علاء الدين السيد

5

علاء الدين السيد

5

17,207

قد يعتقد البعض أن فكرة أو حلم الأكراد بإقامة دولة كردية مستقلة ذات سيادة لم يسبق لها أن تحققت، كما يحاول الآن إقليم كردستان العراق أن يكون في أعقاب الاستفتاء الذي جرى مؤخرًا. قد يكون هذا الأمر صحيحًا إذا تحدثنا عن القرن الحادي والعشرين، فهذه هي أول مرة يقترب فيها الأكراد من إقامة دولة جزئية لهم، جزئية بمعنى أنها دولة لا تضم كافة المنطقة الجغرافية ذات الأغلبية الكردية، لكنها دولة تقام في جزء جغرافي معين في إحدى الدول المحتوية على تجمعات كردية.

في القرن العشرين قامت عدة دول كردية في مناطق مختلفة، لكن جميعها باءت بالفشل بشكل أو بآخر، لينتهي معها حلم الأكراد الأكبر في دولة كردية شاملة تسع كافة مناطقهم الجغرافية المنتشرة في إيران والعراق وتركيا وسوريا وأذربيجان.

وبدأ الأكراد في التفكير بإنشاء دولة مستقلة لهم مع مطلع القرن العشرين، وتحديدًا في أعقاب هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، إذ وضع الحلفاء المنتصرون تصورًا لوجود دولة كردية في معاهدة «سيفر» عام 1920، لكن هذا التصور تلاشى تمامًا بعد توقيع اتفاقية «لوزان» عام 1923، وهي المعاهدة التي اعترفت بالحدود الحالية للدولة التركية مما لا يسمح بإمكانية إقامة دولة كردية.

نستعرض في هذا التقرير محاولات قيام أبرز الدول الكردية السابقة، ومنها دول بقيت مستقلة بالفعل عدةَ سنوات قبل أن تسحق تمامًا كل المحاولات.

مملكة كردستان في العراق

مملكة كردستان تشير إلى دولة غير معترف بها قصيرة الأجل أعلنت في مدينة السليمانية العراقية بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية. رسميًا، كانت الأراضي المعنية تخضع لولاية الانتداب البريطاني لبلاد الرافدين في ذلك الوقت.

خلال انهيار الإمبراطورية العثمانية، حاول الأكراد في العراق إقامة دولة شبه مستقلة، وفي مناسبة واحدة على الأقل نجحوا في تشكيل «مملكة كردستان»، التي استمرت من سبتمبر (أيلول) 1922 حتى يوليو (تموز) 1924.

ينتمي الشيخ محمود البرزنجي، إلى أسرة كردية عريقة ومشهورة في السليمانية، وفي ذلك الوقت كانت الدولة العثمانية في صراع شرس مع بريطانيا للحفاظ على نفوذها في العراق. هنا، وضع العثمانيون لواء السليمانية بالكامل تحت تصرف البرزنجي عام 1918.

بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، انضم البرزنجي للجانب المنتصر، وقام بتسليم لواء السليمانية والفوج العثماني نهاية عام 1918 إلى بريطانيا، ليكافئه الإنجليز بتعيينه حاكمًا على لواء السليمانية مع رائدين بريطانيين، وهو ما اعتبره غير كافٍ نظير خدماته، كونه كان يتطلع لحكم المزيد من الألوية الكردية.

بدأ البرزنجي ينقلب على الإنجليز، فعينوا بدلًا منه الميجور سون حاكمًا سياسيًا على السليمانية، لكن البرزنجي قام بانقلاب عسكري في السليمانية مستعينًا بقبائل كردية إيرانية، لينجح في زيادة نفوذه، لكن بريطانيا أرسلت حملة عسكرية في يونيو (حزيران 1919) تمكنت من محاصرته حتى وقع أسيرًا لترسله إلى المنفى في الهند.

كانت تركيا تراقب الوضع في شمال العراق عن كثب، وأرادت استغلال الغضب الكردي من عدم إقامة حكم ذاتي لهم للضغط على بريطانيا. أرسلت تركيا حملة عسكرية تمكنت من احتلال مدن كردية. هنا، فكرت بريطانيا في الاستعانة بالبرزنجي من جديد ليقف أمام المد التركي. عام 1922، أعادته من منفاه وعينته حاكمًا عامًا.

نظم البرزنجي صفوف قواته ووسع نفوذه في لواء السليمانية وبدأ يتجه نحو كركوك، هنا بدأ البرزنجي يستشعر أن بريطانيا ستستغني عنه قريبًا لأنها تريده ورقة أيضًا للضغط على الحكومة العراقية للتوقيع على إحدى المعاهدات. بادر البرزنجي بإعلان نفسه ملكًا على كردستان في نوفمبر (تشرين الثاني) 1922، لترسل بريطانيا حملة عسكرية لاستعادة السيطرة منه بعد بضعة شهور.

بعد معاهدة لوزان 1923، أرسلت الحكومة العراقية حشدًا عسكريًا للقضاء على حكم البرزنجي، وتمكن الجيش العراقي من السيطرة على السليمانية في يوليو (تموز) 1924، فلجأ البرزنجي للجبال حيث بدأ يشن حرب عصابات حتى وافقت الحكومة العراقية على مغادرته وأهله إلى إيران عام 1926.

جمهورية كردستان الحمراء

أذربيجان هي دولة مستقلة تقع في منطقة القوقاز، تمكنت من الحصول على استقلالها من روسيا القيصرية عام 1918م، واحتفظت باستقلالها لمدة سنتين فقط، حتى غزتها القوات الروسية من جديد في أبريل (نيسان) 1920م. أقيم فيها في ذلك الوقت نظام حكم تابع للسلطة المركزية في موسكو  لمدة 70 سنة حتى استعادت استقلالها من جديد في 30 أغسطس (آب) 1991.

تأسست جمهورية كردستان الحمراء في بداية عهد لينين في يوليو (تموز) 1923، وكانت جمهورية حكم ذاتي تابعة لحكومة أذربيجان، لكنها استمرت لمدة ست سنوات فقط حين انتهت بشكل تراجيدي عام 1929. عاصمة هذه الجمهورية كانت مدينة لاجين، وكانت تقع داخل منطقة تسمى «ناكورنو قراباغ». هذه المنطقة كانت تضم حوالي 70% أكرادًا.

ونتيجة للكثير من الظروف الصعبة التي كان يتعرض لها الأكراد المتواجدون هناك، أعلن عدد من كبار رموز الأكراد تأسيس منطقة حكم ذاتي عام 1923، بإيعاز من رئيس الاتحاد السوفيتي لينين نفسه. وبالفعل جرى تشكيل المؤسسات الإدارية في الإقليم الجديد، وانتخب أول رئيس للبرلمان وأول رئيس لكردستان السوفيتية.

لم تستمر هذه الدولة فترة طويلة، وكما بارك الاتحاد السوفيتي قيامها، كان هو أيضًا وراء نهايتها. فنتيجة لمعارضة بعض الرموز السوفيتية مثل وزير الشؤون الخارجية لأي «تحرك كردي قد يؤدي إلى إلحاق الضرر بكل من تركيا أو إيران»، جاءت نهاية هذه الجمهورية بعدما تم ترحيل الأكراد من هناك.

جمهورية أرارات

كانت جمهورية أرارات أو جمهورية أرارات الكردية هي دولة كردية أعلنت استقلالها في تركيا. تقع في شرق تركيا، وتركزت في مقاطعة كاراكوس.

أعلنت جمهورية أرارات، بقيادة اللجنة المركزية لحزب «شويبون»، الاستقلال في 28 أكتوبر (تشرين الأول) 1927 خلال موجة من التمرد تصاعدت وسط الأكراد في جنوب شرق تركيا. قاد التمرد الجنرال إحسان نوري باشا، وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1927، جرى تعيين قرية كرد أفا التي تقع بالقرب من جبل أرارات، عاصمة مؤقتة لكردستان.

