يبدو أن تصاعد الأزمة بين نقابة الصحافيين والشرطة المصرية، بعد اقتحام الأخيرة للنقابة، بغية اعتقال الصحافييْن عمرو بدر، رئيس تحرير موقع «بوابة يناير»، ومحمود السقا، الصحافي بالموقع؛ تُمثل القشة التي قسمت ظهر البعير؛ إذ تأتي تلك الواقعة في ظل تدهور في حرية الصحافة والتعبير بمصر، تظهره المؤشرات الصحافية الدولية والمحلية.

وفي 20 أبريل (نيسان) الماضي، أصدرت مُنظمة «مراسلون بلا حدود» تصنيفها العالمي لمؤشر حرية الصحافة لعام 2016. واعتمد التصنيف على عدة معايير، من أبرزها: تعددية الإعلام، وتنوعه، ومدى تمثيله للمجتمع، واستقلالية الإعلام، ومدى ابتعاده عن التأثير، سواء كان مصدر التأثير الحكومة، أو المال وخلافه، وكذا بيئة العمل الإعلامي، والرقابة الذاتية، والإطار القانوني للأنشطة الإعلامية والمعلوماتية، وقياس الشفافية في المؤسسات، والإجراءات التي تؤثر في إنتاج الأخبار والمعلومات، و جودة البنية التحتية التي تدعم إنتاج الأخبار والمعلومات، و الانتهاكات والعنف ضد الصحافيين.

وحلّت مصر في مرتبة متأخرة عالميًا وعربيًا، بوقوعها في المركز 159 من بين 180 دولة وردت في التصنيف، بحصولها على 54.45 نقطة من أصل 100، وكلما زادت النقاط كلما كان ذلك مؤشرًا سلبيًّا على حرية الصحافة في الدولة. كما وقعت مصر في المركز رقم 14 من بين 22 دولة عربية، شملتها الدراسة، وتفوقت مصر على عدد من الدول العربية التي تشهد صراعات مسلحة مثل ليبيا واليمن وسوريا، فيما تفوقت العراق على مصر بمرتبة واحدة، بوقوعها في المركز رقم 158 عالميًا.

ووضعت مصر، في مُؤشر حرية الصحافة، تحت فئة «صعب»، لتفصلها مراكز قليلة عن فئة «وضع خطيرٍ جدًا»، من بين خمس فئات، هم بالترتيب: «وضع جيد»، و«وضع جيد إلى حد ما»، و«وضع حساس»، و«وضع صعب»، و«وضع خطير جدًا».

وأفردت منظمة «مراسلون بلا حدود»، تقريرًا خاصًا عن مصر، قالت فيه إن «الصحافيين في مصر، يعملون في بيئة تتسم بالعداء المتزايد لمنتقدي النظام»، مُضيفةً أن الصحافة في مصر، باتت تخضع لما وصفته بـ«نظامٍ استبدادي يحكمها بيدٍ من حديد»، ومُشيرةً إلى أن انتقاد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، أصبح مصدرًا لإزعاج الصحافيين، وسببًا في طرهم من العمل، أو لاعتقالهم.

وأشارت المنظمة إلى التراجع التدريجي في حرية الصحافة، منذ نهاية عصر الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، عندما كانت مصر تحتل المرتبة 127 (من أصل 173 دولة)، مُتقهقرةً في عهد الرئيس المعزول محمد مُرسي، خلال عامي 2012 و2013، إلى المركز 158 (من أصل 178 دولة). ولفتت إلى أن نحو 20 إعلاميًا وصحافيًا، لا زالوا في المعتقلات المصرية حتى الآن، تحت ما وصفته بـ«الذرائع الزائفة»، ناقلةً عن ذوي الصحافيين، تأكيداتهم عن تعرض ذويهم الصحافيين المعتقلين، للتعذيب.

اقرأ أيضًا: مؤشر حرية الصحافة: فنلندا الأولى عالميًا وموريتانيا الأولى عربيًا.. ومصر في انحدار

صاحبة المركز الثاني في اعتقال الصحافيين

في 15 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أصدرت لجنة حماية الصحافيين، مؤشرها لوضع الصحافة في العالم لعام 2015، والذي يُركّز بشكل أساسي على عدد الصحافيين المحبوسين في العالم. وفي عام 2015 بلغ عدد الصحافيين المحبوسين حول العالم 199 صحافيًا، ورغم انخفاض تلك الحصيلة عن عام 2014، الذي شهد حبس 221 صحافيًا حول العالم، إلا أنها ارتفعت في مصر، لتحتل المركز الثاني عالميًا، باعتقالها 23 صحافيًا.

 

وأفاد تقرير للجنة، جاء تحت عنوان «الصين ومصر تسجنان أعدادًا قياسية من الصحافيين»، بأن مصر شهدت التدهور «الأشد سرعة» في حرية الإعلام، بعدد صحافيين سجناء بلغ 23 صحافيًا في 2015، مُقارنة بـ12 صحافيًا عام 2014، في الوقت الذي لم يُسجن فيه أي صحافي في مصر خلال عام 2012، بحسب اللجنة، التي لفتت إلى أن السيسي يواصل استخدام حجة الأمن القومي، بغية قمع المعارضة. وأفردت اللجنة تقريرًا خاصًا يحوي معلومات مُفصلة عن كل صحافي سجين في مصر.

فريدم هاوس: مصر دولة «غير حرة»

أصدرت منظمة فريدوم هاوس الأمريكية، تصنيفها العالمي للحرية عمومًا وحرية الإعلام خصوصًا، لعام 2016. ويعتمد تصنيف حرية الدولة على عدة معايير، من أبرزها: البيئة السياسية، والاقتصادية، والقانونية، وحرية الإعلام. ويضع التصنيف دول العالم محل الدراسة، تحت ثلاثة تصنيفات للحرية وهي: «حرة»، أو «حرة جزئيًّا»، أو «غير حرة»، كما يضع التصنيف عددًا من النقاط من 100، وكلما قلت النقاط دلّ ذلك على تدهور وضع «الحرية» في الدولة محل الدراسة، والعكس صحيح بالنسبة لوضع «حرية الإعلام».

 

وبالنسبة لمصر، فإن وضعي الحرية وحرية الإعلام، وضعا تحت تصنيف «غير حر»، بحصول مصر على 27 نقطة من 100، في وضع «الحرية»، مما يدل على تدهوره، فيما حصلت على 77 نقطة من 100، في وضع «حرية الإعلام»، مما يدل أيضًا على تدهوره.

وقالت المنظمة في تقريرها الذي أفردته عن مصر، إن «جهود السيسي لإسكات المُعارضة، وغلق وسائل الإعلام التابعة لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة حاليًا في مصر، خلّفت بيئة إعلامية تدعم فيها وسائل الإعلام الخاصة والحكومية النظام المصري بقوة»، مُضيفةً أنه في عام 2015، واصلت السلطات المصرية، استخدام وسائل متنوعة ضد الصحافيين ووسائل الإعلام التي انحرفت عن «الرواية الرسمية»، بما في ذلك الملاحقة القانونية، وأوامر الإسكات وتكميم الأفواه، ومُشيرةً إلى تعرض عشرات الصحافيين إلى الاعتداءات البدنية، خلال العام الماضي، من قِبل رجال الأمن والمدنيين على حد سواء.

منظمة العفو الدولية

في فبراير (شباط) الماضي، أصدرت منظمة العفو الدولية، تقريرها السنوي لعام 2015- 2016، الذي أفردت مساحة فيه لمصر، قالت فيها، إن السلطات فرضت «بشكل تعسفي، قيودًا على حرية التعبير، وسنّت قانونًا قمعيًا جديدًا لمكافحة الإرهاب، وقبضت على عدد من منتقدي الحكومة، وزعماء ونشطاء المعارضة السياسية، وزجت بهم في السجون، كما أن بعضهم تعرض للاختفاء القسري».

ولفتت المنظمة إلى قانون «مكافحة الإرهاب»، الذي يقضي بفرض غرامات باهظة على الصحافيين، الذين ينشرون أو يذيعون أو يعرضون أخبارًا عن أحداث عُنف مسلحة، بما يُخالف البيانات الرسمية للحكومة والقوات المسلحة، مُشيرةً إلى تقديم عددٍ من الصحافيين، الذين يعملون جهات إعلامية تنتقد السلطة، إلى المحاكمة، بتهمة «نشر أخبار وإشاعات كاذبة»، أو غيرها من التهم الجنائية، التي وصفتها المنظمة بأنها «ذات دوافع سياسية».

وتحدثت المنظمة عن تعرض أحد الصحافيين لحكم بالإعدام، فيما تعرض البعض إلى أحكام بالسجن لمدد طويلة، بينهم 14 صحافيًا، حُكم عليهم بالحبس المُؤبد (25 عامًا)، وذلك في 11 أبريل (نيسان) 2015، فضلًا عن تعرض آخرين للمحاكمة بتهم مثل «ازدراء الأديان»، أو «خدش الحياء العام».

لجنة الحريات بنقابة الصحافيين: انتهاكات غير مسبوقة

بعيدًا عن تقارير المنظمات الدولية، جاءت التقارير الحقوقية المصرية المحلية، لتُظهر كمًّا أكبر من الانتهاكات التي يتعرض لها الصحافيون في مصر. ومن أبرز تلك التقارير، كان تقرير لجنة الحريات بنقابة الصحافيين المصريين، الذي أصدرته اللجنة، في فبراير (شباط) الماضي، تحت عنوان «صحافيون تحت مقصلة الحبس والاعتداءات».

وقالت اللجنة في تقريرها، إن الصحافيين في مصر يتعرضون لـ«انتهاكات مروعة وغير مسبوقة، تنفذها السلطات المصرية، بشكل رئيسي، إضافةً إلى انتهاكات بعض المواطنين وفلول الإرهاب»، واصفة العمل الصحافي في مصر، بـ«المهنة الخطيرة»، التي ساء وضعها عما كانت في عهد حُسني مُبارك.

ووثّقت اللجنة أكثر من 782 حالة انتهاك، تعرض لها الصحافيون خلال عام 2015، بمعدل حوالي 2.1 انتهاك يومي، تنوعت بين الحبس الاحتياطي والحكم بالحبس والاعتداءات البدنية. وحسب اللجنة فإن وزارة الداخلية والجهات الأمنية، تصدرت ترتيب الجهات التي انتهكت حقوق الصحافيين، بعدد 352 انتهاكًا، وبنسبة تتعدى 45%، لتليها الجهات الحكومية والمسؤولين ب140 انتهاكًا. وبعد ذلك يأتي الأفراد الذين يرتدون زيًا مدنيًا، ثم شركات الأمن الخاصة، وصولًا في النهاية إلى ما وصفتهم اللجنة بـ«الجماعات الإرهابية».

 

ولفتت اللجنة كذلك، إلى إصدار النيابة العامة والقضاء المصري لـ14 قرارًا بحظر النشر خلال عام 2015، وبدايات عام 2016. وفي تعقيب منه لـ«ساسة بوست»، يقول الباحث والصحافي المصري، مصطفى عبده، إن مصر «باتت معروفة بقرارات حظر النشر، والتي كان آخرها في قضية اقتحام نقابة الصحافيين».

اقرأ أيضًا: أين يقع ترتيب مصر في أبرز المؤشرات العالمية في الوقت الراهن؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد