كان عبد الرزاق بنعرب مروج مخدرات بمنطقة الريف الملقبة بـ “كولومبيا المغرب” و”داعش المغرب” أيضا؛ لكونها تعد معقلا رئيسا لمافيا المخدرات وخلايا التطرف، عبد الرزاق يتعامل مع عتاة المجرمين، ويدخن جميع أنواع المخدرات، ويتردد على الحانات كذلك، كانت حياته كحياة كل المجرمين مليئة بالفوضى والعنف والانحراف، دخل السجن، وغداة مغادرته له التحق مباشرة في 2013 بتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق و الشام” للقتال هناك في سوريا. الأمر لا يقتصر على هذه التجربة، كما أنه ليس خاصا بالمغرب أيضا، كيف إذن يصبح السجن مدرسة لصناعة كل هذه التحولات؟

 

السجون كمفرخة للجهاديين

في الواقع حال عبد الرزاق ما هي سوى غيض من فيض، إذ نجد الظاهرة منتشرة في كثير من البلدان، حيث تصير السجون حضانة لتخريج الجهاديين.

مغني الراب المشهور مروان الدويري ذو 25 سنة، قبض عليه بتهمة تعاطيه “الحشيش”، فدخل سجن المرناقية بتونس، مكث هناك 8 أشهر، وبعد خروجه التحق بداعش، حسب إحصائيات الأجهزة الأمنية التونسية فإن 200 سجين حق عام تحولوا إلى “متطرفين”، معظمهم هاجروا إلى بؤر التوتر بليبيا وسوريا والعراق.

أما في العراق وسوريا، فيمثل السجناء الفارون أو الذين مروا بتجربة السجن الهيكل القيادي لمسلحي التنظيمات المتطرفة هناك، فأمير “الدولة الإسلامية في العراق والشام” إبراهيم البغدادي أمضى 10 أشهر في سجن بوكا بالعراق عام 2004.

داعش

يقول الباحث في الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية في حوار له مع “الشرق الأوسط”: “أستطيع أن أجزم بأن جميع قيادات الجماعات المتطرفة تخرجت في السجون” يضيف أيضا: إن “معظم المتطرفين في سوريا نشأوا في سجن صيدنايا، والشيء نفسه ينطبق أيضا على سجون العراق، كأبوغريب والتاجي وبوكا، وسجن أبوسليم في ليبيا وسجون اليمن التي احتضنت العديد من وجوه القاعدة.

لكن الأمر لا يقتصر على سجون المنطقة العربية فقط، بل حتى السجون الأوروبية، فمعظم الهجمات في فرنسا، التي يحتل فيها السجناء المسلمون 70 % من الجنائيين المحبوسين هناك، نفذها سجناء سابقون، بدء من أحد الأخوين كواشي شريف المرتكبين لمجزرة شارلي إبدو، ومحمد مراح المتسبب في الهجوم الإرهابي بتولوز، إلى اثنين من منفذي هجمات باريس الأخيرة.

ونفس الشأن تشكو منه بريطانيا وبلجيكا وألمانيا، وأيضا هولندا، حيث لا يخفي مسئولو المؤسسات السجنية هناك قلقهم من انتشار الفكر المتطرف داخل السجون.

كيف يعمل السجن على إنتاج المتطرفين؟

تخلط إدارات السجون المعتقلين المتهمين بـ”الإرهاب” مع سجناء الحق العام؛ ظنا منها أنها تعاقبهم، حيث سيختلطون مع القتلة والمغتصبين ومدمني المخدرات، بيد أن الجهاديين المعتقلين يعرفون كيف يستقطبون هؤلاء السجناء الجنائيين، الذين لا يملك معظمهم سوى مستوى تعليمي محدود، ومن أوساط دخل محدود عادة، ومحرومة من العطف، فيعمل الجهاديون على إدخال الواحد منهم في شبكتهم الاجتماعية تدريجيا، ثم يدعونه لحضور حلقاتهم الدينية وإقامة الصلاة، وهكذا يجد فيهم الحضن العائلي الذي يفتقده وطريق “التوبة”، حتى يصبح مقتنعا تماما بالفكر الجهادي، وبمجرد خروجه من السجن تنتقل الأفكار التكفيرية التي تلقاها في السجن إلى حيز التطبيق على أرض الواقع.

بيد أن الاختلاط بين المعتقلين الجهاديين، وسجناء الحق العام، ليس السبب الوحيد في تفريخ “المتطرفين”، بل يساهم التعذيب في السجون كذلك في رد فعل انتقامي، يتبدى على شكل فكر جهادي يتوق إلى التفجير وقطع الرؤوس حانقا على الدولة والمجتمع معا.

مارست السلطات، في معظم السجون العربية، ولعقود طويلة، في حق سجنائها السياسيين والإسلاميين أشكالا من التعذيب في غاية الوحشية، ولم يزل بعضها يستمر على نفس المنوال، أضف إلى ذلك أن أوضاع السجون المهينة، حيث الاكتظاظ والحرمان من الحاجات الأساسية (التطبيب، الطعام، التنزه …)، كل ذلك يؤدي إلى تخريج أفواج من الناقمين يتجسدون في شكل إرهابيين أو عتاة مجرمين.

و إذا كان عامل التعذيب والإهانة في السجون العربية ساهم في تحويل المتطرفين (فكريا) إلى “إرهابيين” (فعلا)، فإن هذا الأمر لا ينطبق على سجون أوروبا، حيث يعيش السجناء هناك في بيئة مقبولة جدا، لا يحظى بها حتى السجناء في أمريكا (حيث أكبر أعداد سجناء في العالم)، واليابان ( حيث أكثر الأنظمة السجنية صرامة في العالم)، بل إن السجين الواحد في ألمانيا وهولندا مثلا يملك وسائل الرفاه في غرفته، تلفاز وكتب وحمام وسرير وثير، ويحظى طبعا بالتطبيب، والفسحة، والطعام الكافي، ويمكنه متابعة تعليمه أيضا، مما يعني أن انتشار الفكر المتطرف داخل السجون الأوروبية هو مرتبط أساسا بعامل الخلط بين سجناء الحق العام وبين سجناء لديهم ميول نحو التطرف.

 

ما العمل إذن؟

بعدما أصبحت الظاهرة تثير القلق، أقرت مجموعة من الدول سياسات مختلفة نحوها، قصد منع انتشار الفكر الجهادي داخل السجون.

أصدرت السلطات المغربية في بداية الشهر الجاري عفوا لمعتقلين من رموز السلفيين، مقابل القيام بمراجعات فكرية وعدم تكفير الدولة والاعتراف بذلك أمام وسائل الإعلام، كانت هذه السياسة كاحتراز من تمدد الفكر الجهادي داخل البلاد.

 

 

أما في فرنسا فقد عينت دفعات من المرشدين الدينيين لإقناع “المتشددين الإسلاميين” في سجونها بـ”الإسلام الوسطي” وتنحو تونس إلى نفس السياسة، وفي ألمانيا تعزم السلطات على مراقبة السجناء المسلمين عن كثب، وعزل المتشددين منهم عن باقي السجناء.

إلا أن مراقبين يشككون في جدوى هذه السياسات؛ إذ لا يمكن معرفة السجين إن تم استقطابه  للفكر الجهادي من عدمه، إلا بعد مغادرته وارتكابه أعمالا إرهابية.

أما آخرون فيرون ببساطة أنه يلزم سن سياسة قضائية تجاه الإرهابيين والمتطرفين عموما، تقوم على إسكانهم الزنازين الانفرادية ونسيانهم هناك إلى الأبد، كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية مع المجرمين في التسعينات، حينما بلغت الجريمة ذروتها، وبعدها انخفضت أقل من ثلاث مرات.

جوان جوزيف، المسئولة بمؤسسة الأمم المتحدة لأبحاث الجريمة والعدالة، ترى أن الحد من التطرف داخل السجون ينبغي أن يقوم على برامج لفائدة السجناء مخصصة لإعادة التأهيل، تماما كما يتم مع الجريمة، وذلك لمحاصرة الأسباب التي قادتهم إلى التطرف العنيف.

وإذا كان السجن أحد القلاع الرئيسة التي ينتج وينتشر فيها التطرف، فإن التعامل مع هذا المجال بنوع من الاهتمام قد يكون بداية جيدة للحد من الإرهاب، خصوصا إذا ما عملت السجون العربية على توفير بنية سجنية جيدة، وتجنبت التعذيب بأشكاله، كما يعد عزل السجناء ذوي الميول المتطرفة حلا عمليا لمنع انتقال “عدوى التطرف” إلى السجناء الآخرين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد