مع انحناءة رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة «تيريزا ماي» رسميًّا لملكة بريطانيا، يكون القصر الملكي البريطاني قد استقبل الرئيس الـ13 للحكومة، والذين كان أولهم «ونستون تشرشل».

لكن تيريزا ماي، تستقبلها بريطانيا وسط ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية مصيرية، لا تقف عند بدايات تولي ماي لهذا المنصب دون انتخابات، ولا عند الخوف من مصير بريطانيا بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، إذ إن ملفات عديدة في حقيبة هذه الحكومة ينتظر البريطانيون تعامل حكومتها معها.

«مارجريت تاتشر الجديدة».. كلاسيكية صارمة

المرأة الثانية التي ترأست الحكومة البريطانية بعد «مارجريت تاتشر»، وثالث سياسي بريطاني يعتلي كرسي رئاسة الوزراء دون انتخابات رسمية، فقد أصبحت المرشحة الوحيدة لخلافة كاميرون إثر انسحاب منافستها وزيرة الدولة للطاقة «أندريا ليدسوم» من السباق على زعامة «حزب المحافظين».

إنها السياسية البريطانية «تيريزا ماي» التي ولدت في عام 1956، بمدينة إيستبورن البريطانية، ماي هي ابنه القس المتدينة التي تذهب للكنيسة كل أحد، وهي الصارمة كجدها العسكري، درست الجغرافيا في جامعة أوكسفورد، لكن فترة اشتغالها بالاقتصاد، اقتصرت على العمل فترة معينة في مصرف إنجلترا، إذ سرعان ما التحقت بالعمل السياسي العام 1986.

أبزر محطات عملها السياسي، هي توليها وزارة الداخلية البريطانية عام 2010، عندما أصبح كاميرون رئيسًا للحكومة، إذ كافأها بتسليمها حقيبة الداخلية، وبقيت فيها حتى عام 2015. أما في محطاتها السياسية مع حزب المحافظين البريطاني يمكن القول إنها من النخبة النسائية القيادية للحزب، فخلال عامي 2002 و2003 كانت المرأة الأولى التي تتسلم الأمانة العامة لحزب المحافظين.

توصف ماي بأنها تفتقد إلى الجاذبية والدفء الإنساني، وإلى القدرة على التواصل، وبقي الانطباع حاضرًا عنها حتى بعدما نشرت صورها الشخصية، وهي تتأبط ذراع زوجها المصرفي فيليب جون ماي. ومع ذلك يذكر أن من صفاتها الكفاءة والحزم الشديد، لذلك شُبهت بأنها «مارجريت تاتشر الجديدة». تقول ماي التي تحرص دائمًا على أن تبدو كلاسيكية في ثيابها: «أنا لا أجول على محطات التلفزة، ولا أحب الثرثرة خلال الغداء، ولا أحتسي الكحول في حانات البرلمان، ولا أوزع العواطف المجانية. أنا أقوم بعملي لا أكثر ولا أقل».

وسرعان ما شكلت ماي حكومتها، فبينما حافظ مايكل فالون على منصبه وزيرًا للدفاع، تولى رئيس بلدية لندن السابق «بوريس جونسون» وزارة الخارجية، وأمبر رود وزيرة للداخلية، كما غادر فيليب هاموند الخارجية ليصبح وزيرًا للمالية بدلًا من جورج أوزبورن.

الخروج من الاتحاد الأوروبي «على مهل»

»نصيحتي لخليفتي، المفاوضة البارعة هي محاولة الإبقاء على أوثق صلة ممكنة بالاتحاد الأوروبي، لمصلحة التجارة والتعاون والأمن»، هكذا خاطب رئيس الوزراء البريطاني المستقيل ديفيد كاميرون، تيريزا ماي، التي تولت رئاسة الوزراء بعده، فكاميرون الذي استقال بسبب رفض البريطانيون البقاء في الاتحاد الأوروبي، أيقن أن على ماي جهدًا كبيرًا في الحد من الضرر الذي سيلحق بالتجارة والاستثمار البريطانيين، بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.

قبل الاستفتاء الشعبي، كانت ماي مؤيدة لبقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، لكنها أعلنت أنه لا عودة للوراء بشأن نتيجة الاستفتاء، ففي التشكيلة الوزارية لها، استحدثت حقيبة وزارية مهمتها الإشراف على مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي، وأسندتها إلى دايفيد دايفيس.

ومع هذا، إلا أنّها لم تتسرع في الاستجابة للضغوط الدافعة نحو بدء المفاوضات سريعًا على شروط انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إذ قالت إنها لن تسمح باستعجالها لتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة؛ للبدء في مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي قبل نهاية 2016. وأكدت أنها ستعمل على وضع خطة للانسحاب من الاتحاد، وإقامة علاقات تجارية جديدة مع أوروبا، وبقية العالم.

هل تنقذ تيريزا ماي الاقتصاد البريطاني من مشاكله؟

بمجرد إعلان شغل تيريزا ماي لمنصب رئيس الوزراء، تعافى الجنيه الإسترليني بقوة، وسجل الثلاثاء الماضي أكبر مكاسب ليوم واحد منذ أكثر من ثلاث سنوات، إذ إن ماي المؤيدة لسياسة السوق الحر، فتحت شهية المستثمرين لحد ما في مختلف الأسواق، واستبشروا خيرًا في أن تقدم الدعم، وتوفر الطمأنينة للاقتصاد البريطاني.

ومع هذا، لا يمكن إغفال أن أهم ما يواجه ماي من تحديات اقتصادية، هو تقليص التبعيات الاقتصادية بعد فصل بريطانيا عن قوانين الاتحاد الأوروبي، إذ تعي ماي أن إحساس البريطانيين بما يُسمى «الغبن الاقتصادي»، هو السبب الرئيسي وراء تصويت كبار السن والعمال والعاطلين عن العمل وغير الجامعيين، لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد بسبب فقدانهم الأمان الوظيفي، وتواجه ماي مشكلة إعادة الثقة في الاقتصاد البريطاني، وتقوية سعر صرف الجنيه الإسترليني بعد تدهور قيمته خلال الأسابيع الماضية، وعليها ترتيبات علاقات تجارية جديدة مع دول الاتحاد الأوروبي.
ورغم أن وزير الخزانة جورج أوزبورن، غرّد على تويتر قائلًا إنّ «الاقتصاد والأعمال في المملكة المتحدة وحول العالم تحتاج إلى اليقين، لذلك هو في مصلحة الجميع تولي تيريزا منصب رئيس الوزراء خلال الأيام المقبلة»، إلا أنّ ماي الموصومة بمواقفها التسلطية وصرامتها، انتقدت سياسة إهمال حل مشاكل الإنتاجية في بريطانيا، من قبل أوزبورن نفسه، واقترحت أن تستخدم سندات المشاريع الحكومية المدعومة بالخزانة البريطانية في تطوير البنية التحتية، ودعت إلى تبني إستراتيجية صناعية، وخطط لتطوير المدن البريطانية، بدل سياسة التركيز على تطوير مدينتين فقط هما: (لندن ومانشستر).

ولم تنس ماي الطبقة الفقيرة في بريطانيا، إذ شددت على أهمية العمل العدالة الاجتماعية التي دعمها كاميرون، وقد وجهت حديثها إلى الفقراء والطبقة العاملة والشباب والنساء. وقالت إن «الحكومة التي سأقودها لن تحركها مصالح قلة ثرية، بل مصالحكم أنتم»، وهي تطالب بضرورة تمكين الشركات البريطانية من الوصول إلى السوق الموحدة وفقًا لمبدأ حرية حركة الأشخاص والبضائع، لكن مع ضبط الحدود، ومنع تدفق المهاجرين من أوروبا.

تمنع دعاة مسلمين من دخول بريطانيا

«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»، قُرأت هذه الآية القرآنية على لسان تيريزا ماي، عندما كانت وزيرة للداخلية البريطانية، خلال خطاب لها في اجتماع لحزب المحافظين.

ماي التي هدفت بقراءة هذه الآية التأكيد على أن الإسلام دين سلام وليس دين عنف، انتهجت سياسة متشددة جدًّا ضد المهاجرين من الدول العربية، وضد الدعاة المسلمين الذين يعرفون بالاعتدال، وفي تطبيق هذه السياسة اتخذت خلال مناصبها الحكومية عدة إجراءات، فكانت وراء جهود مكافحة ما يعرف بـ«التطرف الإسلامي»، ومن ضمن إجراءات هذه المكافحة كان برنامج اقتضى تحويل المدرسين إلى عملاء سريين، حيث يطلب البرنامج من المدرسين، إبلاغ الشرطة عن أي آراء أو تصرفات «مشبوهة» للطلاب، وقد اتضح أن أكثر من 90% من البلاغات التي وصلت للشرطة ضمن البرنامج غير صحيحة، وهذا ما عرض ماي إلى انتقادات منظمات حقوق الإنسان.

ماي غير بعيدة عن الصراع الدائر في سوريا، منذ أكثر من ثلاث سنوات، حذرت من الخطر الذي يشكله تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على بلدها، وقد سعت إلى إقرار قانون يحرم المواطنين البريطانيين من جوازات سفرهم لمنعهم من الانضمام للتنظيم، وتصدت لظاهرة سفر الشباب البريطاني المسلم إلى سوريا والعراق للانضمام إلى صفوف تنظيم الدولة، ونزع الجنسية عن أولئك الذين يثبت سفرهم إلى سوريا والعراق. وسنت قانونًا لمكافحة الإرهاب الذي ينص على «الاستبعاد المؤقت» من العودة إلى بريطانيا.

وقفت ماي بقوة وراء قضية اعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، كما وقفت وراء منع الداعية المسلم الشهير ذاكر نايك، من دخول بريطانيا لمدة خمس سنوات، بدعوى «تحريضه على الإرهاب»، الأمر الذي نفاه نايك خلال استضافته في برنامج بلا حدود على قناة الجزيرة، في 13 يوليو (تموز) 2016، كما وقفت ماي وراء عملية ترحيل الأردني عمر محمود عثمان المعروف بـ«أبي قتادة» إلى الأردن، بتهمة تتعلق بـ«أعمال إرهابية» إلا أن القضاء الأردني برأه من التهم المنسوبة إليه؛ فأطلق سراحه، حتى أن الشيخ رائد صلاح لحق أيضًا به قرار حظر من دخول بريطانيا أصدرته تيريزا ماي بدعوى أنه يدعم الإرهاب، وبأنه ألف قصيدة معادية للسامية، لكن الشيخ رائد دخل بريطانيا وأفرج عنه عندما وضعته ماي تحت الإقامة الجبرية والرقابة المشددة لعدة شهور، وذلك بقرار محكمة عليا خاصة بالهجرة أثبت أن «تيريزا ماي كانت تحت تأثير إساءة فهم للحقائق، وأن الشيخ لم يشكل أي تهديد على البلاد».

يقول الصحافي البريطاني بيتر أوبورن، إن «أكثر سياسات تيريزا ماي إثارة للجدل هي إستراتيجية ما يعرف بمشروع بريفينت (أي أمنع)، والذي صمم للحيلولة دون انجذاب الفتيان والفتيات نحو الإرهاب. الفرضية الأساسية التي تقع في القلب من مشروع بريفينت هي ربط العنف الإسلامي بمجموعة واسعة من الأفكار والسلوكيات التي لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالعنف«. ويردف قائلًا: «خضع كثير من المسلمين للتحقيق من قبل السلطات، بينما لم يصدر عنهم أي فعل خاطئ على الإطلاق، ولذلك، يُعذر المسلمون حين يشعرون بالقلق الشديد إزاء تولي تيريزا ماي منصب رئيس الوزراء في بريطانيا. بل، ينبغي للبلد بأسره أن يشعر بالقلق إزاء ذلك».

ماي.. سياسة مستقبلية مقلقة تجاه الهجرة واللاجئين

تتبنى رئيسة الوزراء البريطانية سياسة صارمة ضد الهجرة واللاجئين، وقد أعلنت صراحة أن «الهجرة تعرقل بناء تماسك المجتمع» عندما كانت وزيرةً للداخلية، واعتبرت أن اللاجئين تسببوا في أن «الكثير من البريطانيين يضطرون إلى العمل بأجور منخفضة أو حتى عاطلين من العمل«.

لذلك دعت -وما زالت- إلى ضرورة ضبط الحدود، وإصلاح قوانين الهجرة، ولم تتوان ماي عن اتخاذ إجراءات ردع للحد من تدفق المهاجرين إلى بريطانيا، إذ منعت مواطنين بريطانيين يقل دخلهم السنوي عن 18.600 جنيه إسترليني من جلب أزواجهم الأجانب أو أطفالهم إلى بريطانيا، ووصل الأمر بها إلى اقتراح قانون تجسس يلزم جميع شركات الهاتف النقال والإنترنت بتخزين الصفحات التي يفتحها أي زبون.

ووصفت إجراءات ماي المثيرة للجدل، والمتعلقة بالهجرة بالمتسلطة في طبيعتها، تقول «لوكي والكير» التي تعتني باللاجئين في لندن: «سياسة تيريزا ماي أفسدت حياة المهاجرين في هذا البلد بشكل عملي ومباشر». وأضافت: «ونظرًا لمعاداة الأجانب المتزايدة بشكل عام ينتابني قلق كبير تجاه سياستها المستقبلية كرئيسة وزراء«.

 

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!