تخطى مئات المعتقلين في مصر، فترة الحد الأقصى للحبس الاحتياطي والبالغة عامين، بل تخطت بعض القضايا حاجز الثلاث سنوات، دون إخلاء سبيل المتهمين فيها، ولم يُفرج القضاء المصري، إلا عن عدد قليل من المتهمين بموجب هذا القانون، من بينهم الرئيس المخلوع «محمد حسني مبارك».

وبحسب مصادر حقوقية تواصل معها «ساسة بوست»، فإن هناك 24 قضية، بما لا يقل عن ألفي متهم، تعدو فترة الحد الأقصى للحبس الاحتياطي البالغة سنتين، من أبرزهم المتهمين المحبوسين في قضايا «فض رابعة»، و«فض النهضة»، و«أحداث مسجد الفتح».

ماذا يعني الحبس الاحتياطي في القانون المصري؟

يعتبر الحبس الاحتياطي مجرد تدبير احترازي، يُتخذ لعدة أسباب محددة، من بينها «الخوف من هروب المتهم»، و«عدم وجود محل إقامة ثابت له»، و«الحيلولة دون عبث المتهم بالأدلة، أو الإضرار بالتحقيق، أو ممارسة الضغوط على الشهود».

وتنظم المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية، الحبس الاحتياطي، ووضعت حدًا أقصى له يتراوح من 18 شهرًا إلى سنتين في القضايا الجنائية، قبل أن يُعدل الرئيس السابق المؤقت «عدلي منصور»، في 25 سبتمبر (أيلول) 2013، من الفقرة الأخيرة من هذه المادة، ليُلغي الحد الأقصى للحبس الاحتياطي بالنسبة للمحكوم عليهم بالإعدام أو المؤبد، في مرحلة النقض أو إعادة المحاكمة فقط.

وتنص المادة 143 على أنّه «في جميع الأحوال، لا يجوز أن تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي، وسائر مراحل الدعوى الجنائية، ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، بحيث لا يتجاوز ستة أشهر في الجنح، و18 شهرًا في الجنايات، وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام».

وما أضافه الرئيس المُؤقت في هذا الصدد، هو أنه «مع ذلك، فلمحكمة النقض، ولمحكمة الإحالة (الجنايات)، إذا كان الحكم صادرًا بالإعدام أو بالسجن المؤبد، أن تأمر بحبس المتهم احتياطيًا لمدة 35 يوميًا، قابلة للتجديد، دون التقيد بالمدد المنصوص عليها في الفقرة السابقة».

وللوقوف أكثر على ما تعنيه المادة رقم 143 من قانون الإجراءات الجنائية، وتعديلات منصور عليها، وبعض نقاط الخلاف حولها، تواصل «ساسة بوست»مع أسامة ناصف، الباحث الحقوقي في التنسيقية المصرية للحقوق والحريات،والذي قال إنّ الحبس الاحتياطي، يبدأ بمجرد اعتقال المتهم، ولا ينتهي بعد إحالته للنيابة، مُبينًا أن المادة 143 حسمت الخلاف حول هذه النقطة، بما جاء في نصها «في مرحلة التحقيق الابتدائي، وسائر مراحل الدعوى الجنائية».

ووصف ناصف تعديل عدلي منصور بـ«البسيط»، وأضاف أن القانون بعد التعديل، يسري على أحكام الإعدام والمؤبد المنقوضة فقط، بأن يتجاوز المتهمين فيها فترة الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، بينما تخضع بقية القضايا إلى القاعدة العامة للحبس الاحتياطي، والتي يبلغ بموجبها الحد الأقصى للحبس الاحتياطي سنتين فقط.

وأكد على ذلك أيضًا تقرير للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، جاء فيه، أن تعديل منصور كان بغرض «إلغاء الحد الأقصى للحبس الاحتياطي بالنسبة إلى المحكوم عليهم بالإعدام أو المؤبد، في مرحلة النقض أو إعادة المحاكمة فقط، ولكن العامين كحد أقصى للحبس الاحتياطي، يبقى ساريًا على كل المحبوسين احتياطيًّا، الذين صدرت ضدهم أحكام بعقوبة غير الإعدام والسجن المؤبد، والذين لم تصدر ضدهم أحكام بعد».

مبارك أول المستفيدين ومئات المعتقلين يعانون

كان أول المستفيدين من قانون الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، عقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، هو الرئيس المخلوع حسني مبارك، عندما قررت المحكمة إخلاء سبيله في أبريل (نيسان) 2013، في قضية قتل المتظاهرين،«لانقضاء فترة الحبس الاحتياطي» البالغة سنتين،وهو نفس السبب الذي أُخلي بموجبه سبيل – المهندس أبو العلا ماضي – رئيس حزب الوسط- في أغسطس (آب) 2015.

