المشهد الأول: أنباء تصل إلى الملك فاروق -آخر ملوك المملكة المصرية- تثير غضبه وتفجر ثورته، وتؤرق ليله ونهاره، وبالرغم من أن هذه الأنباء شأن شخصي وأسري، إلا أن عدم قدرته على التعامل معها، يدفعه لدعوة مجلس البلاط الملكى إلى الانعقاد برئاسة الأمير محمد علي، ابن الخديوي محمد توفيق، وشقيق الخديوي عباس حلمي، والوصيّ على عرش مصر لحين بلوغ الملك فاروق السن القانونية لتولي الحكم.

انعقد المجلس لبحث الأنباء التي وردت إلى فاروق، وكانت النتيجة هذا الانعقاد اتخاذ إجراءات مُشددة تشمل حرمان الملكة نازلي (والدة الملك فاروق) والأميرة فتحية (أخته) من كافة الألقاب الملكية؛ إضافة إلى مُصادرة جميع مُمتلكاتهما في مصر، إذ كان ما فعلته الملكة نازلي والأميرة فتحية صدمة للعائلة المالكة بكل المقاييس، صدمة ترقى لمستوى الكارثة، وبالرغم من أن البلاط الملكي طلب عودة الملكة وابنتيها فتحية و فائقة إلى مصر، إلا أن الأميرة فائقة هي التي استجابت وعادت في 21 مايو (أيار) سنة 1950، بينما لم تظهر الملكة والأميرة فتحية تراجعًا عمّا أقدمتا عليه، ولم تلبيا رغبة البلاط الملكي بالعودة إلى مصر.

المشهد الثاني: بعد مضي نحو 26 عامًا على القلق والغضب البالغين اللذين خيما على القصر الملكي في مصر، يُعثر على جثة الأميرة السابقة فتحية فؤاد الأول، والبالغة من العمر 45 عامًا آنذاك، وأعلنت الشرطة الأمريكية أنها أُصيبت برصاصة في رأسها.

بين المشهدين السابقين تقع قصة مُتعددة الأحداث، هي قصة زواج الأميرة فتحية، التي كانت سببًا مُباشرًا في هذين المشهدين السابقين.

عبد الرحمن الجبرتي.. شيخ أرّق محمد علي حيًا وميتًا

«أتي» تجد فتى أحلامها ولا تعبأ بالجالس على العرش

كان «أتي» هو الاسم الذي كانت تُنادي به العائلة المالكة المصرية ابنتها الأميرة فتحية، التي ولدت في 17 ديسمبر (كانون الأول) عام 1930، وكانت الابنة الصغرى بين أبناء الملك فؤاد الأول والملكة نازلي، وبحكم كونها الصُغرى كانت الأميرة فتحية مُدللة للغاية من أبيها الملك، وكانت أيضًا من أكثر أبنائه قُربًا منه. الأميرة فتحية كانت البطلة لحدث من أكثر الأحداث المُحرجة في حياة أخيها الملك فاروق، وهو الحدث نفسه الذي تسبب في إنهاء حياتها بنهاية مأساوية، هذا الحدث هو زواج الأميرة من رياض غالي، أمين المحفوظات في القنصلية المصرية بمارسيليا.

الأميرة فتحية في سن صغيرة

بدأت القصة عندما سافرت الأميرة فتحية مع أمها الملكة نازلي وشقيقتها الأميرة فائقة إلى أوروبا، وخلال هذه الرحلة التقت الملكة نازلي للمرة الأولى برياض غالي، الذي كلفته القنصلية المصرية ليكون في خدمة الملكة، ويُشرف على نقل حقائبها هي والأميرات، إلا أن غالي كان من الذكاء بصورة مكنّته من ألا يقتصر دوره في حياتهن على هذه المُهمة فقط، فخلال فترة وجيزة استطاع التقرب بشكل كبير من الملكة نازلي، وظل مُلازمًا لها خلال كل تنقلاتها، فخلال جولتها من سويسرا إلى فرنسا إلى إنجلترا إلى الولايات المُتحدة الأمريكية؛ كان غالي بُصحبة الملكة.

قرب غالي الدائم من الملكة وعلاقته الوطيدة بها، سمح له بمُحاولة التقرب أيضًا إلى الأميرات الصغيرات، ومحاولاته تلك لاقت استحسان الأميرة فتحية، التي رأت فيه صورة مُجسدة لفتى أحلامها، وتوقعت أنها الآن فقط حصلت على حب حياتها، لكن العائق بين غالي وفتحية لم يكن فقط كونها أميرة في العائلة المالكة، وهو موظف بالحكومة المصرية، بل كان هناك عائق آخر أقوى من هذا؛ فرياض غالي يدين بالديانة المسيحية، وهو ما سيُسبب حرجًا للملك في مصر.

حينما طارت الأنباء إلى مصر استشاط الملك فاروق غضبًا، وانصب غضبه بشكل خاص على أمه؛ لأنها تسببت في هذه العلاقة من الأساس، ورأى بعض الحكماء المُقربين من البلاط الملكي أنه يُمكن لبعض الشخصيات المصرية المهمة أن تتوسط لدى الملكة أو ابنتها الأميرة الصغيرة لإنهاء هذه العلاقة، لكن الملكة لم تودّ الاستماع إلى أحد.

«نازلي» تبارك علاقة الحب وترعاها

من جهة أخرى، كانت الملكة نازلي تنظر إلى الأمر بمنظور أنثوي بحت، لا يُلقي حُسبانًا لكرسي الحكم، ولا للسياسة، ولا لاختلاف الأديان، إذ كانت ترقب الحب وهو يُزهر في قلب ابنتها الصغيرة، ويُشعل في عينيها بريقًا لم تعشه هي، فقد حُرمت الملكة من الحب، وتعرضت لظروف حياة صعبة؛ فبعد وفاة والدتها أُرسلت إلى مدرسة داخلية في فرنسا، وعند عودتها أُجبرت على الزواج من ابن عمها التركي خليل صبري، الزيجة التي لم تستمر أكثر من 11 شهرًا، بعدها انخرطت نازلي في علاقة عاطفية مع سعيد زغلول أخي الزعيم الوطني سعد زغلول، لكن هذه العلاقة أيضًا لم تستمر طويلًا.

رأى الملك فؤاد نازلي للمرة الأولى في عرض بدار الأوبرا المصرية في القاهرة، أُغرم بها رغم أنه كان يكبرها بنحو 25 عامًا، وتم الزواج، الذي كان الزواج الثاني لكل منهما، فالزيجة الأولى للملك فؤاد كانت من أميرة مصرية من منزل محمد علي باشا، بعد الزواج تعرضت نازلي لضغوط كبيرة مُطالبة إياها أن تلد وريثًا للعرش، وأنجبت بالفعل الأمير فاروق، وأربع أميرات هنّ: فوزية وفايزة وفائقة وفتحية.

الملك فاروق مع أخواته الأربعة في رحلة تزلج

انحصرت حياة نازلي في القصر، ولم يُسمح لها بالخروج إلا في مُناسبات مُعينة مثل عروض دار الأوبرا، وبالرغم من أن الملكة كانت لديها أفكار قوية حول المرأة ومكانتها في المُجتمع، إلا أن تلك الأفكار كُبلت بالإحباط بسبب القيود التي فرضها عليها زوجها، وزُعم أن الملك فؤاد كان يُسيء مُعاملتها، وأنها قد حاولت الانتحار.

الإحباطات التي تعرضت لها الملكة في الحب لم تقف عند هذا الحد، فبعد وفاة الملك فؤاد في عام 1936، أصبح ابنها فاروق ملك مصر الجديد، وأصبحت الملكة الأم، لكن هذا لم يُعطها حُريتها أيضًا، فقد تردد وجود علاقة عاطفية ربطت بين نازلي ومستشار الملك أحمد حسنين باشا، وهي العلاقة التي قيل إن الملك فاروق قد رفضها بشدة، واعتبر الأمر خيانة لذكرى والده، ثم لم تلبث أن تحطمت آمال الملكة في الزواج من الرجل الذي أحبته، بعد مقتل أحمد حسنين باشا في حادث سيارة.

رُبما كانت كل هذه المُعاناة التي مرّت بها نازلي جعلتها مُستعدة للتضحية بأي شيء مُقابل ألا تئد هذه العاطفة في قلب ابنتها وتحرمها منها، لذلك استمرت الملكة في تشجيع العلاقة التي نشأت بين غالي وابنتها الأميرة فتحية، وعجلت بزواجهما.

وبالفعل عقد الزواج المدني بسان فرانسيسكو في 10 مايو عام 1950، وكانت الأميرة فتحية لم تتجاوز العشرين عامًا من عُمرها، وخلال ست سنوات كانت الأميرة قد أنجبت أبناءها الثلاث: رفيق ورائد ورانيا.

فيما كانت تحوم الشائعات في مصر حول الملكة وابنتها، فقيل إن الملكة قد تنصّرت، وأنها كانت تداوم على زيارة الكنيسة في أمريكا وتُمارس الطقوس الكنسية، وأنها دُفنت في مقابر مسيحيين بعد وفاتها، وترددت الشائعات أيضًا حول وجود علاقة عاطفية ربطت بين الملكة نازلي نفسها ورياض غالي، وذلك بسبب القرب الشديد الذي كان بينهما والذي لاحظه الجميع، وبالرغم من زواج رياض غالي من ابنة نازلي إلا أن الشائعات ظلت تلاحقهما.

شائعات وأقاويل حول الملكة وزواج ابنتها

حول أقاويل تنصر الملكة وزيارتها للكنيسة في أمريكا ومُمارستها الطقوس الكنسية، ترد راوية راشد كاتبة مُسلسل «ملكة في المنفى» لصحيفة «الاتحاد» الإماراتية: «اعتمدت في رحلتي البحثية بتاريخ نازلي على الوثائق الأجنبية بشكل رئيسي؛ لأن كل ما كُتب عنها بالعربية لم يكن محايدًا ولا منصفًا، وخلال فترة وجودي بأمريكا ظللت أبحث وأدقق في تفاصيل حياتها، وتوصلت إلى أن ما قيل عن أن الملكة تنصرت غير حقيقي، فلا توجد وثيقة تثبت أنها غيرت ديانتها، ولكن الثابت أنها مُسلمة عاشت في المجتمع الأمريكي بعد سفرها وليس هروبها كما يُردد البعض، وكانت نازلي تحتاج إلى زراعة كلى لذلك اختارت أمريكا».

وحول ما أثير عن ذهابها إلى الكنيسة مع رياض غالي زوج ابنتها فتحية، تقول راوية: «ذهابها لأمريكا كان بعد إجماع الأطباء في مصر وفرنسا على أنها ستموت، وتقرر سفرها إلى مستشفى (هيوستن) في الولايات المتحدة، وكانت الحالة رقم 12 التي تجرى لها تلك العملية في ذلك الوقت، وكان رياض غالي يذهب إلى الكنيسة كل يوم ويُشعل شمعة للسيدة العذراء طالبًا شفاء الملكة، فذهبت معه في إحدى المرات وأشعلت شمعة لروح العذراء، وهذا لا يعني أنها تنصرت».

Embed from Getty Images

الملكة نازلي والأميرتان فتحية وفائقة

أما عن دفنها في مقابر المسيحيين، فتوضح الكاتبة أن هذه المقابر هي التي كانت موجودة وقتها في أمريكا، حيث لم تكن هناك مقابر للمسلمين.

وقد توصلت راوية إلى أن غالي نفسه لم يستمر على ديانته، فتقول عن ذلك: «أعلن غالي إسلامه على يد شيخ باكستاني، وهناك وثيقة تؤكد ذلك، وتزوج من الأميرة فتحية بوثيقة قران على يد الشيخ الباكستاني نفسه، وأرسلت هذه الوثيقة إلى قصر عابدين باعتبارها وثيقة إسلامية، ورفض الملك فاروق هذه الزيجة سببه أن رياض ليس أميرًا، وأنه تزوج أخته من دون علمه ورضاه».

بداية النهاية.. كيف انطفأ وهج الحب؟

لم تقتصر مكاسب غالي من علاقته بالملكة على زواجه من الأميرة الصغيرة فقط، ولكن بعد الزواج بدأت مكاسبه المادية أيضًا، فقد حصل غالي على تفويض كامل من نازلي وفتحية بالتصرف في شؤونهما المادية، ولكنه خسر الكثير من المال في استثمارات فاشلة، وانتهى الأمر إلى إعلان الملكة نازلي إفلاسها عام 1974 بعد تراكم الديون عليها.

في البدء عاشت الملكة وابنتها الأميرة حياة فاخرة في «بيفرلي هيلز»، وعندما بدأت الأموال في النفاد، أُجبرتا على بيع بعض مجوهرات العائلة للعيش في ظروف أقل رفاهية في «سانتا مونيكا»، وفي وقت لاحق بشقة في غرب «هوليوود».

هنري الثامن.. ملك إنجلترا «المؤمن» الذي تزوج 6 سيدات وشنق بعضهن

لم تقف نهاية قصة الحب عند حد طلب الأميرة فتحية الانفصال عن غالي عام 1973، ورغبتها في العودة إلى مصر، ولكن النهاية الحقيقية أتت في شهر ديسمبر عام 1976، حين ذهبت الأميرة السابقة إلى منزل زوجها السابق لاسترداد بعض ملابس والدتها، فوجدته في حالة سكر، وعندما رأها رفض مُغادرتها وحاول أن يمنعها عن الخروج من المنزل، وأمام إصرار فتحية على الانصراف أطلق عليها الرصاص، لتستقر نحو خمس رصاصات في رأس فتحية وتقتلتها على الفور، وحاول غالي الانتحار بعدها بإطلاق النار على رأسه لكن تم إنقاذه بصعوبة، وتسبب إطلاقه النار على رأسه بإصابته بالعمى والشلل، ثم بدأت بعد ذلك أحداث مُحاكمته التي حُكم فيها عليه بالسجن مدة 15 عامًا، قضى منها عامًا في السجن، ويُقال إنه قضى نحو ثلاث سنوات ثم توفى.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد