«الداخل إليه مفقود، والخارج منه مولود، والقابع فيه يتعرض لموت بطيء خلف زنازينه المظلمة الصماء، وبواباته الحصينة السوداء».

هذا ما أجمع عليه وصف الجزائريين لأبشع السجون الجزائرية: «سجن الحراش». السجن الأشهر في الجزائر، والذي أطلق عليه «سجن العقرب الجزائري» أسوةً بالسجن الشهير بقسوته ووضعه غير الإنساني، في مصر، وذلك على خلفية تحوّله إلى معتقلٍ لأبرز رجال المال والسياسة في الجزائر. في هذا التقرير نصحبك في جولة من تاريخ أشهر السجون الجزائرية وحاضرها. 

«خذ السبحة والعن فرنسا».. هل حان وقت التخلي عن اللغة الفرنسية في الجزائر؟

تاريخ «سجن الحراش».. من معتقلٍ للثوار إلى سجن لمعارضي النظام

مع تزايد عدد المقاومين الجزائريين للاحتلال الفرنسي، أو ما تسميهم فرنسا الخارجين عن القانون؛ فكّرت السلطات في توسيع شبكة السجون بالجزائر عبر إنشاء مراكز عقابية كبيرة على مستوى القطر الجزائري، يكون بإمكانها استيعاب عددٍ كبيرٍ من المساجين. فشيدت السلطات العسكرية الفرنسية أربعة سجون كبيرة هي سركاجي، لامبيز، البرواقية والحراش.

شيّد سجن الحراش سنة 1915، وجعلته تلك السلطات مركزًا لاعتقال الجزائريين من سجناء الحق العام، ومن زعماء ومناضلي الحركة الوطنية قبل اندلاع ثورة التحرير سنة 1954، والذين يحملون أحكامًا ثقيلة تصل إلى السجن مدى الحياة.

يذكر إيميلي لارشار في كتابه «المعاهدة الأساسية للتشريع الجزائري» أن سجن الحراش المركزي يحمل كذلك تسمية «المجمع العقابي»؛ نظرًا إلى تعدد اختصاصاته. فهو يحتوي على عدة أقسام، يودع فيه المساجين المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة، وكان مركزًا للعبور بالنسبة للمحكوم عليهم بالإبعاد عن الجزائر، وتونس، والهند الصينية، ومدغشقر، وجزر الأنتيل. ويوجد بهذه المؤسسة قسم مخصص للنساء السجينات، وقسم آخر للسجينات القاصرات. 

ومن بين الأسماء الثقيلة التي توالت على سجن الحراش في العهد الاستعماري لقضاء محكومياتهم، نجد قائد «الحركة الوطنية» مصالي الحاج، ومؤلف النشيد الوطني مفدى زكرياء اللذين اعتقلتهما السلطات الاستعمارية سنة 1937، وكذلك القيادي في الثورة محمد خيضر، الذي سجن بالحراش بين 1938 و1941.

وطيلة فترة الثورة التحريرية تحوّل سجن الحراش إلى مركز تعذيبٍ وتصفية واعتقال لقادة الثورة، فقضى فيه العربي بن مهيدي أحد الستّة المفجرين للثورة، بعد أن سلخ الفرنسيون جلد رأسه بين زنازين سجن الحرّاش، وكذلك قضت المناضلة جميلة بوحيرد الفترة ما بين 1957 و1962 داخل سجن الحراش.

العربي بن مهيدي قبل دخوله الحراش

العربي بن مهيدي قبل دخوله الحراش

ومع توقيع وقف إطلاق النار ونيل الجزائر استقلالها عن فرنسا؛ لم تتغّير حالة سجن الحراش كثيرًا؛ إذ انتهجت الحكومة الجزائرية بقيادة الرئيس أحمد بن بلّة نهج السلطات الفرنسية في جعل سجن الحراش معتقلًا للمعارضين. فكان المناضل الثوري حسين أيت أحمد المتمرد على حكم بن بلّة أبرز رواد سجن الحراش في النسخة الجزائرية الجديدة، بعد أن قضى فيه من سنة 1962 حتى 1964؛ هذه السنة التي استطاع فيها الفرار مرتديًا لباسًا نسائيًّا يسمى «الحايك» – لباس تقليدي جزائري- متسللًا وسط نساء من أقاربه جئن لزيارته.

وفي التسعينيات ومع دخول الجزائر أتون الحرب الأهلية، استغلت السلطات الجزائرية سجن الحراش بتحويله إلى معتقل للمعارضين الإسلاميين، فكان الرجل الثاني في «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» المنحلّة، ورئيسها الحالي علي بن حاج أبرز من قضوا محكوميتهم في سجن الحراش.

ويقبع في سجن الحراش أيضًا رجل الأعمال السابق عبد المؤمن خليفة الذي يقضي عقوبة 18 سنة، لتورطه في ما يعرف بـ«قضية الخليفة»، ويقضي رجل الأعمال عبد الرحمن عاشور أيضًا عقوبة 18 سنة بتهمة الاختلاس، كما يواصل كمال شيخي المعروف بـ«البوشي» المتهم في قضية تهريب 701 كجم من الكوكايين، التي تفجرت في الصيف الماضي وما تزال ارتداداتها مستمرة حتى الآن، عقوبة السجن 10 سنوات داخل سجن الحراش.

سجن الحراش.. سجل أسود في حقوق الإنسان

مع قرار السلطات الجزائرية غلق سجن سركاجي الشهير بالعاصمة الجزائرية؛ بات سجن الحراش الأقدم في الجزائر. غير أن صفة أخرى غير الأقدم ما زالت لصيقة بالسجن، نظرًا إلى ارتباطه بالمعاملة غير الإنسانية لنزلائه، والتي لطالما تنتهي بجرائم بشعة، جعلت من سجن الحراش سيئ السمعة.

أبرز الجرائم التي شهدها سجن الحراش هي مقتل الصحافي محمد تامالت داخل السجن، والذي أشارت مصادر إعلامية لتعرضه للاغتصاب والضرب بآلة حديدية أدت إلى مقتله؛ وهي الرواية التي فنّدتها السلطات الجزائرية نافيةً تعرّض الصحافي تامالت لأي إساءة داخل السجن، وأن سبب وفاته يعود إلى مضاعفات صحية تعرّض لها. 

سجن الحراش

زنازين سجن الحراش

ولم يكن الصحافي تامالت الوحيد الذي توفي في سجن الحراش؛ إذ أعقبه في ذلك ابن العقيد المتقاعد رمضان حملات، الذي دخل في إضراب عن الطعام أدى إلى وفاته. ولا يقتل سجن الحراش نزلاءه فقط، إذ توفي سنة 2007، مديره جيلالي عزوز إثر سكتة قلبية، بعد أن شهد سجن الحراش خلال فترة إدارته سلسلة من الاحتجاجات والفوضى لأزيد من أسبوع كامل، سببت له في الأخير أزمة قلبية. 

نزلاء بقيمة مليارات الدولارات في سجن الحراش

منذ استقالة الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في الثاني من أبريل (نيسان) الماضي، تحت ضغط الجيش والحراك الشعبي، وإعلان الجيش نيته مرافقة مطالب الحراك؛ كان فتح ملفات الفساد التي عميت عنها العدالة الجزائرية في السابق إحدى أكثر المطالب شيوعًا بين المتظاهرين.

تحت ضغط الشارع استسلمت العدالة أخيرًا معلنةً عن فتحها عدّة ملفات فساد بحق رجال أعمال، أغلبهم كان مقربًا من محيط الرئيس المستقيل؛ ليكون رجل الأعمال ومالك مجمع «ETRHB» علي حداد، أول نزيلٍ لسجن الحراش، بعد أن اعتقل مطلع شهر أبريل الماضي، بينما كان بصدد السفر إلى تونس برًّا وبحوزته جوازا سفر، في حين يحظر القانون حيازة وثيقتي هوية من الجنس نفسه.

السجين التالي لعلي حداد في سجن الحراش، كان خصمه في السيطرة على الاقتصاد الجزائري، رجل الأعمال الشهير يسعد ربراب؛ والذي أودع في 26 أبريل الماضي، السجن مؤقتًا، للنظر في قضية تضخيم فواتير استيراد عتاد مستعجل، والتصريح الكاذب بخصوص حركة رؤوس أموال من الخارج وإليه.

واعتقل كل من الإخوة كونيناف، ورجل الأعمال محيي الدين طحكوت، إضافة إلى كلٍ من مراد عولمي مالك «مجمع سوفاك»، وعرباوي حسان مالك «مصنع سيارات kia»، وأخيرًا أحمد معزوز مالك «مجمع معزوز»، المتهمين في قضايا فساد، وأدخلوا سجن الحراش، ليصبح هذا الأخير أحد أغنى السجون في العالم؛ نظرًا إلى الوزن المالي الذي يقدر به نزلاؤه. 

«الكلّ سواسية» كيف يقضي رجال بوتفليقة أيامهم في سجن الحرّاش؟

لم يكن رجال المال والأعمال وحيدين في مواجهة مصير سجن الحراش بعد استقالة بوتفليقة؛ فقد كان لرجال السياسة مكان واسعٌ في السجن أيضًا؛ حتى إن رئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى كان أحد أبرز نزلاء السجن، بعد أن قررت المحكمة العليا إدانته رفقة كلٍ من رئيس الوزراء الأسبق عبد المالك سلال، والوزراء عمار غول، وعمارة بن يونس، وجمال ولد عباس، وسعيد بركات، وعدة إطارات سابقة في نظام بوتفليقة بتهم فساد، وهو الأمر الذي حوّل سجن الحراش من معتقلٍ لمعارضي السلطة إلى جامعٍ لرجال بوتفليقة. 

بحسب ما يؤكده مدير السجن مختار فليون؛ فإن المعاملة لم تختلف داخل السجن بعد دخول تلك الأسماء إلى الحراش. إذ يقول: «إنه لا توجد معاملة خاصة في الحراش، كافة المسؤولين ورجال الأعمال الضالعين في قضايا الفساد يعاملون بنفس معاملة باقي السجناء».

وتأتي هذه التصريحات بعد تسريب أنباء عن وجود زنزانات خاصة بالنزلاء الجدد على الحراش من رجال أعمال وسياسيين، وهو ما نفاه السجين السابق بالمؤسسة العقابية بالحراش «مروان ع» والذي أنهى عقوبته قبل شهرين، لـ«ساسة بوست»: «سمعنا داخل السجن أنّ السجناء الجدد من رجال الأعمال وضعوا في قاعات مخصصة للمتهمين في الجرائم الاقتصادية، ومنعوا من الاختلاط بباقي السجناء»، ويضيف أنّ «إدارة السجن بالحراش تعاملت مع رجال الأعمال والسياسة الذين توافدوا على السجن كأي متهم أو محكوم آخر، بل إن إدارة السجن أصرت على أن يفهم المتهمون الجدد أنهم أشخاص عاديون في السجن، وما ينطبق عليهم ينطبق على باقي السجناء».

وعن الإجراءات الأمنية داخل السجن، والتي رافقت فترة اعتقالات هؤلاء المتهمين ومحاكماتهم، يقول محدثنا: «من الطبيعي أن يشهد سجن الحراش تلك الإجراءات الأمنية الخاصة، وذلك بسبب المخاوف من تعرض تلك الشخصيات إلى الاغتيال أو الاعتداء داخل السجن، أو حتى الانتحار تحت تأثير الحالة النفسية السيئة التي يعيشونها».

وكان رئيس «المرصد الجزائري لحقوق الإنسان» المحامي فاروق قسنطيني، قد أكد في تصريحات إعلامية «أن رجال الأعمال الذين يقبعون في الحراش مهما كانت مكانتهم، يخضعون للقوانين والنظام القائم، ونمط التسيير، مثلهم مثل نزلاء المؤسسة العقابية، وأن «الكل سواسية». وعلى غرار المؤسسات العقابية المنتشرة عبر كامل التراب الوطني، فإن سجن الحراش يسمح بزيارة الأهالي إلى ذويهم في السجون مرة واحدة كل 15 يومًا».

وتحدثت مصادر إعلامية عن الأوضاع التي يعيشها النزلاء الجدد على الحراش بالقول إن رجل الأعمال يسعد ربراب اقتسم زنزانته مع صديقٍ سابقٍ له يقضي محكوميته منذ سنوات، وهو رجل الأعمال عبد المؤمن خليفة في وقتٍ فضّل فيه رجل الأعمال علي حداد اقتسام زنزانته مع صديقه نوح كونيناف، بينما قبع كل من أحمد أويحيى وعبد المالك سلال في زنزانات فردية.

وصل نفوذها حد تعيين الوزراء.. عائلة كونيناف الثرية التي تسعى لحماية بوتفليقة

المصادر

تحميل المزيد