كرة القدم هي الحرب دون موت. *فرانسواز جيرو

مواجهات المنتخب المغربي في كأس العالم 2018 ضد كل من إسبانيا والبرتغال ستكون الأولى من نوعها على المستوى الكروي منذ 30 سنة، لكنها لن تكون الأولى على المستوى التاريخي، فقد كان التاريخ ساحةً للمواجهات العسكرية الشرسة التي لم تتوّقف طوال آلاف السنين بين المغرب وجيرانه الشماليين، وهو ما يجعل مباراتي المغرب القادمتين في روسيا مليئتين بالرمزية التاريخية.

العلاقات السياسية والتاريخية بين المغرب وجيرانه الشماليين مليئة بالأحداث والمعطيات، فمن جهة تُعتبر الجالية المغربية في إسبانيا ثاني أكبر جالية أجنبية بـ800 ألف مقيم إقامة قانونية، بينما قد يتضاعف هذا الرقم عدة مرّات عند احتساب المقيمين غير النظاميين، كما أنّ قضية مدينتي سبتة ومليلية (الجزيرتان المغربيتان المحتلتان من طرف إسبانيا حتى الآن) تعدّ عائقًا في سبيل تطبيع العلاقات تطبيعًا كاملًا بين البلدين، وساحة للمواجهة الدبلوماسية بينهما في المحافل الدولية كالأمم المتحدة. كل هذه المعطيات تجعل المباريات القادمة بين المغرب وكل من إسبانيا والبرتغال مشحونة بالسياسة والتاريخ.

Embed from Getty Images
الملك المغربي محمد السادس والملك الإسباني خوان كارلوس

 

يصف المحللون الكرويون والمهتمون بشؤون المستديرة المجموعة الثانية في مونديال روسيا 2018، والتي ضمّت كلًّا من المغرب وإسبانيا والبرتغال وإيران بأنّها «مجموعة الموت»، وجاء هذا الوصف بحكم تواجد بطل العالم في النسخة قبل الماضية وأحد المرشحين للفوز بهذه النسخة، والبرتغال بطلة أوروبا، إضافةً إلى المغرب وإيران. لكن خصوصيةً تاريخية أخرى تجعل من هذه المجموعة حقًّا «مجموعة الموت»، كون المغرب يمتلك تاريخًا حافلًا بالحروب والصراعات المريرة مع كلٍّ من إسبانيا والبرتغال، يمتد منذ 146 سنة قبل الميلاد، عندما أطاح الرومان حضارة قرطاجة (شمال أفريقيا وجنوب أوروبا)، وألحقوا مملكة نوميديا التي كانت تضم كلًّا من المغرب والجزائر آنذاك إمبراطوريتهم.

 

غير أن مكوث الرومان لم يطل كثيرًا، فسرعان ما انتفضت ضدهم مملكة النوميديين، ودخلت معهم في حروب عقودًا، إلى أن تخلت الإدارة الرومانية عن مناطق المغرب باستثناء سلا وأكادير سنة 258م، ثم تلاشى الوجود الروماني تمامًا من المغرب خلال القرن الخامس الميلادي، وبعد الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا، سيطر المرابطون والموحدون على إسبانيا، وأقاموا بها ممالك الأندلس في شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا والبرتغال)، لتتمكن الممالك القشتالية الإسبانية في ما بعد من طرد العرب والمسلمين من إسبانيا في نهاية القرن الخامس عشر، ليفرّ الكثير منهم إلى الضفّة الجنوبية في المغرب.

 

في هذا التقرير نجمع لك أبرز المواجهات والمعارك الحربية التي قامت بين المغرب وإسبانيا والبرتغال بعيدًا عن المستطيل الأخضر.

 

1- حرب الملوك الثالثة.. يوم سحق المغاربة ملك البرتغال

 

يحتضن ملعب «لوجنيكي» في العاصمة الروسية موسكو يوم الأربعاء 20 يونيو (حزيران) 2018 ثاني مباراة للمنتخب المغربي في كأس العالم، مباراة ستجمعه مع نظيره البرتغالي الذي يتقاسم مع المغرب تاريخًا مرصعًا بالصراعات والحروب، ومن بين تلك المعارك حامية الوطيس التي نشبت بين المغرب والبرتغال معركة وادي المخازن.

 

يقول محمد الضعيف الرباطي في كتابه تاريخ الدولة السعيدة: إنه بعد سقوط الدولة الوطاسية التي حكمت المغرب الأقصى في القرن الخامس عشر للميلاد، قامت الدولة السعدية على أنقاضها، وبعد وفاة «الغالب بالله» تولى زمام الأمور ابنه محمد الذي سمّى نفسه بالمتوكل على الله، إلا أن سيرته السيئة في الحكم أجبرت عمّه أبا مروان عبد الملك المعتصم بالله على عزله من كرسي العرش، وكان ساعده الأيمن في ذلك أخاه أحمد المنصور الذهبي.

