ما زلت أتذكر ذلك اليوم، عندما زرت مراكش في سنة 2007، إنها أول زيارة لي إلى المدينة، كما أنها أول مرة أسافر فيها خارج منطقتي تافيلالت، وأنا بعمر السادسة عشرة.

التقيت والدي وهو ينتظرني عند مدخل ورش بناء صاخب، يلبس خوذة صفراء على رأسه، ويرتدي بذلة عُمَّالية زرقاء، مع لمحة اغتراب وحزن عميقين خلف ابتسامته العطوفة، بدا لي غريبًا شيئًا ما بهذا المظهر الذي لم أعتده عليه. أمسك بيدي واصطحبني إلى داخل الورش، وسلكنا ساحته وسط حشود متفرقة من العمال. نصف عمارات تنتصب على جنبات الساحة، وأكوام من الحجر والإسمنت والحديد تغطي جوانبها، بينما هدير آلات عملاقة من كل نوع يصدح في أجواء المكان، ومسبات غليظة تتطاير من هنا وهناك.

وصلنا إلى حي صفيحي بداخل ورش البناء، حيث يقطن العمال، ودخلناه متوجهين إلى سكن أبي، عبر ممر ضيق يفصل المربعات السكنية الصفيحية، وضوء خافت بالكاد يضيء الطريق. تنبعث من المكان روائح كثيرة ومتداخلة، لكنها غير محببة، وموسيقى شعبية صاخبة تأتي من بعض المساكن، والفوضى تعم الحي الصفيحي.

وصلنا المسكن وفتح أبي الباب ودخلنا المكان، إنه ليس مسكنًا حقيقة وإنما مجرد غرفة صفيحية على ثلاثة أمتار مربعة، تتوسط الغرفة شبه مائدة تحمل فوقها بضع أواني بالية، فيما ملابس غير مرتبة تتعلق بمشبك بالباب. على الجانب الأيمن يمتد سرير خشبي، وبقربه مروحة سخيفة تحاول عبثًا تبديد حرارة الغرفة القصديرية.

جلست على أريكة مهترئة في الزاوية، وأنا أطوف الغرفة بنظري متأملًا البؤس من حولي. ثم قدم لي أبي بعض الزيت والشاي، وطلب مني المكوث في المكان ريثما ينتهي من العمل.

لم أحس يومًا بالوحدة والاغتراب مثل تلك اللحظة، شعرت وكأن أنفاسي تختنق داخل علبة الصفيح تلك، مفكرًا مع نفسي: لماذا ترك أبي دفء المنزل وحقولنا الفسيحة في القرية، وسافر آلاف الكيلومترات ليعيش في هذا المكان الضيق البائس، مغتربًا عن عائلته وأطفاله لشهور مديدة؟ وكيف تحول أبي بين ليلة وضحاها من فلاح يعتني بالنخل ويحرث الحقل، إلى عامل بناء يحمل على أكتافه الحديد والإسمنت؟ وأين اختفت طلته البهية؟

الطريق إلى تافيلالت

في يوم 1 أغسطس (آب) 2021، ركبت التاكسي متوجهًا إلى تافيلالت بالجنوب الشرقي للمغرب، لأستكشف كيف قاد «التغير المناخي» (الاحترار العالمي) هناك إلى هجرات قروية جماعية في المنطقة، بصفتي صحافيًّا بيئيًّا، القصة بالنسبة لي أكبر من ذلك، فمنذ أن هاجرت عائلتي بشكل كلي من القرية قبل 10 سنوات لا أزور مسقط رأسي إلا لمامًا.

لم يمض وقت طويل حتى بدأت تظهر بعض واحات النخيل على جنبات الطريق، القريبة من مدينة الرشيدية، من هذه النقطة يبدأ امتداد واحات تافيلالت على طول 100 كيلومتر من الطريق جنوبًا إلى بلدة الريصاني وما وراءها. تأوي المنطقة قرابة مليون ونصف نسمة، يقيمون على مساحة تقدر بـ115 كيلومترًا مربعًا، معظمهم يستقر في القصبات أو «القصور» كما يُسمونها، وهي قرى شبيهة بقلاع ترابية، يسيجها سور بداخله بيوت متلاصقة بسيطة من الطين الجاف، وبسبب معمارها القديم والمثير للإعجاب، أُدرج بعضها، مثل قصبة آيت بن حدو، ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي.

على الرغم من أن هذه الواحات القروية جافة وشديدة الحرارة، فإن سكانها ظلوا يمتهنون النشاط الفلاحي في عيشهم، مستفيدين من نهر وادي زيز الذي يخترق المنطقة، ومن مياه الآبار لسقي محاصيلهم، وعلى ما يجود به سد الحسن الداخل بالرشيدية، محولين الصحاري الجرداء إلى واحات خضراء بالنخيل والزرع، ومعلنين بذلك انتصار الحياة على الموت.

وفقًا لتقرير خبراء الأمم المتحدة «COP22» لعام 2016، فإن هذا الكنز الطبيعي والثقافي «مهدد بالزوال نتيجة لتغيرات المناخ»، بعدما زحف التصحر على الواحات واشتد الجفاف، وأتت الحرائق على العديد منها؛ مما دفع الكثير من سكانها إلى الهجرة جماعة نحو المناطق الحضرية القريبة والبعيدة.

واحة «سافلة تافيلالت» حيث أتجه، هي واحدة من هذه الواحات الجميلة المهددة بالاندثار، تقع بمحاذاة مدينة الريصاني في الجنوب الشرقي للمغرب، وتأوي عشرات من القصبات، التي كان سكانها يعتمدون على حياة معيشية بسيطة، قوامها الزرع والنخل، قبل أن يلوذ كثير منهم إلى الهجرة.

Embed from Getty Images

بعد بضع ساعات، وصلت بلدة الريصاني، بعمق تافيلالت، لكن قبل الوصول إلى المحطة، تتراءى لي بقايا أطلال ترابية بجانب الطريق، إنها لمدينة سجلماسة التاريخية، التي كانت ذات يوم واحة عظيمة ومزدهرة لما يقرب من 650 عامًا، بعد إنشائها عام 757م، اعتبرها الجغرافيون والمؤرخون من بين أغنى المناطق في أفريقيا خلال تلك الفترة، حين كانت تنظم قوافل الذهب والبهارات الثمينة عبر أفريقيا جنوب الصحراء، قبل أن تصبح كومة خراب.

نزلت من السيارة، وإذا بأشعة الشمس تلفح الوجوه، فأسرعت خطاي لملاقاة إبراهيم بالمقهى. إبراهيم من قصبة «زاوية ملايخاف»، هجر مع عائلته المنطقة منذ 2008، كانت عائلته آخر المهاجرين من قريته، لتصبح قريته خاوية تمامًا.

القرية المهجورة

تبادلنا التحية وشربنا بعض كؤوس الشاي، وأنا أسترجع مع إبراهيم ذكريات الطفولة بهذه المنطقة وكيف أنها لم تتغير شيئًا، وكأن الزمن يتوقف بها. ثم ركبنا سيارة أجرة متوجهين إلى مسقط رأسه، مارين بضريح مولاي علي الشريف، ومعماره الجميل الذي يسر الناظر، مذكرًا إيانًا بأن هذا المكان كان مهدًا للدولة العلوية المستمرة إلى اليوم، وبعد ربع ساعة تقريبًا وصلنا بسرعة قرية «زاوية ملايخاف» الواقعة في واحة سافلة تافيلالت.

كان الوقت عشاء، والقرية تغرق في ظُلمة حالكة، فيما تبرز من بعيد وهج أضواء القرى المجاورة. أخذ إبراهيم هاتفه وفتح الإضاءة لينير قليلًا ممشى الطريق. وصلنا إلى منزله القديم بمقدمة القرية، وأشار لي بيده، مسلطًا ضوء هاتفه على بناء صغير بمدخل البيت. «أتعرف ما هذا؟» سألني إبراهيم، فأجبت «ما ذلك؟»، فقال بنبرة فيها حنين إلى الماضي: «إنه حوض مياه، كنت أربي فيه الأسماك، وأعتني بأعشاش النحل على الجانب هناك».

دخلنا باحة المنزل القديم، جدران متهدمة وأرضية مغبرة، فلم يعد هناك من يعتني بالبيت، ثم فتح إبراهيم إحدى الغرف، كانت الحرارة داخلها لا تطاق، فحمل حصيرة وبعض الملاءات المخزنة لمثل هذه الزيارات الخاطفة، وصعدنا سلمًا ذا أدراج متكسرة إلى السطح.

وبينما يفترش إبراهيم الملاءات على الحصيرة تدحرج عقرب صغير إلى الأرض، قال إبراهيم: «احذر، فالمكان مليئ بالحشرات بعدما هجرناه»، ثم ألصقه الأرض بأسفل حذائه ورمى جثته على حافة السطح، وأكمل ترتيبه للملاءات وكأن شيئًا لم يكن، قلت له مازحًا: «هل سننام هنا، لا بد أن للعقرب الصغير أمًّا!».

استلقيت على ظهري ورفعت نظري إلى الأعلى منبهرًا بمشهد السماء، وهي مرصعة بالنجوم المكتظة والمضيئة، مع معالم سديم مجرة ما متوهج. لم أر السماء بهذا الصفاء من قبل في أي مكان زرته، فتساءلت مع نفسي كيف يمكن للمرء أن يترك كل هذا الهدوء والجمال ويغادر إلى صخب المدينة. ذكرني المنظر بطفولتي، عندما كان يجافيني النوم وأشغل نفسي برؤية السماء الصافية المزينة بالنجوم، وأنا أستمع لأصوات الذئاب والكلاب من بعيد، غير أن هذه المرة ليس هناك أصوات ذئاب ولا كلاب.

في الصباح، بدأنا جولتنا في القرية المهجورة، أطلال آيلة للسقوط ومنازل متهدمة في كل مكان، ولا حس لإنسان أو حيوان وكأنها قرية أشباح، نسير بين دروبها أو ما تبقى منها نتلمس خطانا بحذر شديد، كما لو أننا نتمشى على البيض، فحيطان البيوت الترابية على وشك السقوط، والأسقف شديدة الهشاشة، لقد أصبحت مكانًا خربًا.

وقفنا أمام عتبة بيت مهترئ منزوع الباب، تبدو جدرانه غير مستقرة ونوافذه مكسورة، وعلى أرضيته قطع من السقف متناثرة، لا بد أنها سقطت بسبب المطر والزمن، فيما لا تزال صباغة حيطانه الخضراء تقاوم الدهر. في باحته المغبرة حصيرة وآنية فخار، توحيان بأن هذا البيت كان يومًا يعج بالحياة ويأوي عائلة ما، يعرف إبراهيم أهلها تمام المعرفة.

تركنا البيت المهجور ومررنا بمنزل آخر قريب منه، إلا أنه يبدو أكثر استقرارًا، على جدرانه ترميمات وأساسات، من الواضح أن أهله المهاجرين لا يريدونه أن يندثر.

ثم تابعنا طريقنا، وبينما نتمشى في أزقة القرية الخاوية استرعاني آثار حفر بعدد من المواقع، سألت إبراهيم: «ما كان ذلك؟»، فأجاب، «إنها من فعل باحثي الكنوز وسارقي الآثار»، وهي ظاهرة شائعة في المغرب تمس عادة الأماكن القديمة؛ مما يعرضها لمزيد من التخريب.

/

قرية زاوية ملايخاف المهجورة بواحة سافلة تافيلالت – خالد بن الشريف

عدنا إلى المنزل القديم لنستريح، ونحن جلوس، والحرارة الشديدة تكاد تخرجنا عن صوابنا، سألت رفيقي: «لماذا هجرتم قريتكم بشكل كلي؟»، خلع طاقيته الشمسية واتكأ على وسادة بالية، وقال: «بدأت الهجرة هنا منذ التسعينيات، في عام 2000 كانت هناك 22 عائلة تعيش في هذه القرية، الآن كما ترى لم يتبق أحد، كانت عائلتي آخر المغادرين، بعدما ضرب الجفاف أراضينا وجفت الأنهار ولم تعد الأرض صالحة للزراعة، وبالتالي انقطعت سبل عيشنا، وفكر الناس بأن ما يفعلونه هنا هو مضيعة للوقت، فجمعوا حقائبهم وغادر واحدًا تلو الآخر إلى أن فرغت تمامًا».

ثم زاد قائلًا: «لم يكن قرار الهجرة سهلًا، وجاء رغمًا عنا، بل إن بعض العائلات في هذه القرية رحلت رغم عدم وجود مستقر لها في وجهتها الجديدة، ولجأت إلى الكراء (الإيجار)، وهذا يبين مدى يأس الناس في المنطقة لدرجة لم يعد هناك حل آخر غير مغادرة المكان اضطرارًا».

في الحقيقة، ليست «زاوية ملايخاف» القرية الوحيدة المهجورة في منطقة سافلة تافيلالت، فهناك أيضًا قصبة «زاوية الرمل» و«تاوغرت»، هما أيضًا باتا خاويتين على آخرهما. فيما شهدت باقي القرى هجرة جماعية بدرجات متفاوتة، العديد منها غادر نصف ساكنتها بالتقدير، وأخرى لم يتبق منها سوى الثلث أو أقل من ذلك مقارنة مع ما كان عليه الوضع السكاني قبل التسعينيات.

لا يقتصر الأمر على سافلة تافيلالت فقط، بل شهدت كامل قصبات واحات تافيلالت، والتي تقارب 300 قرية، هجرة قروية مكثفة خلال العقدين الأخيرين.

الوادي الميت

في عشية اليوم، خرجنا من البيت متوجهين إلى وادي زيز، ونحن نمر بمحيط القرية تظهر نخلات من هنا وهناك، يتدلى من بعضها جريد يابس وكأنها تحتضر. ثم تبدأ فيافي من الأراضي القاحلة خلف القرية، أرض ترابية جرداء بيضاء. يمتد البصر على طول الأرض المنبسطة بعيدًا إلى الأفق، حيث تظهر تقوسات سفوح الجبال البعيدة وزرقة السماء الصافية، فيما قرص الشمس الذهبي يتجه ليغطس وراء الجبال، مثل لوحة فنية من صنع الطبيعة.

أخبرني إبراهيم بأن «معظم هذه المساحات كانت خضراء مليئة بالنخيل وحقول القمح، وكنت ترى الفلاحين يكدون طوال اليوم في حقولهم، والأغنام ترعى في المرعى، والصغار يلعبون». لكن الآن لا أرى أي حقل زراعي في هذه المنطقة، ولا أي مزارع يشتغل في أرضه، رغم أن موسم الحصاد قد حلَّ.

وصلنا إلى نهاية الوادي، بمكان يدعى «البطحاء»، كان جافًا تمامًا. ينتهي الوادي بسد ترابي هائل، وخلفه يظهر معالم نهر، يوحي بأنه كان يمتلئ عن آخره بالمياه إلى أن يفيض على السد الترابي العملاق، فتذهب بقيته نحو الخلاء بعيدًا. إنه واحد من النهرين الرئيسين اللذين يزودان المنطقة بمياه الري، وتعتمد عليه كليًّا سافلة تافيلالت لسقي حقولها الزراعية عبر سلسلة من القنوات المائية.

نزلنا إلى قاع الوادي وبدأنا نتمشى قليلًا في قعره الجاف، مثيرًا لدي ذكريات الطفولة، «أتعلم أني كنت آتي مع أطفال قريتي إلى هذا المكان للسباحة في حر الشمس. هناك في الحافة كنت أقفز رأسًا في المياه، ولا أذكر أني لمست قعره مرة، والآن أنا أسير على أرضه!» قلت لإبراهيم، فرد قائلًا: «نعم، كنت أيضًا آتي إلى هنا، لأصطاد بعض السمك بصنارتي التي كنت أصنعها بنفسي، من هنا كنت أجلب الأسماك إلى حوضي بجانب المنزل».

وبينما نسير في أسفل الوادي، تثير انتباهنا بيوت منتشرة للعناكب، التي لم تجد مكانًا لنسج أعشاشها سوى على أرضية قعر الوادي، مستفيدة من الشقوق المخيفة التي نحتها الجفاف، وكأنها اطمأنت بأن المياه لن تجري في الوادي مجددًا.

/

صور لوادي زيز بمنطقة البطحاء تظهر أثر الجفاف

بالإضافة إلى أهمية هذا الوادي للمنطقة في التزود بمياه الري، فإنه يحمل أيضًا قيمة تاريخية، ففي هذه النقطة تحديدًا بخاتمة الوادي، وقعت «معركة البطحاء» بين القبائل المحلية وجيش المستعمر الفرنسي عام 1918، حين حاول اقتحام منطقة تافيلالت من الخلف.

حول الواقعة، يذكر المؤرخ المغربي المختار السوسي (1900– 1963) في كتابه «المعسول»، أنه عندما سمعت قبائل تافيلالت بقدوم الجيش الفرنسي، خرجوا وواجهوه في «البطحاء»، يقول: «فإذا بالجيش الفرنسي تزعزع حتى تفرق قسمين، قسم مع قائده وقسم آخر تشتت بين السواقي والبساتين»، المثير في الأمر أنه من الصعب حاليًا تصديق أنه كانت هناك سواقي وبساتين في هذه المنطقة الجرداء القاحلة، لكنها لم تكن كذلك إلا بعد حلول الجفاف.

بالرغم من أن المغرب بات يعاني بشكل عام من الجفاف، فإن واحات تافيلالت على وجه الخصوص «تتعرض لشح خطير في الموارد المائية، من جراء التغيرات المناخية والنشاط البشري»، وهي حقيقة تؤكدها دراسة علمية منشورة في مجلة «Water»، قام بها فريق من الباحثين المغاربة.

وإلى جانب ندرة المياه، يذكر الباحثون، أن المنطقة تعاني أيضًا من تملح شديد في طبقتها الجوفية، وهو ما يفسر ملوحة مياه الآبار الموجودة بقرى سافلة تافيلالت.

الهجرة بسبب التغير المناخي

عدنا إلى القرية والليل يكاد يسدل ستاره، وبعد أخذ استراحة على سطح منزل أسرة إبراهيم، قررنا الخروج في جولة ليلية، نجوب الخلاء المحيط بالقرية، وسط ظلام دامس، معتمدين على ضوء القمر الخافت، والصمت يطبق على المكان. تخيلت مع نفسي كيف أن مثل هذه الجولة الليلية الهادئة والآمنة من المستحيل أن تحدث في المدينة.

تحدثنا قليلًا حول وضع القصبات المجاورة، ثم اقترح علي إبراهيم زيارة إحدى تلك القرى، فأخذنا الاتجاه نحوها إلى أن وصلنا مدخلها والسور الترابي يحيط بها على شاكلة كل قرى تافيلالت. وجدنا ثلة من أهل الساكنة يفترشون حصيرة، بينهم صغار وكبار، يدردشون النكات والحكايا وهم يشربون كؤوس الشاي مستمتعين بنسيم الليل المبهج، في جو لذيذ لم أجربه منذ مدة.

ألقينا التحية على أهل القرية فرحبوا بنا لشرب الشاي، جلسنا وأخذنا نتبادل أطراف الحديث عن الجفاف في المنطقة. أخبروني أن الساكنة لطالما تعايشت مع الجفاف ووجدت طرقًا للتكيف مع الطقس القاسي، لكن في العقدين الأخيرين ازداد الجفاف تطرفًا، قال أحد الأهالي «منذ أربع سنوات لم نحرك المحراث على الأرض، ولم يصلنا ماء من السواقي، مع شبه غياب تام للمطر».

هذه القرية أيضًا عرفت هجرة لكن ليس كليًّا، حسب تقديرات بعضهم بمقدار النصف تقريبًا مقارنة مع حجم ساكنتها قبل التسعينيات، مع ذلك ما زالوا يأملون بامتلاء القرية مجددًا، «لقد عرفت هذه القصبات سابقًا هجرات جماعية مماثلة بفعل الجفاف والمجاعات، لكن في كل مرة تعود الأرض لتحيا بالأمطار والوديان ويعود الناس من جديد إلى المنطقة» يقول أحدهم بكل ثقة، إنهم لا يعتقدون أن هذه الموجة الأخيرة من الجفاف استثناء.

لكن في الواقع هذه المرة مختلفة تمامًا، لأن الأمر يتعلق بالتغيرات المناخية التي يعرفها كوكب الأرض، والتي تزداد سوءًا مع مرور الوقت، والمغرب وتحديدًا واحات تافيلالت على وجه الخصوص، تقع في قلب هذه التغيرات المناخية، لذلك صنفت الأمم المتحدة هذه الواحات بأنها باتت مهددة بشكل خطير بسبب الاحترار العالمي.

طوال رحلتي، أخبرني كل الذين حاورتهم بأن سكان واحات تافيلالت شرعوا في الهجرة مع دخول التسعينيات، وعندما اطلعت على بيانات المناخ الخاصة بالمنطقة المناخية المُتضمنة جهة تافيلالت، على الخريطة التفاعلية التي صممها خبراء الأمم المتحدة، بدا لي الأمر منطقيًّا جدًّا. إذ كما يظهر البيان فإن هذه المنطقة بدأت تشهد تحولًا نوعيًّا في المناخ منذ بداية التسعينيات؛ إذ أخذت الحرارة تزيد وتقل التساقطات إلى اليوم، وسيستمر هذا المنحى طوال العقود القادمة، ومن المرجح أن يوازي هذا التدهور المتصاعد في المناخ هجرات متزايدة بالمنطقة مستقبلًا.

خريطة تظهر تطور التساقطات في المنطقة المناخية المُتضمنة لواحة تافيلالت بحلول 2040

بيان تطور درجة الحرارة مع مرور السنين في المنطقة المناخية المُتضمنة لواحة تافيلالت

أدى تغير المناخ إلى زيادة درجات الحرارة التي تزيد بدورها من تبخر المياه السطحية، كما تسبب في انخفاض معدلات التساقطات، ومن ثمة قل الماء وحلَّ الجفاف. وقد «ازدادت وتيرة الجفاف وحدته في المغرب خلال العقود الأخيرة، ومن المتوقع أن تزداد سوءًا مع تغير المناخ»، بحسب ما يؤكده البنك الدولي.

