كان قيام ثورة يوليو 1952 إيذانًا بتوتر شديد في العلاقة بين السلطة والصحافة والصحفيين، فنجد أن ثالث أيام الثورة قد تم القبض على الأخوين علي ومصطفى أمين مؤسسي أخبار اليوم بتهمة التخابر، وإيداعهما في السجن ثم الإفراج عنهما بعدها بأيام، ونجد أن محكمة الثورة التي تشكلت عام 1954 قد أصدرت أحكام سجن وإعدام بحق أربعة من الصحفيين على خلفية اتهامات تتعلق بالتجسس أو الفساد المالي، وهي الأحكام التي على أثرها وقفت صحيفة “المصري” عن الصدور.

ولذلك فإن علاقة الثورة بالصحافة قد تبدو عدوانية ومتوترة، إلا أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر رأى أنها ذراع مهم لتوطيد حكمه وإقناع الجماهير بقراراته، لذلك وجدنا اسمه مقترنًا باسم الصحفي محمد حسنين هيكل في أغلب كتابات من تحدثوا عنه.

1- علاقة عبد الناصر وهيكل

بدأ هيكل مشواره مع الصحافة في بداية الأربعينات من القرن الماضي، وقد كان أقرب الصحفيين إلى الرئيس جمال عبد الناصر، فيذكر في أحد حواراته أن بداية معرفته بالرئيس كانت عام 1948 أثناء حرب فلسطين، حينما أصر هيكل على السفر إلى فلسطين لتغطية أخبار الحرب، وكان الصحفي المصري الوحيد الذي استطاع السفر إلى هناك بطريقته الخاصة، وليقابل عبد الناصر باعتباره أحد أبطال تلك الحرب.

فكان أول كتاب أصدره عبد الناصر عام 1953 بعنوان “فلسفة الثورة” تحرير هيكل، وليظل بعدها ملازمًا للرئيس في جولاته الخارجية ومتواجدًا معه في مكتبه بصورة شبه دائمة، لذلك يعتبر المؤرخون “هيكل” أهم الشاهدين على عصر عبد الناصر وقراراته، حتى إن الكاتب فؤاد مطر أجرى حوارات مدتها 20 ساعة كاملة مع هيكل بعد وفاة الرئيس عبد الناصر، ليسأله عن كل تفاصيل ذلك العصر.

ويمكن القول إن تولي هيكل لرئاسة تحرير جريدة الأهرام عام 1957 هي بداية تحول الأهرام إلى جريدة تنطق باسم السلطة، حتى إن فؤاد مطر في كتابه لم يعتبرها مجرد جريدة وإنما اعتبرها بمثابة حزب يرأسه عبد الناصر، وليضمن هيكل بهذه العلاقة عدم اعتقاله في فترة الستينيات التي طال السجن فيها كل المثقفين والصحفيين على السواء، ومنهم الصحفي مصطفى أمين الذي زج به في السجن على خلفية قضية للتخابر مع أمريكا، وهو الذي كان مكلفًا من عبد الناصر شخصيًّا للتفاوض مع أمريكا لاستئناف المعونة لمصر، حتى إن مصطفى أمين يقول في كتابه سنة أولى سجن إن هيكل لا يزوره في سجن الاستئناف إلا بأمر رئاسي، كما شهدت هذه الحقبة طرد أنيس منصور من صحيفة أخبار اليوم، ووقف الصحفي موسى صبري عن العمل، وسجن إحسان عبد القدوس في السجن الحربي لمدة 40 يومًا على خلفية تهمة ملفقة.

وليصبح هيكل وزيرًا للإعلام عام 1970. وتظهر الصداقة التي تربط هيكل بعبد الناصر جلية في صياغته لخطاب التنحي الذي ألقاه عبد الناصر على الشعب بعد حلول نكسة عام 1967، وهو الخطاب الذي تمكن فيه الرئيس المهزوم ذو عار النكسة من جعل موقف المصريين موقفًا عاطفيًّا يتمسك فيه المصريون برئيسهم الذي لم يستطع دفع عار النكسة والهزيمة عنهم. فكان هيكل أحد الحاضرين البارزين في المطبخ السياسي بعد النكسة، وهو الذي رشح زكريا محي الدين لقيادة البلاد بعد قرار عبد الناصر بالتنحي، وهو الموضع الذي خالف فيه عبد الناصر شريكه في السلطة المشير عبد الحكيم عامر الذي كان قد رشح له شمس بدران وزير الحربية ليكون خلفًا له في الرئاسة.