وأمام هذا الصراع على السلطة استنجد المتوكل بملك البرتغال الدون سبستيان من أجل استرجاع حكمه، ووعدهم بالمقابل أن يتنازل للبرتغاليين عن جميع السواحل المغربية، فقام الملك البرتغالي «الدون سبستيان» بقيادة جيشه المتكوّن من 125 ألف جندي، ومزودًا بما يفوق 40 مدفعًا، ويضم إضافة للبرتغاليين 20 ألف إسباني، و3 آلاف ألماني، و7 آلاف إيطالي، بالإضافة إلى جنود المتوكل الذين لم يتجاوزوا 600 جندي.

المغرب وإسبانيا والبرتغال

معركة وادي المخازن مصدر- الصورة: بوابة القصر الكبير

 

حين علم عبد الملك بقدوم سبستيان ملك البرتغال إليه؛ تأهب للقائه وأرسل إلى أخيه أحمد في مدينة فاس يأمره بأن يخرج إليه بجيشه، وأن يتهيأ لحرب فاصلة سيتقرر معها مصير المغرب؛ ليبلغ جيش عبد الملك المعتصم بالله منهم 40 ألفًا.

وأمام هذا الفارق الكبير في موازين القوى، يذكر أبو شوقي خليل في كتابه معركة وادي المخازن: معركة الملوك الثلاثة أن عبد الملك لجأ إلى حيلةٍ لتدارك نقص العدد والعتاد؛ وحاول استدراج جيش سبستيان إلى المكان الذي يحدده هو وجيشه سلفًا، وحين استقر رأيه على اختيار ساحة فسيحة مشرفة على وادي المخازن، كتب إلى سبستيان الذي كان قد اتخذ من مدينة أصيلة (شمال شرق المغرب) مقّرًا لقيادة عملياته: «إني قطعت للمجيء إليك ست عشرة مرحلة، فهلّا قطعت أنت مرحلة واحدة لملاقاتي؟».

 

ظنّ سبستيان أنّ تفوقه العسكري ومدفعيته ستحسم النزال لصالحه، ولم يدرِ أن عبد الملك قد أوقعه في فخّ يصعّب على خيله التحرك بسهولة، كما كانت أعداد الفرسان المغاربة أكبر من البرتغاليين، وتلك كانت نقطة تفوّق الجيش المغربي التي أحسن عبد الملك استغلالها، وهكذا عبر سبستيان جسر وادي المخازن غير مبالٍ بتحذيرات حليفه المتوكل على الله، وخّيم قبالة الجيش المغربي منتظرًا لحظة الحسم.

المغرب وإسبانيا والبرتغال

لوحة تصوّر الملك سباستيان البرتغالي محاصرًا من الجنود المغاربة

 

في صبيحة الاثنين، الرابع من أغسطس (آب) عام 1578م، وقف المعتصم بالله خطيبًا في جيشه في محاولة أخيرةٍ لتحميسهم على مواجهة البرتغاليين، بعدها أصدر أوامره لأخيه أحمد بتخريب جسر وادي المخازن لإعاقة تراجع قوات سبستيان، واحتدم القتال بين الطرفين مخلفًا مقتل الملك البرتغالي سبستيان، كما غرق المتوكل في النهر، ومات عبد الملك المعتصم بالله بعد أن داهمه الموت وهو على ظهر فرسه بعد اشتداد مرضه، لتسمى المعركة بمعركة الملوك الثلاثة.

 

2- سبتة ومليلية.. البرتغاليون والإسبان يتحالفون ضد الجزر المغربية

تعود بداية سقوط كلٍّ من سبتة ومليلية تحت الاحتلال الإسباني إلى تفكّك وتصدّع إمارة بني الأحمر في غرناطة في القرن الخامس عشر الميلادي، خصوصًا أنّ جزيرة سبتة تعتبر قاعدة للحملة التي قادها طارق بن زياد لفتح الأندلس، فانتهز حكّام قشتالة والبرتغال الفرصة للقضاء على الوجود الإسلامي في الأندلس، في ما سمي بحروب الاسترداد، وكانت غرناطة آخر القلاع التي سقطت عام 1492م.

ومع سقوط الأندلس، أطلق بابا الفاتيكان العنان لكلٍّ من إسبانيا والبرتغال للتوسع في سواحل البحر المتوسط، وهكذا سقطت سبتة في يد البرتغاليين عام 1415م، بقيادة الأمير هنري البحّار، الذي كان يهدف إلى القضاء على نفوذ المسلمين في المنطقة، ثم أصبحت المدينة إسبانية عندما تولى الملك الإسباني فيليب الثاني، عرش البرتغال عام 1580. وبعد اعتراف إسبانيا باستقلال البرتغال، تنازلت الأخيرة بمقتضى معاهدة لشبونة عام 1668 عن سبتة لإسبانيا.