وعلاوة على تأثير التغيرات المناخية، يعتقد أحمد الشاوي، وهو ناشط جمعوي ومهتم بالحقوق المائية، أن «تسيب الوضع التنظيمي للماء وقلة الوعي ساهما أيضًا في جفاف واحات تافيلالت». فيقول خلال اتصال هاتفي معي: «إن ملاك الأراضي الجدد والنافذين يستغلون عدم وجود إشراف حقيقي لتطبيق الخريطة السقوية، ويسقون أراضيهم بدون حدود وأحيانًا بدون وجه حق، فيما الكثير من الفلاحين يستغلون سهولة حفر الآبار بفضل تطور التقنية، ويثقبون في حقولهم عددًا كبيرًا من الآبار بدون وعي بأن المياه الجوفية محدودة، والنتيجة هي التهام حصص مياه أسافل تافيلالت من وادي زيز وسد حسن الداخل، واستنزاف الفرشة المائية بكامل المنطقة».

حسبما يحكي لي والدي وما قرأته عن تاريخ واحات تافيلالت، فإن هذه المنطقة كانت ذات مناخ شبه جاف بحكم طبيعتها الجغرافية منذ قرون وليس وليد الساعة، إلا أنها كانت تتدبر أمورها من خلال وادي زيز وغريس عبر شبكة معقدة من السواقي المائية، تديرها لجنة من المراقبين وفق عُرف المنطقة.

لكن اليوم دفعت التغيرات المناخية، جنبًا إلى جنب مع تسهيل الآلة لحفر الآبار والافتقار الفعال لتنظيم المياه، الجفاف إلى أبعد الحدود، فتحولت العديد من الواحات إلى مساحات بيضاء جرداء، مثل واحة سافلة تافيلالت.

وظلت منطقة سافلة تافيلالت تعتمد على زراعة معيشية بسيطة، تقوم على حرث القمح والشعير وجني تمر النخل. وفي غياب التساقطات وجفاف الأنهار وتملح مياهها الجوفية المحدودة، يموت كل شيء على هذه الأرض، وتقل المحاصيل والغلات، فتنقطع سبل عيش الناس في هذا المكان القاحل، ومن ثمة يقررون الهجرة.

الهجرة من «تافيلالت» بسبب التهميش أيضًا

بالعودة إلى الجلسة الليلية على الحصيرة مع أهالي القرية، وصل فجأة كهلان يلبسان عباءة تقليدية وألقيا التحية، فرد عليه أحدهم «بالصحة العشاء»، ثم غادرا الجمع، وتركا المجموعة تتهامس فيما بينها مع ضحكات ساخرة. فهمت من كلامهم، أن الرجلين قدما للتو من وليمة عشاء لأحد المرشحين للانتخابات المحلية، وهي طريقة شائعة في المنطقة منذ زمن لاستمالة الناخبين القرويين.

بعض هؤلاء المنتخبين تقلد المسؤولية قبل أن أولد حرفيًّا، وبعضهم أمي تمامًا، ومع ذلك لا يزالون ينشطون في الانتخابات، فيما تخلف المنطقة الشديد على مستوى البنية التحتية والخدمات العمومية وفرص الشغل شاهد على أدائهم، حتى إن قرى سافلة تافيلالت لا تزال إلى اليوم تفتقد إلى شبكة الصرف الصحي.

وكانت المندوبية السامية قد صنفت جهة تافيلالت أفقر جهة على الإطلاق في المغرب. مثلما لا يظهر أن فلاحي هذه المنطقة البسطاء وصلهم شيء من مليارات المخطط الأخضر الذي أطلقته الحكومة لتأهيل الفلاحة الوطنية.

ملأنا قاروراتنا ببعض المياه الباردة لدى الأهالي وودعناهم، ونحن عائدون إلى المنزل عبر الحقول الجرداء في الليلة الظلماء، سألت إبراهيم: «هل تعتقد أن الجفاف وحده سبب في هجرة السكان من منطقة تافيلالت؟»، فأجاب «نعم الجفاف ربما كان هو العامل الأساسي لهجرة معظم العائلات، لكن هناك أيضًا التهميش الذي يطال المنطقة».

سألته «ماذا تقصد؟»، فأجاب: «أعني أن جيل الآباء قد يرغب بالبقاء ويشعرون بالاغتراب في المدينة، ولولا الجفاف لما رحلوا، لكن بالنسبة لجيل الشباب والجيل القادم، أظنه حتى لو توفرت لهم الفرصة للبقاء فسيغادرون، بعدما اكتشفوا المدن وكيف أنها تحتوي على فرص اقتصادية وخدمات أفضل، وأصبحوا يفكرون هم أيضًا في شراء منزل وسيارة وأشياء أخرى لم يكن يفكر فيها آباؤهم».

في خضم حديثه، قاطعته بسؤال آخر، «لنفرض أن القرية أصبحت خضراء من جديد، هل ستعود للعيش هنا؟»، فرد قائلًا: «شخصيًّا لن أعود ما دام هناك تهميش، ولا أعتقد أن الناس، بخاصة الشباب، سيعودون إلى المنطقة إلا إذا توفرت لهم فرص عمل وصرف صحي وخدمات وبنية تحتية أفضل».

فكرت مليًّا فيما قاله إبراهيم، ربما الجفاف ليس وحده الجاني في الهجرات الجماعية من تافيلالت، هناك أيضًا تهميش المنطقة وإغراءات المدينة. وحين وصلنا المنزل واسترحنا قليلًا على سطح البيت، حملت هاتفي، وتواصلت مع رشيد العزوزي للبحث أكثر في المسألة، وهو طالب باحث يكمل دراسته الجامعية بالرباط، وهو أيضًا أحد المهاجرين من قرى سافلة تافيلالت.

استفسرت من رشيد عن سبب مغادرة قريته، قال «بدأت الهجرة في قريتي منذ التسعينيات، مع بداية جفاف قاحل، وكانت قريتي في الخط الأول، تخلينا عن أراضينا وهاجرت عائلتي في 2008 بسبب الجفاف وقلة فرص الشغل، وأيضًا من أجل لم الشمل. في الحقيقة كان القرار سهلًا، بعد أن تبين بوضوح أن العيش فيها أصبح بمثابة عذاب لا يمكن للإنسان مداراته نهائيًّا».

سألت رشيد: «ألا تعتقد أن الناس سيعودون إلى المنطقة إذا عادت إلى عهدها السابق؟» قال «ربما في التسعينيات كان الجفاف هو العامل الوحيد للهجرة الكبيرة من قرى تافيلالت، لكن اليوم، لا أعتقد أن الشباب سيعودون إلى المنطقة حتى لو اختفى الجفاف، بعد أن رأوا بأعينهم إمكانات المدينة النفسية والاجتماعية والاقتصادية رغم المخاطر، من فرص تعليم وعمل وبنية تحتية واستقلالية، مقارنة مع وضع القرى بتافيلالت».

وهو ما تؤكده أيضًا دراسة ميدانية، من أن الهجرة توسع الخيارات المتاحة للمهاجرين الشباب، إذ أعرب الشباب الذين شاركوا في الدراسة عن «إحساس أكبر بالاستقلال والانتماء وتحقيق الذات».

في السنوات الأخيرة، قامت الدولة فعلًا بمحاولات لتحسين الوضع في قرى سافلة تافيلالت، من خلال ترميم بعض القصبات ومد الطرق المعبدة إلى القرى المنعزلة، وكذا توفير النقل المدرسي لتسهيل تمدرس الفتيات. لكن يبدو أن هذه الخطوات جاءت متأخرة جدًّا، بعد أن هاجر الكثير من السكان، وصارت عوامل الجذب للهجرة لدى الشباب أقوى من عوامل البقاء في المنطقة.

وبغض النظر عن أثر الجفاف المدفوع بالتغيرات المناخية، والتهميش الذي يطال المنطقة، تبدو الحرارة شديدة بشكل لا يطاق في هذه المنطقة، فرغم أني ترعرعت بها إلا أني بالكاد استطعت البقاء فيها بضعة أيام، كنا خلالها طوال اليوم نتعرق، ولا يتلطف الجو قليلًا إلا في الليل حيث ننام على سطح البيت. لذا ليس غريبًا أن تكون الحرارة سببًا أيضًا كافيًا للمغادرة بالنسبة للبعض، لا سيما إذا علمنا أن الساكنة فقيرة ولا يمتلكون المال لشراء المكيفات ووسائل التبريد.

وصحيح قد تكون هناك أسباب أخرى غير بيئية للهجرة، ومع ذلك «من المرجح أن تصبح تأثيرات التغير المناخي، المتمثلة في الجفاف القاحل والحرارة المفرطة، هي المحرك الأول للهجرة مستقبلًا»، كما يشير البنك الدولي، خاصة بالنسبة للمجتمعات الفقيرة، التي تتكبد النصيب الأكبر من الخسارة من جراء التدهور البيئي، والذين قد يخسرون الأرواح وسبل عيشهم، أو يغرقون أكثر في مستنقع الفقر.

                                  جانب من قرية زاوية ملايخاف المهجورة بواحة سافلة تافيلالت – خالد بن الشريف

وتأتي الهجرة ملاذًا أخيرًا لهؤلاء الفقراء الريفيين، بوصفها رد فعل طبيعيًّا على ظروفهم البيئية والاجتماعية والاقتصادية البائسة، بعدما يستبد بهم اليأس ولا يجدون سبيلًا آخر للنجاة وتحسين عيشهم سوى المخاطرة بالهجرة. وعادة ما تبدأ هجرتهم برحيل فرد أو فردين أو أكثر، من أجل العمل أو الدراسة في الجامعة، ثم بعد مدة يلتحق باقي الأسرة، بعد أن يؤمنوا مكانًا لهم في المدينة.

المدينة التي هي بقدر ما تفتح فرصًا واعدة تحمل في الوقت ذاته مخاطر كبيرة، خاصة بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة، المفتقدة للرأسمال والعلاقات ومهارات السوق.

لا يتوقف إبراهيم عن التواصل عبر «واتساب» مع والده حول أحوال القرية والبيت، مرسلًا له صور جلستنا الليلية على سطح المنزل، بدا لي وكأنه يتعمد تأجيج شوقه للمكان الذي قضى فيه عمره، فهو يعلم بحنين أبيه الدائم إلى القرية، ولا يزال إلى اليوم يتردد عليها بشكل منتظم، حتى مع رحيل العائلة كاملة إلى مدينة الرشيدية.

الحزن البيئي

في اليوم الموالي، وفيما نحن نتجول في المكان صباحًا، إذا بسيارة رباعية الدفع تصل المكان، خرج راكبوها يستطلعون، وهم عائلة مع أطفالهم، بدا إبراهيم وكأنه يعرفهم، ثم توجهوا نحونا، ونادوا على إبراهيم ليقترب منهم، ويتبادل التحية معهم بحرارة، وبعدها انغمسوا في الحديث عن أخبار القرية.

أسرَّ لي إبراهيم فيما بعد، أنهم إحدى العائلات المهاجرة قادمين من مدينة فاس، وأتوا مع أطفالهم الصغار لزيارة قريتهم المهجورة وبيتهم القديم، البيت نفسه الذي كنا قد مررنا به من قبل ولاحظنا ترميمات على جدرانه الخارجية.

فرغم أن القرية هجُرت تمامًا، فإن أهلها من كبار السن خاصة لا يتوقفون عن زيارتها بين الفينة والأخرى، كما أخبرني إبراهيم، بما فيهم والده الذي يتردد على القرية بشكل دوري، ولولا اضطرارهم للرحيل لما هجروا قراهم.

وكنا قد لاحظنا منذ وصولنا وجود واحد من هؤلاء الذين استبد بهم الحنين إلى القرية، وهو رجل متعب كبير في السن بالكاد يتمشى، آثر ترك عائلته في المدينة وعاد إلى القصبة والمكوث فيها وحيدًا لشهور، لا أعلم حقيقة كيف يتدبر أمره. ذكَّرني بسمك السلمون المُرقط في وثائقيات «ناشيونال جيوغرافي»، الذي لا يهنأ حتى يرجع إلى موطنه الأم، متحملًا السير عكس التيار عبر مسالك الأنهار، ليموت بسلام في مكان مولده.

يُفكرني هذا بما قرأته عن أن المهاجرين القرويين، وجيل الآباء تحديدًا، يشعرون بالاغتراب والاكتئاب في المدينة، والعديد منهم يشعرون بالدونية والعزلة والاختلاف في محيطهم الحضري الجديد؛ وذلك بسبب انتقالهم من البيئة التي كبروا فيها إلى وسط مختلف آخر، ليسوا مجهزين له نفسيًّا ولا اجتماعيًّا بعد تغير البيئة من حولهم.

ما يثير الانتباه إلى أن التغير المناخي لا يهجر سكان الأرياف فقط، وإنما كذلك يؤثر في صحتهم النفسية، ويتسبب لهم بما تسميه مجلة «نيتشر» العلمية بـ«الحزن البيئي»، ليصبح رد فعل نفسي على التغيرات البيئية.

كما يتعرض هؤلاء المهاجرون الريفيون إلى العنصرية والمضايقات والنصب والاستغلال على يد أرباب عملهم ومن قبل بعض سكان المدينة. بالإضافة إلى ظروف العمل والسكن السيئة، وكذلك غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الإيجار، وليس آخرًا ضغوطات الأسرة في القرية التي تنتظر منهم بفارغ الصبر إرسال قوت العيش.

Embed from Getty Images

من جهة أخرى، تزيد الهجرة القروية السريعة، المدفوعة بالتغيرات المناخية، الضغط على المدن غير المجهزة لاستقبال أعداد كبيرة من المهاجرين في وقت قصير. ولهذا السبب، يحذر البنك الدولي من أن التحضر المناخي سريع الحركة، «يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة، والتنافس على الخدمات، وتفاقم الفقر».

ولذا يشتد الصراع على الفرص القليلة في المدن وعلى الموارد الشحيحة في القرى، فينتج من ذلك مزيد من العنف والجريمة وفي الوقت نفسه مزيد من المحسوبية والفساد.

وقصة آل الشاوي مثال على تولد الصراع حول الموارد المائية الشحيحة في واحات تافيلالت، حيث حكى لي أحمد الشاوي، الذي راح أخوه وطفل أخيه ضحية جريمة قتل بسبب النزاعات المائية، إن شقيقه «كان ينشط ويناضل بإصرار من أجل تطبيق الخريطة السقوية، وإعطاء حق الري لأصحاب الحق من الفلاحين، لكن بعض المزارعين من ذوي النفوذ وأصحاب الأراضي الجديد لم يعجبهم الأمر، فقرروا تصفيته»، فيما لا يزال التحقيق جاريًا منذ خمس سنوات لإيجاد الجاني أو الجناة دون جدوى إلى اليوم.

رجوعًا إلى الجولة، وبعد ذهاب العائلة الزائرة، كنا نسير ورمقت على جانب جذع نخلة، عصفورًا صغيرًا على الأرض يتلوى، وتخذله جناحاه في النهوض، يبدو أن الحرارة والعطش أهلكاه، فأهرقت عليه بعض الماء علَّه يتقوى، لكن بدون جدوى، فحملته ووضعته في مكان مظلل، طالبًا له السكينة.

فمن الجلي بمكان أن هذه البيئة أصبحت قاسية على الإنسان والحيوان على حد سواء، حيث لم تبصر عيناي أي حيوان بري طوال رحلتي في المنطقة، وهالني تراجع وجود الحمام والعصافير التي كانت تملأ يومًا المكان تغريدًا.

سياسات خضراء وزرقاء

وبينما نَهمُّ بمغادرة المكان توقفنا بسبالة ماء بجانب القرية، وهي عبارة عن صنبور ماء مغطى بقبة إسمنتية، شائعة في سافلة تافيلالت، حيث لكل قصبة سبالتها الخاصة، وهي المصدر الوحيد لمياه الشرب لدى الساكنة. ونحن نملأ منها بعض القنينات، فجأة وصل رجل وجهه ملفوف بقماش شاش ويركب حمارًا، حاملًا معه حزمة حاويات بلاستيكية.

إنه أحد الرحل الذين يقطنون بعمق سافلة تافيلالت في الصحاري القاحلة، ساعدناه على تعبئة حاوياته البلاستيكية بالمياه، وسألته بنوع من الشفقة «ألم يعد لديكم هناك ماء في منطقتكم؟»، فقال بصوت خفيض يختزن تعب الرحلة، «لقد جفت عندنا العيون، لهذا نأتي إلى هنا لجلب المياه العذبة»، وبعد انتهائه ركب حماره وانطلق بعيدًا نحو الفيافي القاحلة، تحت أشعة الشمس الحارقة، بدا لي كما لو أنه يقذف نفسه نحو أرض الهلاك.

التفت إلى إبراهيم، وقلت له «أتعلم، إن الهجرة الكبرى لم تحدث بعد، ستحدث حينما تجف الصنابير». على الأقل لا تزال مياه الشرب مضمونة بمعظم مناطق تافيلالت، لكن يبدو أن بوادر العطش أصبحت تطل على عدد من القرى، ولا سيما مع محدودية المياه العذبة الصالحة للشرب في هذه المنطقة الجافة.

Embed from Getty Images

ويمكن القول بأن سكان قرى تافيلالت تكيفوا طوال قرون مع المناخ شبه الجاف للمنطقة، وبنوا بيوتهم من الطين لعزل الحرارة، واعتمدوا على النخيل المقاوم للجفاف، وشيدوا قصبات معمارية غاية في الجمال، وحولوا فيافي الصحراء إلى واحات خضراء، وأسسوا مجتمعات محلية متكافلة وثقافة مميزة.