ووجه حزب شويبون نداءات إلى القوى الكبرى وعصبة الأمم، كما بعث برسائل إلى الأكراد الآخرين في العراق وسوريا لطلب التعاون. لكن هذه المحاولات باءت بالفشل التام بعدما تمكن الجيش التركي من هزيمة هذه الدولة الوليدة التي لم تحظ بأي دعم مالي أو عسكري من القوى الكبرى الدولية أو الإقليمية عام 1930.

جمهورية مهاباد

تأسست هذه الجمهورية في أقصى شمال غرب إيران عام 1946، حول مدينة مهاباد التي اتخذت عاصمة لها، ونشأت هذه الجمهورية نتيجة للخلاف السوفيتي الأمريكي حول إيران، وعلى الرغم من إعلان إيران الحياد خلال الحرب، لكن القوات السوفيتية دخلتها بذريعة تعاطف شاه إيران رضا بهلوي مع هتلر.

عام 1941، كجزء من الحرب العالمية الثانية، احتلت القوات الأجنبية إيران جزئيًا. في الجنوب، تحركت القوات البريطانية، بينما القوات السوفيتية تمكنت من السيطرة على الشمال. كانت المنطقة حول مهاباد غير محتلة في هذا الوقت. في عام 1942، تأسست حركة «كومالا جياني كردستان» الكردية والتي طالبت بمزيد من حقوق الأكراد.

في عام 1945، نشأ الحزب الديمقراطي الكردي (KDP)، وانضم إليه جميع أعضاء حركة كومالا. طالب الحزب بالحكم الذاتي (وليس قيام دولة مستقلة)، والاعتراف بالكردية لغةً رسمية، والمزيد من الحكم الديمقراطي المحلي، وقوانين أفضل للتعامل مع العلاقات بين الفلاحين وملاك الأراضي.

في 24 يناير (كانون الثاني) 1946، أعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني قيام دولة جمهورية كردستان في احتفال في مدينة صقيز، شارك فيه مندوبون من المناطق المحيطة، وأصبح قاضي محمد رئيسًا للإقليم، بينما أصبح مصطفى بارزاني قائدًا عامًا.

في مايو (أيار) من نفس العام، انسحبت القوات السوفيتية من إيران، وتركت الجمهورية الوليدة عرضة للهجوم من قبل القوات الحكومية الإيرانية. وفي ديسمبر (كانون الأول) 1946، أرسلت القوات الإيرانية إلى مهاباد لتقضي نهائيًا على الحكم الكردي في المنطقة، وفي 30 مارس (آذار) 1947، شنق الجيش الإيراني قاضي محمد مع شقيقه.

جمهورية لاجين الكردية

تعد هذه آخر دول الأكراد التي أعلنت استقلالها بشكل فعلي. رغم ضياع حلم الأكراد في أذربيجان بإقامة دولتهم بعد القضاء على كردستان الحمراء، لم تتوقف المحاولات الكردية هناك لإقامة دولة في المنطقة بين أذربيجان وأرمينيا.

شهد عام 1992 إعلانًا جديدًا لولادة جمهورية لاجين الكردية برئاسة ويكيل مُصطفاييف في مدينة لاجين. وجاء هذا بعد أن استولت القوات الأرمينية على لاجين، حيث تم نقل المثقفين والشباب الأكراد الموجودين في أرمينيا إلى لاجين بأذربيجان من خلال حافلات.

ومع ذلك، ومرة أخرى، لم تنجح الدولة وانهارت بسرعة. وفي وقت لاحق، فر مُصطفاييف إلى إيطاليا. وكانت ممارسات الحكومة الأذربيجانية، التي تلقت دعمًا مباشرًا من الأتراك، جنبًا إلى جنب مع الصمت الروسي والمحاولات الأرمينية للسيطرة على المنطقة، هي الأسباب الرئيسية لإحباط المحاولة الكردية، واضطر مُصطفاييف في نهاية المطاف للجوء إلى إيطاليا طلبًا للجوء السياسي.