في المقابل، وعقب بيان القوات المسلحة، في الثالث من يوليو (تموز) 2013، يستمر حبس مئات المتهمين، بالرغم من انقضاء فترة الحد الأقصى للحبس الاحتياطي البالغة سنتين، ما دفع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إلى القول بأن الحبس الاحتياطي «تحول من إجراء احترازي إلى عقوبة سياسية»، واصفةً إياه بأنه «بات بديلًا لقانون لطوارئ».

ورصدت المبادرة في تقريرها، الصادر في 10 مايو (أيار) الماضي، مالا يقل عن 1464 متهمًا، تعدوا «بالمخالفة للقانون»، فترة الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، والبالغة عامين، بعد رصد 11 قضية في أربع محافظات فقط، منوهة إلى أن العدد المرصود «أقل في الغالب من العدد الحقيقي».

في نفس السياق، ذهب ناصف إلى ما هو أبعد، عندما كشف أن عدد القضايا التي تعدى فيها المتهمون فترة الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، وفق آخر حصر للتنسيقية، بلغ 24 قضية، بها ما لا يقل عن ألفي متهم، مُؤكدًا أن الإفراج عن هؤلاء المتهمين أصبح وجوبيًا بنص القانون.

من يحاكم من؟

من أبرز هذه القضايا التي تعدى فيها المعتقلون فترة الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، القضية رقم2958 لسنة 2015، المعروفة إعلاميًا بـ«أحداث فض اعتصام رابعة العدوية»، تلك الأحداث التي وقعت في 14 أغسطس(آب) 2013، والتي وصفتها منظمة العفو الدولية، على أنها «أسوأ واقعة قتل جماعي غير مشروع في تاريخ مصر الحديث»، عندما فضّت قوات الأمن المصري من الجيش والشرطة، اعتصام معارضي بيان القوات المسلحة في الثالث من يوليو (تموز) 2013، وأسفرت تلك الواقعة عن مقتل ما لا يقل عن ألف شخص، وفقًا لرئيس الوزراء المصري آنذاك،«حازم الببلاوي».

وأفاد وزير الداخلية آنذاك، «محمد إبراهيم»، بأن قوات الأمن، ضبطت من ميدان رابعة، عقب فضه، تسع أسلحة آلية، وطبنجة، وخمس قطع فرد محلي، بحسب البيان الرسمي للوزارة. وتشمل قضية أحداث فض رابعة على 738 متهمًا، بينهم 334 محبوسًا احتياطيًا، مُعظمهم ألقي القبض عليهم أثناء عملية فض الاعتصام، ووجهت النيابة إليهم تُهم «التجمهر وتعطيل المرور، والمشاركة في الاعتصام المُسلح»، كما ورد في تقرير النيابة.

وقضى 334 معتقلًا في قضية «فض رابعة»، أكثر من ثلاث سنوات من الحبس الاحتياطي، دون أن تُخلي المحكمة سبيلهم، لانقضاء فترة الحد الأقصى للحبس الاحتياطي،من بينهم المصور الصحافي «محمود شوكان». وتُعقد الجلسة القادمة في القضية، في السادس من سبتمبر (أيلول) الجاري، لاستكمال فض الأحراز.

اللافت، أنه على الرغم من قتل قوات الأمن للمعتصمين، إلا أنه لم يمثل للمُحاكمة، أي من أفراد الأمن أو قياداتهم أو المسؤولين الأمنيين والتنفيذيين عن عملية الفض، في الوقت الذي يُحاكم فيه القيادي الإخواني «محمد البلتاجي»، الذي قُتلت نجلته أسماء أثناء الفض، وتقدمت أسرتها بعدد من البلاغات للنيابة العامة، يتهمون فيها الرئيس الحالي «عبد الفتاح السيسي»، وكان حينها وزيرًا للدفاع، وكذلك محمد إبراهيم وزير الداخلية آنذاك، بالتورط في قتل نجلتهم أسماء.