لكن يبدو أن المنطقة استنفدت أخيرًا قواها في التكيف مع هذه الجغرافيا القاسية، فمع الجفاف المدفوع بالتغيرات المناخية والفقر المدقع، اضطر الناس طوال العقود الثلاثة الأخيرة إلى هجرة قراهم ومواطنهم التي ترعرعوا فيها نحو المدن. إنه اندثار ليس للسكان فحسب بل لهويتهم الثقافية المحلية ولقصباتهم التاريخية، كإرث حضاري مغربي عالمي.

سألت إبراهيم: «كيف يمكن وقف نزيف هذه الهجرة وإعادة الحياة لواحات تافيلالت؟»، أجاب: «أعتقد أن المنطقة يجب أن تعتمد نشاطًا آخر للعيش غير الزراعة إذا ما أرادت البقاء، مثلما فعلت مرزوكه الصحراوية المناخ، والتي صارت الآن وجهة سياحية عالمية. كما أن الناس لن يرجعوا إلى المنطقة إلا بعد رفع التهميش عنها».

وفي نظر أحمد الشاوي، المهتم بالشأن المائي والذي كان قد فُجع بموت أخيه بسبب نزاعات حول الماء، فيقول: «أعتقد أنه يجب تطبيق الخريطة السقوية بقوة القانون، لمنع التهام أباطرة الفلاحة من استنزاف الموارد المائية للفلاحين الصغار، وفي الوقت نفسه على الدولة إيجاد روافد مائية جديدة؛ مثلًا تحويل مياه وادي كير الذي يصب في الخلاء إلى مصب وادي زيز. إضافة إلى تقنين حفر الآبار وتوعية الفلاحين بمحدودية المياه الجوفية، واعتماد تقنيات التنقيط الفلاحية».

وبالنسبة لرشيد العزوزي الذي يكمل دراسته العليا بالعاصمة الرباط، «فحتى لو عادت الفلاحة من جديد، فلا يزال هناك حاجة لفك العزلة عن المنطقة، وتوفير الخدمات العمومية والبنية التحتية لتسهيل الحياة، من صرف صحي ومرافق ثقافية ورياضية ومعامل للشغل وجامعات. وغير ذلك من غير المحتمل أن يعود الناس للمنطقة، خاصة فئة الشباب الذين عرفوا المدينة».

فيما يوصي الفريق البحثي المغربي الذي درس جفاف المنطقة الشرقية، بتفعيل سياسات اقتصاد الماء، وتشجيع الزراعات المقاومة للجفاف مثل النباتات العطرية والطبية، ومساعدة فلاحي الواحات على تسويق محاصيلهم من التمور.

ويمكن أن أضيف إلى هذه المقترحات تزويد القرويين البسطاء في واحة تافيلالت بـ«مرشحات تحلية المياه»، من أجل الاستفادة من مياههم الجوفية المالحة الضائعة بشكل أفضل للري والشرب، بعد تحويلها إلى مياه عذبة.

أما بالنسبة لمنتخبي واحات تافيلالت فلا أعتقد أن معظمهم يفهمون التغير المناخي، فضلًا عن إيجاد حلول ناجعة لمواجهة تحدياته المحدقة. مثلما لم أصادف قط عبارة «التغيرات المناخية» خلال متابعتي للحملات الانتخابية الأخيرة في المغرب، رغم أني اطلعت على معظم برامج الأحزاب واستمعت للعديد من لقاءاتهم الخطابية، في حين تصنف الأمم المتحدة «التغير المناخي» الخطر الأول الذي يهدد العالم بالجفاف، وعلى وجه الخصوص منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط الشحيحة المياه.

بيد أن الأمل يبقى معقودًا على مؤسسات الدولة، ولا سيما منها المتعلقة بالبيئة، للعمل قبل فوات الأوان على تنفيذ السياسات الخضراء والزرقاء المُسطرة لصون الغابات والمياه، وكذلك مساعدة الفلاحين على نهج فلاحة عصرية مستدامة. وبالموازاة مع ذلك، توسيع قدرات المدن الخدماتية والتشغيلية، من أجل تحمل مزيد من الهجرات الريفية، التي لا مفر منها مع تسارع التغير المناخي.

في النهاية فهمت قصة والدي، ولماذا تحول بين ليلة وضحاها من فلاح إلى عامل بناء؛ لقد قاد الجفاف المدفوع بالتغيرات المناخية إلى جانب تهميش القرى على مدى عقود، أبي ومثله عشرات الآلاف من القرويين، إلى الهجرة من قصبات تافيلالت إلى المدينة بعيدًا عن موطنهم الأصلي، بحثًا عن لقمة عيش، تاركين أراضيهم ومنازلهم وأطفالهم وعائلاتهم، بعدما فقدوا سبل العيش في قراهم.

استقليت التاكسي وغادرت واحة سافلة تافيلالت، مفكرًا مع نفسي «يا للسخرية! كان والدي يكد في بناء فنادق مراكش مقابل بضعة دولارات في اليوم وفي ظروف عمل غير آدمية، من أجل رفاهية من تسببوا في شقائه وتهجيره، من أجل سياح الدول الغنية التي ساهمت بالحصة الكبرى في الاحترار العالمي، ومن أجل رفاهية أثرياء البلد الذين راكم الكثير منهم ثرواتهم من الريع الحكومي والفساد على حساب آلام وفقر مغرب القرى».

– جرى إعداد هذه القصة الصحفية بدعم من مسابقة قصص التغير المناخي بشمال أفريقيا والشرق الأوسط «Candid Foundation»

 

المصادر

تحميل المزيد