وقد ظل هيكل قريبًا من الرئاسة في عهد السادات فكتب العديد من الخطابات التي ألقاها السادات أمام البرلمان، لكن سرعان ما اختلفا، فنشر السادات قرارًا في الصحف يوم 2 فبراير 1974 بأن يُنقل هيكل من رئاسة تحرير الأهرام إلى قصر عابدين كمستشار لرئيس الجمهورية، وهو ما رفضه هيكل وجعله يقول عبارته الشهيرة التي تصدرت عناوين الصحف حينها: “إن الرئيس يملك أن يقرر إخراجي من الأهرام، وأما أين أذهب بعد ذلك فقراري وحدي. وقراري هو أن أتفرغ لكتابة كتبي.. وفقط”.

ويذكر أن هيكل قبض عليه وسجن مرة واحدة وذلك في سبتمبر عام 1981 أثناء حملة الاعتقالات الشهيرة التي شنها السادات على رموز كل التيارات من اليمين واليسار والوسط، ليفرج عنه مبارك فور توليه السلطة، حيث بعد خروجه مباشرة من المعتقل كتب كتابه “خريف الغضب” الذي ذكر فيه مساوئ حكم السادات واستغرق في الهجوم عليه وعلى شخصه.

ومؤخرًا عاد هيكل ليكون قريبًا من الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي؛ حيث هو من كتب وصاغ خطاب الترشح للرئاسة الذي ألقاه السيسي على الشعب المصري، والذي يوضح فيه الأسباب التي تجعله يخلع الزي العسكري ليصبح رئيسًا للدولة.

 

2- صحفيو عهد السادات

  • أنيس منصور

دائمًا ما يقترن اسم أنيس منصور بالتطبيع مع الدولة الإسرائيلية وتأييد معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني، وهي الخطوة التي أقدم عليها الرئيس السادات عام 1978 بعد توقيعه معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل، حيث كان أنيس منصور هو الصحفي الأقرب إلى السادات بداية من عام 1975، حتى إنه قد رافق السادات في زيارته للقدس.

يقول أنيس منصور في إحدى حواراته الصحفية في أكتوبر 2011، إنه كان موفد الرئيس السادات إلى زعماء إسرائيل لأن الرئيس كان يريد أن تصل رسائله إلى الجانب الإسرائيلي – قبل معاهدة السلام- دون تشويش وبعيدًا عن الدبلوماسيين والمخابرات، لذلك كان أنيس منصور – الذي تعلم اللغة العبرية على كبر- هو الاختيار الأول للسادات للقيام بسلسلة من الرحلات إلى إسرائيل لمحادثة قادتها.

ويصف أنيس منصور علاقته بالرئيس السادات بأنها كانت تمثل الثنائي الذي نراه عبر كل العصور بين المؤسسة الحاكمة وأحد رواد الفكر، وأنه كان هو ذلك المفكر الذي يستعين به صاحب السلطة ليستنير بعلمه وفلسفته ليصنع القرار.

ألف أنيس منصور العديد من الكتب التي تحكي عن علاقته بالرئيس السادات أشهرها كتابه “أوراق السادات”، وعمل في أواخر حياته على مذكراته عن حرب 1973 والكثير من أسرارها، بالإضافة إلى مذكراته السياسية التي كتبها قبل وفاته بـ20 عامًا بعنوان “مشواري السري”، لكن الرئيس مبارك رفض نشرها لخطورتها على الأمن القومي، بالإضافة إلى ذكره لمحات عن شخصية السادات وأجواء اتخاذه للقرارات الحاسمة خلال مقاله في الأهرام الذي ظل يكتبه طوال 50 عامًا تحت عنوان “مواقف”، بالإضافة إلى عموده اليومي في جريدة الشرق الأوسط.

ويذكر أن الموضع الوحيد الذي هاجم فيه أنيس منصور محمد حسنين هيكل هو بعد إصدار الأخير لكتابه “خريف الغضب”، خاصة وأنه كان يعيب في أصل الرئيس السادات ولونه، رغم أن هيكل كان أحد الشهود على وثيقة زواج أنيس منصور، وهو من خطب له زوجته السيدة رجاء منصور.

  • موسى صبري

بدأت علاقة موسى صبري تتوطد بالرئيس السادات قبل أن يصبح الأخير رئيسًا، حيث في ستينيات القرن الماضي وعندما منع موسى صبري من الكتابة بأمر من عبد الناصر عقابًا له على ما كتبه في تحقيقه عن محاكمة عباس رضوان وقضية المشير عبد الحكيم عامر، كان للسادات دور في عودة موسى صبري للصحافة بعدما توسط بينه وبين الرئيس عبد الناصر، وجعل عودته رئيسًا لتحرير صحيفة أخبار اليوم في ظل سجن مؤسسها مصطفى أمين، وسفر علي أمين المؤسس الآخر لأخبار اليوم إلى لندن.

وبعد تولي الرئيس السادات البلاد كان موسى صبري ثاني أقرب الصحفيين له بعد أنيس منصور، حتى إن خطاب الرئيس السادات الشهير أمام الكنيست الإسرائيلي كان من صياغة موسى صبري، وكان صبري هو المسؤول عن كل ما ينشر عن أخبار الرئيس في الصحف، فكان ينشر تحت اسمه على الأغلب، وقد بلغت عدد مقالاته عن الرئيس السادات في الصحف وخاصة أخبار اليوم التي كان يرأس تحريرها منذ عام 1975 أكثر من 980 مقالًا في الفترة من 1970 حتى 1981، وقد أصدر موسى صبري أكثر من كتاب يتحدث عن علاقته بالسادات منها “وثائق حرب أكتوبر” و”السادات الحقيقة والأسطورة”.

ويذكر أن علاقة موسى صبري الوطيدة مع الرئيس السادات جعلت الكنيسة المصرية تغضب عليه وتعتبره ليس ابنًا لها، حتى إن البابا شنودة الثالث قال عنه إنه “رجل السادات”، واعتبره خائنًا للكنيسة نظرًا لما كتبه عن تحديد السادات لإقامة البابا شنودة والعديد من قيادات ورموز الكنائس المصرية عام 1981، لدرجة أن البابا شنودة رفض الصلاة على جثمانه حينما مات في مطلع عام 1992.

  • أحمد بهاء الدين

بدأت علاقة أحمد بهاء الدين بالرئيس السادات قبل أن يتولى رئاسة البلاد، فكان بهاء الدين عضوًا في أكثر من وفد مصري شكله عبد الناصر لمناسبات دولية وإقليمية مختلفة، وكانت تلك الوفود على الأغلب برئاسة السادات، لتظل علاقتهما وطيدة حتى إن السادات – في فترة رئاسته – كان يطلب أحمد بهاء الدين ليأتيه في منزله أو مكتبه ليستمع إلى آرائه بشأن القضايا المختلفة، لكن العلاقة توترت بعد أحداث 15 مايو عام 1971 وبعد قرارات السادات بسجن كل من تورط في الانقلاب عليه من الوزراء، ليأمر بنقل أحمد بهاء الدين من عمله كرئيس لدار الهلال ليعمل في روز اليوسف، ولكن بهاء الدين رفض ذلك القرار وبعث إلى السادات رسالة مكتوبة جاء فيها “لا أتحرك كقطعة شطرنج من مكان لمكان وبلا رغبة”، وبعدها توسط هيكل بينهما حتى خلص إلى عودة بهاء الدين ككاتب في جريدة الأهرام.

ويذكر أن بهاء الدين له كتاب عن علاقته بالرئيس السادات بعنوان “محاوراتي مع السادات”، وهو الذي ذكر فيه السادات صراحة “أنا وعبد الناصر آخر الفراعنة”، حينما سأله بهاء الدين عن الدستور الذي يعطي للرئيس سلطات هائلة، فقال له السادات:

السلطات اللي بتقول عليها دي أنا حاططها للي حييجوا بعدنا، حييجي رؤساء عاديين محمد وعلي وعمر حيحتاجوا النصوص دي عشان يمشوا شغلهم.

 

3- صحفيو عهد مبارك

لا يمكن القول إن الرئيس الأسبق حسني مبارك اتخذ من صحفيين بعينهم أصدقاء له، وقربّهم منه كما فعل عبد الناصر والسادات من قبله، لكن علاقة مبارك بالصحافة خلال 30 عامًا من حكمه اتسمت بالشد والجذب، فأصدر قوانين لتشديد العقوبة الجنائية على الصحفيين في جرائم النشر، وهو ما جعله عدوًا للصحفيين، كما أغلق منابر صحفية بأمر منه لأنها تحارب وجوده في السلطة. ولكن بشكل عام فإن هناك صحفيين ارتبط اسمهم بعلاقتهم الوطيدة بمبارك ونظامه، علاقات تصل حد الرشوة للإبقاء على الوظيفة في مكاتب إدارات الصحف، من تلك الأسماء إبراهيم نافع وإبراهيم سعدة وسمير رجب وأسامة سرايا، بالإضافة إلى الصحفي وعضو نقابة الصحفيين لفترة طويلة مكرم محمد أحمد الذي كان مقربًا من مبارك، ويكتب له معظم خطاباته.

  • إبراهيم نافع

تولى إبراهيم نافع رئاسة تحرير ومجلس إدارة الأهرام منذ عام 1984، وهو أول من بدأ يواظب على إعطاء الهدايا لمبارك وأسرته ورموز الحزب الوطني ليبقي على وظيفته في إدارة مؤسسة الأهرام، ولينجح كنقيب للصحفيين 6 دورات منها ثلاث دورات متتالية، ليظل على عرش مؤسسة الأهرام حتى عام 2005 حينما تمت إقالته من منصبه بعد هجوم شنه الصحفيون عليه أكثر من مرة، وبعدها قضى أكثر من 4 أعوام على ذمة التحقيقات القضائية على خلفية تربحه من منصبه وثروته التي وصلت بحسب ما كان ينشر آنذاك إلى مليار ونصف المليار جنيه، ليخرج من تلك القضايا جميعها بأحكام براءة.

يذكر نافع في أحد الحوارات الصحفية معه بعد ثورة يناير أن علاقته بالرئيس الأسبق مبارك كانت وطيدة، حتى حدثه مبارك هاتفيًّا عام 2004 يشكو له ضيقه من حديث الصحافة عن توريث الحكم لجمال مبارك، وطلب – مبارك- منه إعداد مذكرة يعرض فيه استحالة توريث الحكم في مصر بناءً على ما جاء في نصوص الدستور والقانون، ولكنه يؤكد أن تلك المذكرة لم تنشر في الصحافة، ومنذ ذلك الحين لم يحدث وأن تواصل مع الرئيس شخصيًّا بسبب إبعاده من قبل كل من جمال مبارك وصفوت الشريف عن التواصل الشخصي مع الرئيس الأسبق مبارك.

كما صرح في حوارات صحفية أخرى أنه كان ينقل إلى الصحفيين ورؤساء الصحف انطباع الرئيس الأسبق عن أحوال الصحافة وما تنشره عنه وعن أسرته، خاصة وأن الرئيس كان كثيرًا ما يتحدث إليه هاتفيًّا ليناقش معه الأوضاع في البلاد، وبعد تنحي مبارك كتب إبراهيم نافع في عموده الصحفي يشكر فيه مبارك على الوقت الذي قضاه في خدمة مصر ويودعه!

  • مكرم محمد أحمد

شغل مكرم محمد أحمد منصب رئيس تحرير الأهرام، وتولى منصب نقيب الصحفيين لخمس دورات وأخرها كان عام 2007، وهو أحد الصحفيين الذين اقتربوا كثيرًا من الرئيس الأسبق حسني مبارك، وظل يدافع عنه وعن سياساته، وظل يكتب مكرم خطابات مبارك التي كان يلقيها في المناسبات المختلفة وما يلقيه حتى عام 2001 تقريبًا، وتوقف حينها مكرم عن كتابة تلك الخطابات ليحتفظ بمسافة بينه وبين الرئيس لحساب كتاباته النقدية للنظام – بحسب تعبيره-.

راجت شائعات حول كتابة مكرم محمد أحمد لخطاب مبارك العاطفي الذي ألقاه على الشعب في 1 فبراير 2011، ولكن مكرم نفى تلك الشائعة في حوار أجراه بعد ثورة يناير، ولكنه أشاد بالحرفية العالية لكاتب الخطاب، وأكد أنه يجب تدريس ذلك الخطاب لطلبة الإعلام وتعميمه على السياسيين!

ويذكر أن كاتب الخطابات الثلاثة الأخيرة لمبارك غير معروف حتى الآن، ولكن الكاتب والإعلامي عبد اللطيف المناوي ذكر أنه والكاتب الصحفي أحمد المسلماني كتبا خطابًا بغرض أن يلقيه الرئيس الأسبق مبارك، ويتضمن تنحيه ومنع جمال من المشاركة في الحياة السياسية ومحاكمة المتسببين في قتل الثوار محاكمة ثورية، ولكن هذا الخطاب لم يرسل إلى المشير طنطاوي، وبالطبع لم يلقِه مبارك.

4- صحفيو السيسي

لم يمضِ على حكم السيسي وقت يسمح بأن نصف شخص كونه “صحفي قصر رئاسته”، كذلك فإنه لا يوجد أي جريدة معارضة مطبوعة حاليًا تصدر تجعلنا نستطيع تصغير دائرة الصحفيين الساعين لأن يكونوا بوق السلطة، إلا أن قوس الصحفيين والإعلاميين الذين قد اشتهروا كجزء من نظام السيسي يمكنه أنه يشمل (إبراهيم عيسى، مصطفى بكري، عمرو أديب، هالة سرحان، أحمد موسى، توفيق عكاشة، لميس الحديدي، أحمد شوبير، مجدي الجلاد، خيري رمضان، تامر أمين، سيد على، محمد فتحي، محمد الكردوسي…).

المصادر

تحميل المزيد