«النيابة رفضت استقبال أي بلاغات منا في قضية مقتل أسماء؛ لأنها تتهم السيسي ومحمد إبراهيم بالمسؤولية المباشرة عن الجريمة»،هكذا أكّد عمار البلتاجي، شقيق أسماء، مُشيرًا في حديثه لـ«ساسة بوست»، إلى رفض النيابة أيضًا «أي بلاغات في نفس الموضوع، ضد الأشخاص نفسهم، خلال محاكمات الدكتور محمد البلتاجي، بالرغم من وجود الأوراق والإثباتات من مصلحة الطب الشرعي، التي تثبت مقتلها نتيجة رصاص بزاوية مرتفعة أدت للوفاة».

أكثر من ثلاث سنوات حبس احتياطي لمعتقلي «فض النهضة»

وتزامنًا مع فض اعتصام رابعة، فضت قوات الأمن في نفس اليوم، اعتصام النهضة، وقتلت حوالي 87 شخصًا، بحسب تقارير جهات مُقربة من النظام المصري، لم يمثل للمُحاكمة أي من أفراد الأمن أو قياداتهم أو المسؤولين الأمنيين والتنفيذيين عن عملية الفض، في الوقت الذي يُحاكم فيه 379 متهمًا في القضية رقم 1443 لسنة 2015، والمعروفة بقضية «أحداث فض النهضة»، بينهم 189 محبوسًا احتياطيًا، مُعظمهم أُلقي القبض عليهم أثناء عملية فض الاعتصام.

ووجهت إليهم النيابة العامة تهم «تدبير تجمهر هدفه تكدير الأمن والسلم العام، وتعريض حياة المواطنين للخطر، ومقاومة رجال الشرطة المكلفين بفض تجمهرهم، وقطع الطرق». وقضى 189 معتقلًا في قضية «فض النهضة»، أكثر من ثلاث سنوات من الحبس الاحتياطي، دون أن تُخلي المحكمة سبيلهم؛ لانقضاء فترة الحد الأقصى للحبس الاحتياطي البالغة سنتين.

وتُعقد الجلسة القادمة للقضية في السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، للحكم في طلب رد المستشار «معتز خفاجي»،الذي يتولى القضية، والمقدم ضده من دفاع أحد المتهمين، مُستندًا إلى تصريحات إعلامية، صرّح بها خفاجي، تتضمن رأيه في جماعة الإخوان المسلمين، ما يتطلب تنحيه عن القضية، لتكوينه رأي مُسبق ضد أعضاء الجماعة المتهمين فيها.

تضامنوا مع قتلى الفض فاتُهموا بقتل المتظاهرين

«تضامنًا مع الناس اللي اتقتلت يوم الفض»، هكذا يحكي حسن (اسم مستعار)، عن سبب نزول شقيقه إلى ميدان رمسيس، في 16 أغسطس (آب) 2013. ويقول حسن لـ«ساسة بوست»،إن شقيقه لم يكن من مؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي، «بل كان يسخر منه أحيانًا»، فضلًا عن أنّه أعطى صوته للمرشح الرئاسي «حمدين صباحي»، خلال الجولة الأولى من انتخابات 2012، كما أنّه قاطع جولة الإعادة بين محمد مُرسي وأحمد شفيق، لكنه وبحسب ما قال حسن «كان دائمًا ما ينتفض للدم البريء».

ويقول حسن إن شقيقه أصيب بخرطوش قوات الأمن في قدمه، ما دفعه للتوجه إلى «مسجد الفتح»؛ لتلقي العلاج، بعدما تحوّل إلى مستشفى ميداني، مُضيفًا أن شقيقه حاول الخروج من المسجد، لكن حصار قوات الأمن، ومن أسماهم حسن بـ«البلطجية»، حال دون ذلك.

واستمر حصار مسجد الفتح حتى ظهر اليوم التالي، عندما اقتحمته قوات الأمن، لتعتقل مئات المحاصرين منه، «من بينهم شقيقي الذين اعتقلوه بالرغم من إصابته في قدمه»، كما يروي حسن، الذي أشار إلى اختفاء شقيقه أسبوعين تقريبًا، قبل أن يجدوه معتقلًا في سجن وادي النطرون.

وأشار حسن إلى أن قوات الأمن، ساومت الشيخ عبد الحفيظ المسلمي، إمام مسجد الفتح، على أن يدعي وجود أسلحة مع من كانوا في المسجد، وأنهم استخدموها في إطلاق النار من المئذنة، وذلك مُقابل توفير خروجٍ آمن له، ودون أن يتعرض للاعتقال، وهو ما رفضه إمام المسجد، الذي شدد على كون المئذنة قائمة بذاتها، خارج المسجد، وليس ثمة مدخل لها من داخله؛ ليلقى القبض عليه، ويُصبح هو من أوائل المتهمين في القضية.

