تشهد الساحة السياسية والفكرية في العالم العربي الكثير من التقلّبات لشخصيات غيّرت خطابها وتوجّهاتها الأيديولوجية عند وصولها إلى كرسي الحكم، و«ارتدّت» عن تلك الشعارات التي رفعتها في زمن النضال فور وصولها إلى السلطة. هذه الظاهرة موجودة في جميع التيارات الفكرية، سواء عند الاسلاميين أو اليساريين أو الليبراليين؛ قد يصفها البعض بـ«خيانة المبادئ» أو بيع الذمم بعد الوصول للسلطة؛ مثلما قد يعتبرها الآخرون واقعية سياسية لا بديل عنها.

اليسار بشكل خاص في العالم العربي، عرف شخصيّات كانت تتغنّى بالطبقة العاملة وتنظيرات ماركس ولينين، لكن سطوة السلطة وصعوبات الواقع عرفت كيف تطوّع هذه الشخصيات من الدعوة إلى الشيوعية إلى الارتماء أحيانًا في أحضان صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة الأمريكية. 

 يتّضح في هذه النماذج الهوّة الشاسعة بين التنظير والتطبيق، أو بين الانتقاد من موقع المعارضة ومواجهة إغراءات السلطة وإكراهاتها، والتي قد تدفع أعتى اليساريين والشيوعيين إلى انتهاج سياسات أفنى كل عمره في التنديد بها. 

1. عبد الرحمن اليوسفي.. من حكم الإعدام إلى رئاسة الحكومة المغربية

في سنة 1998 كان الملك المغربي الحسن الثاني قد أدرك أن أيامه في الدنيا أصبحت معدودة، وأنه حان الوقت للتحضير للحظة انتقال المُلك إلى ولده الملك الحالي محمد السادس. الرجل الذي شهدت مرحلة حكمه فترات عصيبة ومفصلية في تاريخ المغرب، إذ نجا من عدّة محاولات انقلاب، وخاض حروبًا مع الجارة الجزائر ومحاربي «جبهة البوليسارو»، وعرف عهده صعودًا للتيارات اليسارية الراديكالية التي سعت لقلب نظام الحكم والاستيلاء على السلطة من أجل تأسيس جمهورية، ردّ عليها بـ«سنوات الرصاص» التي كانت فترة عرفت بالقمع الشديد للمعارضين من جميع التيارات سواء الإسلامية أو اليسارية. 

Embed from Getty Images

الملك الحسن الثاني

في الطرف المقابل، كان عبد الرحمن اليوسفي، المناضل اليساري الذي بدأ مساره في صفوف الحركة العمالية ثم «حزب الاستقلال» رفقة المهدي بن بركة والفقيه البصري، وبعد ذلك النشاط في «الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية»، أكبر حزب يساري معارض حينها، وهو ما أدى به إلى الصدام الحتمي مع السلطة حينها، إذ حكم عليه بالإعدام غيابيًا ما اضطره إلى اللجوء السياسي في فرنسا.

الملك الذي كان يحضّر لرحيله واستخلاف ابنه في منصبه، وفتح صفحة جديدة للمغرب تتجاوز هذا الإرث القمعي والصدامي مع المعارضة؛ وقع اختياره على «عدو الماضي» وأحد أكبر رموز المعارضة اليسارية في المغرب، من أجل أن يقود ما أسماه الملك المغربي بـ«التناوب التوافقي»، وهو مشروع إصلاحات سياسية تقود بموجبها الأحزاب الحاكمة في الانتخابات البرلمانية الحكومة، باعتبارها خطوة للتهدئة السياسية بعد أكثر من عقد من «سنوات الرصاص» الدموية، وكان المرشّح هو عبدالرحمن اليوسفي رئيس حزب «الاتحاد الاشتراكي».

Embed from Getty Images

عبدالرحمن اليوسفي

وافق المناضل اليساري على دخول الحكومة ليصبح جزءًا من النظام الذي أمضى جل حياته في الصراع معه ومعارضته حتى نال حُكم الإعدام غيابيًا في حقّه. النظام الذي كان طوال فترة الحرب الباردة محسوبًا على المعسكر الرأسمالي، والقريب من الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى سياساته الاقتصادية الليبرالية، إذ عرفت فترة التسعينيات حملة كبيرة من خصخصة الشركات العمومية وبيعها للخواص!

شهدت حياة اليوسفي مسيرة حافلة منذ ميلاده سنة 1924، إذ بدأت مسيرته وسط الحركة العمّالية في المغرب ثم شارك في النضال ضد الاستعمار الفرنسي في الخمسينيات، ليؤسس فيما بعد مع المناضل المهدي بن بركة والفقيه البصري وغيرهم «الاتحاد الوطني للقوّات الشعبية» أكبر الأحزاب اليسارية المعارضة وقتها، ثم حُكم عليه بالإعدام سنة 1975، ليصدر عفو عنه بعدها بخمس سنوات.

مراحل طويلة من الشد والجذب بين اليوسفي وبين النظام الحاكم شهدت انتقاله من صفوف المعارضة إلى رئاسة الحكومة، ليلعب دور صمام الأمان في المرحلة الانتقالية بين الملكيْن الحسن الثاني ومحمد السادس. وبعد سنتين فقط من وصول الأخير إلى العرش الملكي؛ تراجع النظام عن مشروع «التناوب التوافقي» الذي بدأه الملك الراحل، وعيّن محمد السادس بعد انتخابات 2002 وزير داخليته إدريس جطّو رئيسًا للحكومة، رغم فوز حزب اليوسفي في الانتخابات؛ ليغادر اليوسفي السلطة بعد تجربة قصيرة، مُفضِّلا المنفى والصّمت احتجاجًا على التراجع عن المكاسب الديمقراطية التي من أجلها انضم للسلطة، بحسب تعبيره.

2. سعيد بوتفليقة.. «زعيم العصابة» بدأ مشواره مدافعًا عن العمّال

اذا تجوّلت في ساحة جامعة باب الزوار، أكبر جامعات الجزائر، في فترة الثمانينيات والتسعينيات فإنه من غير المستبعد أن تلحظ أستاذًا قصير القامة يخطب بالفرنسية وسط زملائه مرتديًا وشاحه الأحمر، ومندّدًا بالظلم الواقع على الطبقة العاملة ويدعو إلى ضرورة تكاتف العمال والتكتل في النقابات من أجل انتزاع حقوق العمّال.

هذا الرجل سيصبح بعد سنوات قليلة الرجل الأول في النظام الجزائري، إنه سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس بوتفليقة الذي بدأ مشواره في الاتجاه اليساري حينما كان ناشطًا في نقابة أساتذة التعليم العالي، قبل أن تقذفه صدف الحياة إلى أعلى مناصب السلطة التي ندّد بها طويلًا.

بعد وصول بوتفليقة إلى السلطة سنة 1999، عيّن شقيقه سعيد مستشارًا خاصًا وأعطاه مسؤولية إدارة قسم المعلوماتية، نظرًا لتخصّصه في الذكاء الاصطناعي، لكن وبعد مرض الرئيس سنة 2006 وذهابه للعلاج في الخارج، زاد نفوذ الشقيق وأصبح الرجل الأوّل داخل قصر الرئاسة، حيث كان يتدخّل في تعيين الوزراء وإقالتهم، بالإضافة إلى الولاّة والمسؤولين الحكوميين والحزب الحاكم.

أما بعد سنة 2013، حين عاد الرئيس بوتفليقة من مستشفى «فال دوجراس» بفرنسا، وهو على كرسي متحرك لإصابته بجلطة دماغية، أصبح سعيد بوتفليقة هو الرئيس الفعلي للجزائر وصاحب النفوذ الأقوى داخل السلطة.

الرجل الذي بدأ حياته منتميًا لليسار ومنخرطًا في الحركة النقابية داخل جامعة باب الزوار (أكبر جامعة في البلاد)، وعكس المبادئ التي دافع عنها طوال سنوات الشباب والنضال العمّالي، شهدت فترة تحكمه في السياسة الجزائرية ازديادًا استثنائيًا لنفوذ رجال الأعمال المقرّبين من السلطة، مثل علي حداد وعائلة كونيناف وطحكوت وغيرهم؛ إذ أصبح هؤلاء يتدخّلون في القرار السياسي وازدادت ثروتهم في تلك الفترة بصورة لافتة للنظر، كما تورّطوا في قضايا فساد، أُدخلوا بسببها السجن بعد الحراك الشعبي سنة 2019.

ليجد المناضل اليساري الذي بدأ مشواره في العمل النقابي، نفسه في النهاية سجينًا ومتّهمًا بالتآمر على الدولة، بعد سنوات من بلوغه أعلى درجات النفوذ داخل السلطة.

3. يوسف بن علوي.. من الثورة المسلّحة إلى مكتب الوزارة

عندما ترى صورة وزير الخارجية العماني السابق يوسف بن علوي في الزي العماني التقليدي يتوسّطه الخنجر الفخم؛ قد تظنّ أن هذه الشخصية قد كبرت في القصور الملكية الفخمة وسط الخدم والحشم؛ لكن الواقع أن هذا الوزير الذي كان يعدّ أحد أهمّ الشخصيات السياسية في البلاد بعد السلطان الراحل قابوس، قد بدأ مشواره ثائرًا اشتراكيًا يحمل السلاح ضد النظام، وقائدًا لواحدة من أبرز الثورات المسلحة في منطقة الخليج العربي، التي تعرف بـ«ثورة ظفار».

ياجبل صرفيت ياخط لحمر

يامقابر للجيوش العميلة

هكذا نمحي عدو المسيرة

 بالمدافع و القنابل نديرة

*إحدى الأغاني الثورية لثورة ظفار

مطلع ستينيات القرن الماضي، كان الخليج العربي يحبس أنفاسه على وقع ثورة مسلّحة انطلقت من المناطق الجنوبية لعُمان، بالتحديد في إقليم ظفار، وذلك بسبب تراكم عدّة أسباب دفعت الظفاريين إلى حمل السلاح ضد السلطان سعيد بن تيمور والتوجد البريطاني، كغلاء المعيشة وارتفاع الضرائب وحالة التخلّف التي كانت تعيشها السلطنة، بالإضافة إلى التأثر بالمدّ العربي القومي الذي قاده الرئيس المصري جمال عبدالناصر وجوّ حركات التحرر في العالم الثالث.

جبهة «تحرير ظفار» التي قادت الحراك المسلح ضد نظام السلطان العماني، سرعان ما تحوّل طموحها إلى تحرير الخليج العربي كلّه من التبعية والرجعية بحسب وجهة نظرها، لتغيّر تسميتها إلى «جبهة تحرير الخليج العربي المحتلّ»؛ وقد لقيت احتفاءً ودعمًا كبيرًا من النشطاء والمثقفين اليساريين العرب في حينها، باعتبارها تجربة نادرة في منطقة الخليج الهادئة نسبيًا.

Embed from Getty Images

يوسف بن علوي، وزير الخارجية العماني الذي استمرّ في منصبه طوال 23 سنة، كان من بين القيادات الثورية لثورة ظفار بحسب المؤرّخ فواز طرابلسي؛ وقد كان يعمل مراسلًا في صفوف الثورة لصالح إذاعة صوت العرب، لكنه انفصل عن الحركة بعد مؤتمر حمرين وذلك بسبب توجّه الحركة الذي كان يدعو إلى تصدير الثورة إلى الخليج بأكمله، بينما كان يرى هو حصر العمل المسلح في حدود ظفار.

بعد انقلاب السلطان قابوس – ذي الأم الظفارية – على والده، استطاع السلطان العماني الجديد دمج العديد من القيادات الشيوعية لثورة ظفار داخل مؤسّسات الدولة وأعلن الأمان لكل من يلقي السلاح؛ ليتحوّل بعض أعتى محاربي النظام إلى أقرب المقرّبين من السلطان، ومن بينهم ابن علوي.

4. عبدالله حمدوك.. من الحزب الشيوعي إلى مفاوضات «صندوق النقد»

يتجه سودان ما بعد الثورة التي أطاحت حكم الرئيس عمر البشير سنة 2019، لانتهاج سياسات اقتصادية ليبرالية، كما تجري الحكومة الانتقالية المنبثقة عن اتفاق بين العسكريين والمدنيين، اتفاقيات مع «صندوق النقد الدولي» لإجراء إصلاحات هيكلية داخل النظام، مقابل الاستفادة من القروض المتوقعة. إلى هنا قد يبدو كل شيء طبيعيًا باعتبار أن السودان يعيش أزمة اقتصادية خانقة، لكن المفارقة في الموضوع هو أن الحكومة المشرفة على هذه التوجهات الليبرالية، كان رئيسها يومًا عضوًا في الحزب الشيوعي.

Embed from Getty Images

 عبدالله حمدوك

من محافظة كردفان الجنوبية بالسودان، قدم الطالب عبدالله حمدوك إلى جامعة الخرطوم للدراسة بكلية الزراعة، معقل النشاط السياسي والفكري في البلاد، وسرعان ما جذبه الخطاب اليساري الذي كان سائدًا في فترة السبعينيات حينها، ليجد ضالته في الحزب الشيوعي ويناضل في صفوفه خلال سنوات الشباب. انخرط حمدوك مع اليساريين وكانت النتيجة الحتمية الصدام مع السلطة، ليستقيل حمدوك من الحزب الشيوعي بعد محاولة الانقلاب عام 1989.

عربي

منذ شهرين
الشيوعي الجنوبي الذي وصل للسلطة.. لماذا غير حمدوك أفكاره؟

تعكف حكومة حمدوك الآن على تطبيق برنامج «إزالة التمكين» وهي عملية تهدف لفصل المنتمين إلى النظام السابق عن الأجهزة السياسية للدولة، واسترجاع أموال السودان المنهوبة، وذلك باعتباره توجهًا مضادًا للحملة التي أطلقها الرئيس السابق البشير بعد انقلابه العسكري سنة 1989، والتي فصل فيها العديد من الكوادر بذريعة اتتمائهم لمنافسيه من الشيوعيين، وللمفارقة؛ كان حمدوك أحد هؤلاء المفصولين.

حمدوك الذي تقلد العديد من المناصب داخل أجهزة الدولة من بينها وزارة المالية، ثم انتقل للعمل في عدّة هيئات دولية، من بينها الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، والذي بدأ شبابه في صفوف الحركة اليسارية التي أسسها عبد الخالق محجوب ورفقاؤه، والتي كانت تؤكد على معاداة الإمبريالية وتنشد العدالة الاجتماعية وغيرها من التوجهات اليسارية؛ يقود اليوم حكومة تحرص على رفع الدعم وتحرير الأسعار والاقتراض من المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي!

المصادر

تحميل المزيد