المغرب وإسبانيا والبرتغال

سبتة ومليلية- مصدر الصورة: ناظور سيتي

 

أمّا جزيرة مليلية فبقيت تقاوم جيوش الإسبان حتى سقطت عام 1497م، وبعد استقلال المغرب عن إسبانيا وفرنسا عام 1956، احتفظت إسبانيا بسبتة ومليلية، التي أصبحت إقليمًا يتمتع بالحكم الذاتي منذ عام 1995.

وحاول المغاربة استعادة الجزيرتين عدة مرّات، وكانت أبرز هذه المحاولات بقيادة مولاي إسماعيل في القرن السادس عشر الميلادي، إذ حوصرت مدينة سبتة فترة طويلة لكن دون جدوى، كما حاول مولاي محمد بن عبد الله عام 1774 محاصرة مدينة مليلية دون أن يتمكن هو الآخر من تحريرها.

 

3- الريف المغربي هدف الاحتلال الإسباني

كان للخصم الثاني للمنتخب المغربي في كأس العالم، إسبانيا، تاريخٌ حافل من الحروب مع الجارة الجنوبية، المغرب، فيذكر المؤرخ جرمان عيّاش في كتابه أصول حرب الريف أنه مع مطلع القرن العشرين، وتوقيع كلٍّ من فرنسا وبريطانيا سنة 1904 معاهدة «الاتفاق الودي» التي نصّت على تنازل فرنسا لبريطانيا عن حقوقها في مصر، في مقابل اعتراف بريطانيا أن من حق فرنسا «حماية» المغرب، كما قامت إسبانيا في السابع من أبريل (نيسان) سنة 1906، بالاعتراف باستقلال السلطان المغربي، والمحافظة على كيان «المملكة المراكشية» تحت حماية فرنسا، والحرية التجارية للدول الموقعة وغيرها من المسائل، الأمر الذي أثار حفيظة المغاربة ونقمتهم وثورتهم.

إثر هذه الانتفاضة الشعبية من طرف المغاربة على السلطان عبد العزيز، التي أسفرت عن خلعه عن الحكم وارتقى بدلًا منه السلطان عبد الحفيظ، لتنزل القوات الإسبانية على السواحل المغربية مستهدفةً احتلال منطقة الريف عام 1908، وقد استخدمت إسبانيا الغازات السامة في احتلالها الريف، وما زال شمال المغرب يعاني من آثارها إلى اليوم، إذ تسجل في المنطقة أعلى نسب الإصابة بالسرطان في البلاد.

ماذا تعرف عن مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين من قبل إسبانيا؟

4- معركة أنوال.. الخطابي يكسر جيش الإسبان

تعود أحداث المعركة التي شهدتها المنطقة الواقعة ما بين نهر أمقران وجبل غرغيز على مشارف مدينة تطوان، إلى قصة أسطورية بدأت ببضع بنادق تقليدية، في مواجهة الدبابات والطائرات وأحدث ما أنتجته الصناعات الحربية آنذاك، وجيوش وصل تعدادها إلى مئات الآلاف من الجنود، بطلها شيخ ريفي يُدعى عبد الكريم الخطابي.

وبالعودة إلى التفاصيل، يذكر الكاتب علال الفاسي في كتابه الحركات الاستقلالية في المغرب العربي أنّه في 21 يوليو (تموز)1921، وقعت معركة أنوال الشهيرة، وهي المعركة التي اعتمد الثوّار المغاربة فيها -بقيادة عبد الكريم الخطابي- على الغنائم التي ربحوها من قبل. وكانت خطة هجوم الشيخ الخطابي قائد المغاربة في معركة «أنوال» هي مهاجمة الإسبان في وقت واحد ومن جميع الجهات؛ بحيث تُقطع عليهم خطوط الإمداد والاتصال. كما وضع الخطابي عددًا كبيرًا من جنوده في مواضع استراتيجية يمكنهم من خلالها اصطياد الجنود الفارين، فتم القضاء على معظم الجيش الإسباني بمن فيهم الجنرال سلفستر، واعترف الإسبان بأنهم خسروا في تلك المعركة 15 ألف قتيل و570 أسيرًا.

المغرب وإسبانيا والبرتغال

عبد الكريم الخطابي- مصدر الصورة (المختصر المفيد)

كان لمعركة أنوال تأثير كبير في الصعيدين المغربي والدولي، وأصبح ثوار الريف ذوي شأن قوي، ، فقد غنموا في هذه المعركة وحدها أسلحة كثيرة. يقول عبد الكريم في مذكراته: «ردّت علينا هزيمة أنوال 200 مدفع من عيار 75 أو 65 أو 77، وأزيد من 20 ألف بندقية، ومقادير لا تُحصى من القذائف، وملايين الخراطيش، وسيارات وشاحنات، وتَموينًا كثيرًا يتجاوز الحاجة، وأدوية، وأجهزة للتخييم، وبالجملة بَيْنَ عشية وضُحاها، وبكل ما كان يعوزنا لنجهز جيشًا، ونشن حربًا كبيرة، وأخذنا 700 أسير، وفقد الإسبان 15 ألف جندي ما بين قتيل وجريح».

 

المصادر

تحميل المزيد