وخلال تلك الأحداث، قتلت قوات الأمن المصري، مالا يقل عن 120 متظاهر، بحسب منظمة العفو الدولية، بينهم «عمار» نجل مرشد جماعة الإخوان المسلمين «محمد بديع»،في الوقت الذي أصدر «التحالف الوطني لدعم الشرعية»، بيانًا أفاد فيه بأن حصيلة القتلى في كافة المحافظات المصرية 213 متظاهرًا. وأفاد موقع «قصة رابعة»، بأن عدد من قتلتهم قوات الأمن، في ذلك اليوم في محيط ميدان رمسيس ومسجد الفتح، لا يقل عن 203 شخص.

لكن في المقابل، حوّلت النيابة العامة، القضية من جنحة «تدنيس مسجد»، إلى محكمة الجنايات،واتهمت معتقلي أحداث مسجد الفتح، بقتل 210 مواطن، بينهم أمين شرطة واحد فقط، دون أن يمثل أي من المسؤولين الأمنيين والتنفيذيين الرسميين أمام المحاكمة، أي أن قرار النيابة يتهم معتقلي الفتح بقتل عشرات المتظاهرين، الذين قُتلوا على يد قوات الأمن يومها.

واعتقلت قوات الأمن 385 من داخل مسجد الفتح، بعد اقتحامه، بحسب بيان رسمي لوزارة الداخلية. ووجهت النيابة العامة للمعتقلين اتهامات، من بينها «تدنيس مسجد الفتح وتخريبه، وتعطيل إقامة الصلاة به، والقتل العمد والشروع فيه تنفيذًا لأغراض تخريبية، والتجمهر والبلطجة، وتخريب المنشآت العامة والخاصة».

وكان اللواء «مدحت المنشاوي»، مُساعد وزير الداخلية، ومدير الإدارة العامة للعمليات الخاصة، المكلف بفض تظاهرات مسجد الفتح، قد صرّح عقب اعتقال المُتظاهرين، بعدم وقوع أي إصابات بين الجانبين، وذلك حين سُئل عن إن كانت هناك إصابات بين الشرطة، فأجاب نصًا: «لا مننا ولا منهم».

هذا ويبلغ عدد المتهمين حاليًا في القضية رقم 4173 لسنة 2013، والمعروفة إعلاميًا بـ«أحداث مسجد الفتح»، وبعد إخلاء سبيل عشرات المتهمين وتبرئتهم، 494 متهم، بينهم 326 محبوسًا احتياطيًا، تعدوا فترة حبسهم الاحتياطي، وصولًا إلى ثلاث سنوات، دون أن تُخلي المحكمة سبيلهم.

ومن بين المعتقلين، الطبيب «إبراهيم اليماني»، الذي كان يعمل في المستشفى الميداني لأحداث ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، وكذلك أحداث مسجد الفتح، والذي أضرب عن الطعام على مرتين، الفترة الأولى امتدت لـ89 يومًا، والثانية امتدت لـ574 يومًا، احتجاجًا على حبسه احتياطيًا إلى الآن، قبل أن يضطر إلى فك إضرابه لتدهور حالته الصحية.

وطلبت هيئة الدفاع عن المعتقلين، من المحكمة، إخلاء سبيل المعتقلين لانقضاء فترة الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، ووصل الأمر للانسحاب في أكثر من جلسة محاكمة، للضغط من أجل إخلاء سبيل المعتقلين، وهو ما لم تنفذه المحكمة.

وعلى العكس، كان من اللافت أن المحكمة أجّلت الجلسات لفترات طويلة، تصل إلى ثلاثة أو أربعة أشهر، وفي السادس من مارس (آذار) الماضي، حددت المحكمة جلسة النطق بالحكم في 29 يونيو (حزيران) الماضي، دون المرافعة عن المتهمين، أو مناقشة شهود الإثبات، بحسب أحد أعضاء هيئة الدفاع، والذي أشار في تصريحات صحافية، إلى أن القضية تأجلت خمس مرات؛ لـ«مناقشة شهود الإثبات الذين لم يحضروا ولم يُغرموا، أو طلب بضبطهم وإحضارهم».

وفي جلسة 29 يونيو (حزيران) الماضية، أجلت المحكمة القضية لأكثر من ثلاثة أشهر، لتُعقد في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول)القادم،لإعادة المرافعة من جديد وندب لجنة ثلاثية لمطالعة الأحراز ، وهو ما قد يمتد لفترة طويلة، في الوقت الذي يُعاني فيها المعتقلون من الحبس الاحتياطي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد