تأثر المعتقلون في مصر ببطولة كأس الأمم الأفريقية؟

 

المصادر

تحميل المزيد