في حلقة جديدة من اللجوء إلى الخصخصة لعلاج عجز الموازنة، تقترب المغرب من البدء في برنامجها للخصخصة والذي سيشمل قطاعات كالاتصالات والفنادق والكهرباء، وقبل الخوض في تفاصيل هذا البرنامج، يجب أن نشير إلى أن كثيرًا من الدول تتبنى استراتيجية الخصخصة من أجل إصلاح هيكلي للاقتصاد، بينما تلجأ بعض الدول إلى الخصخصة من أجل علاج مؤقت لعجز الموازنة خلال عام ما، وهناك فارق كبير بين الخصخصة المتسرعة والتطور التدريجي، فالتسرع دائمًا ما ينتج عنه التخلص من الملكية العامة بالتهاون في شروط البيع، وعدم الاهتمام بهيكلية الملكية الجديدة للشركات المباعة، بالإضافة إلى تجاهل الإدارات المالية لتلك المشروعات المخصخصة.

على الجانب الآخر فالتطور التدريجي غالبًا ما يستهدف تطور القطاع الخاص بدون تسرع أو تهاون في شروط البيع، بالإضافة إلى الحرص على هيكلية متماسكة للمالك الجديد للشركة، وفرض شروط صارمة لحسن الإدارة المالية لهذه الشركات، إلا أن النوع الأول هو الأكثر انتشارًا في الدول العربية وذلك بسبب الضغوط الكبيرة التي تواجهها هذه البلدان، سواء داخليًا من تزايد الأعباء المترتبة على الحكومات بسبب تنامي دورها في النشاط الاقتصادي، وضعف قدراتها على إدارة المنشآت الحكومية بكفاءة وفاعلية، أو الضغوط الخارجية من المؤسسات المالية العالمية والمقرضين كصندوق النقد الدولي.

هل هي المرة الأولى التي تلجأ فيها المغرب للخصخصة؟

على مستوى المغرب، فالتجربة المزمعة التي كشفت عنها الحكومة مؤخرًا ليست الأولى، ففي عام 1983 فرض على المغرب ما سمي ببرنامج التقويم الهيكلي، وذلك من قبل المؤسسات المالية الدولية، وذلك خلال الأزمة المالية التي عرفتها المملكة في ثمانينيات القرن الماضي، فقد فشلت المملكة حينها في سداد الديون المستحقة لصندوق النقد، مما أجبر البلاد على تطبيق برنامج إصلاحي فرضه الصندوق.

وكان المغرب على موعد مع موجة خصخصة واسعة، شملت 56 شركة مملوكة للدولة و26 وحدة فندقية، جرى بيعها للقطاع الخاص، سواء بشكل كامل أو جزئي، وطالت مؤسسات وشركات استراتيجية في الاقتصاد الوطني مثل الاتصالات والطاقة والصناعة، وتمكنت المملكة من تحقيق إيرادات للخزانة بلغت نحو 10.8 مليار دولار، من خلال هذه الموجة.

وينظر المراقبون إلى هذه الموجة إلى أنها لم تكن جراء سياسة اقتصادية واضحة بقدر ما كانت استجابة للضغوط الخارجية التي فرضتها المؤسسات المالية العالمية، فقد تم حصر المؤسسات العامة القابلة للخصخصة في نحو 112 شركة، بحسب ما نص على ذلك القانون لسنة 1990، واستمر العمل بسياسية الخصخصة حتى عام 2008، إذ أضحت عمليات الخصخصة شبه منعدمة، حسب «المجلس الأعلى للحسابات».

الأرقام لا تنقل الحقائق كاملة أحيانًا.. كيف تخدعك معدلات البطالة في المغرب؟

ما هي الشركات المستهدفة ببرنامج الخصخصة؟

في 31 مايو (أيار) الماضي، قالت «شركة اتصالات المغرب» -أكبر مشغل للاتصالات في المغرب- إن الحكومة ستبيع حصة تصل إلى 8% في الشركة المدرجة في بورصتي الدار البيضاء ويورونكست باريس، وهي مملوكة بنسبة 53% لشركة «اتصالات» التي مقرها دولة الإمارات العربية بينما تملك الحكومة المغربية حصة 30%.

الشركة أوضحت أن طرحًا عامًا في بورصة الدار البيضاء سيعلن عنه في الأسابيع القليلة القادمة، مما يشير إلى أن الحكومة ستبدأ برنامج الخصخصة بشركة الاتصالات، لكن تخطط الدولة أيضًا لبيع فندق لامامونيا فئة الخمسة نجوم في مراكش ومحطة تهدارت للكهرباء في شمال البلاد، فيما لا يزال هناك لجنة تقييم الشركات العامة المراد تحويلها إلى القطاع الخاص.

وتداول الإعلام خلال الأشهر الأخيرة أن المغرب ستلجأ لبيع حصة الدولة والمكتب الوطني للسكك الحديدية و«المكتب الوطني للمطارات» و«الشركة الوطنية للطرق السيارة» بالمغرب بالإضافة إلى «الخطوط الجوية الملكية المغربية»، بينما نفت الحكومة بعض هذه الأخبار.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، كشفت الحكومة عن تراجعها عن خصخصة بعض الشركات بسبب فشل المحاولات لتحويلها إلى القطاع الخاص، لوجود بعض هذه المنشآت قيد التصفية أو بالنظر لمشاكل ترتبط بتصفية وعائها العقاري أو بنزاعات متعلقة بالمستخدمين، وهي شركات: «مركب النسيج بفاس»، و«بنك القرض العقاري والسياحي»، و«شركة تسويق الفحم والخشب»، و«مصنع الآجور والقرمود»، و«الشركة الشريفة للأملاح»، وفندقي «أسماء» و«ابن تومرت».

وبحسب وزارة الاقتصاد والمالية تتشكل المحفظة العمومية من 209 مؤسسات عمومية و44 شركة ذات مساهمة مباشرة للخزانة و466 شركة تابعة أو مساهمة عمومية، ويرجح مراقبون، أن تعمد الحكومة إلى بيع حصة إضافية من شركة الموانئ «مرسى ماروك»، التي تملك فيها الدولة حصة 60%، بعد طرح 40% قبل عامين في البورصة.

ما الهدف من خصخصة الشركات العامة؟

بحسب الخطة الحكومية للخصخصة تسعى البلاد لضخ 5 مليارات إلى 6 مليارات درهم في الميزانية العامة من حصيلة بيع أصول مملوكة للدولة، والهدف الرئيسي للبيع هو خفض عجز في ميزانية 2019 إلى 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي، إذ إنه بدون الخصخصة فإن العجز في الميزانية سيبلغ 3.7% من الناتج المحلي الإجمالي في 2019، مما يعني أن الخصخصة ستساهم في خفض العجز بنحو 0.4%.

وكان العجز قد بلغ 3.8% في 2018، بينما بلغ النمو الاقتصادي 2.9%، وارتفع التضخم إلى 1.9% وظل نمو الائتمان مستقرًا عند مستوى 3.3%، وبعد الانخفاض الطفيف في عجز الحساب الجاري الخارجي عام 2017، عاود الارتفاع إلى 5.4% من إجمالي الناتج المحلي في 2018، وذلك في الأساس نتيجة ارتفاع أسعار النفط وبرغم النمو القوي للصادرات.

وبالرغم من أن الاحتياطيات الدولية في مستوى مريح يغطي حوالي 5 أشهر من الواردات، في ظل توقعات تعافي النشاط غير الزراعي، ليبلغ 4.5% على المدى المتوسط مع تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، إلا أنه ما تزال الآفاق المستقبلية معرضة لمخاطر انخفاض النمو نتيجة للتطورات الاقتصادية في البلدان المتقدمة والصاعدة، وأسعار الطاقة العالمية، والتقلب في الأسواق المالية العالمية.

وبعيدًا عن هدف خفض العجز، يرى محللون أن برنامج الخصخصة سيفتح المجال أمام رأس المال المغربي للاستثمار في قطاعات منتجة، وبالخصوص قطاع الطاقة والفندقة، وما يعنيه ذلك من زيادة في مناصب الشغل، بينما يقول إدريس الفينة، الأستاذ بـ«المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي»، و الباحث في التنمية الإقليمية، لـ«ساسة بوست» إن الفائدة تكمن في تخلي الدولة عن ممتلكاتها لفائدة القطاع الخاص، وهذا الأمر يتماشى مع النموذج الاقتصادي الذي تبناه المغرب والذي يعطي للقطاع الخاص حق المبادرة بشكل واسع.

ويرى مراقبون أن إنعاش البورصة المغربية قد يكون ضمن أهداف الحكومة من برنامج الخصخصة، إلا أن البورصة ما يزال وجودها متواضعًا في المغرب إذ لا تمثل كل النشاط الاقتصادي في المملكة، كما أنها لا تستقطب الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل النسبة الأكبر من الشركات المغربية، فحتى الآن فشلت البورصة في جذب هذا النوع من الشركات، فهي ما زالت تتسم بضعف السيولة وعدم التفاعل مع اقتصاد البلاد.

الأجور في المغرب.. قصة صراع الحكومة والنقابات التي لا تنتهي

هل تحل الخصخصة مشاكل الاقتصاد المغربي؟

يوضح إدريس الفينة أن برنامج الخصخصة في النهاية هو حل مؤقت ولا يعالج في عمق مسألة العجز في الميزانية الذي هو مزمن، فعلاج العجز يتطلب إيجاد حلول أخرى ببيع منشآت أخرى أو الاقتراض أو رفع الضرائب، مشيرًا إلى أن الحلول الجذرية ربما غير متاحة في تدبير الشأن العام، فالحلول تتم بشكل تدريجي حسب الضغط وما هو متاح، وكلما تأخرنا في إيجاد حلول دائمة، ترتفع كلفة الإصلاح وقد تصبح بعيدة المنال.

ومن جانبه يرى أحمد كشيكش، الباحث المغربي المتخصص بالشأن الاقتصادي، أن بيع حصص من شركات عامة يمكن أن يكون حلًا جيدًا إذا كانت شركات ذات مردود ضعيف أو تشوبها اختلالات سيكلف إصلاحها خزينة الدولة موارد مالية وبشرية كبيرة. لكن في حالة بيع جديد لجزء من رأسمال «اتصالات المغرب» لا يعدو اليوم كونه طريقة لتوفير سيولة لخفض عجز الموازنة العامة.

ويقول كشيكش لـ«ساسة بوست» إن المعلومات المتاحة حاليًا لا تشير إلى أي هدف استراتيجي من عملية البيع هذه، وهذا أمر مؤسف خصوصًا وأنه يتعلق ببيع جزء من رأسمال شركة ذات دور مهم كاتصالات المغرب، بينما يرى أن عجز الموازنة العامة، هو مشكلة هيكلية يتطلب حلها تضافر الجهود، وتسريع إصلاحات الهيكل القانوني والتنظيمي للمالية العامة المغربية، والحرص على نجاح مختلف الاستراتيجيات القطاعية، وذلك لجعل الموازنة أقل اعتمادًا على إيرادات الخصخصة، التي يجب أن تكون آخر الحلول بعد استنفاد كل الخيارات، على حد تعبيره.

وعلى الجانب الآخر من الصعب الجزم بأن مثل هذه الحلول قد تقضي على مشاكل الاقتصاد المغربي، إذ تشير البيانات التاريخية للنمو الاقتصادي في المغرب -أبرز مؤشر على اتجاه الاقتصاد- إلى تذبذب واضح، فبحسب الأرقام الصادرة عن «البنك الدولي» فإن نسب النمو الاقتصادي في المغرب متفاوتة بشكلٍ كبير؛ إذ لم تسجل استقرارًا ولو طفيفًا في نحو 50 عامًا، ففي عام 1995 نجد قفزة كبيرة بالنمو والعام الذي يليه نجد أن نسبة النمو تتراجع كثيرًا، وربما يسجِّل الاقتصاد انكماشًا.

ويرى «المركز المغربي لدراسة الظرفية» أن معدل نمو الاقتصاد المغربي يمكن أن يرتفع إلى 7.5%، حال تحققت مجموعة من الشروط، منها إعادة توجيه نموذج النمو الاقتصادي في اتجاه الاعتماد على الصادرات، ومراجعة سياسات الاستثمار والتشغيل، وإنجاز الإصلاحات الهيكلية الكبرى في مجالات التدبير والإدارة والقضاء وتحرير الصرف وإصلاح الجبايات.

ويرى، البكاي محمدي، الباحث في الاقتصاد بجامعة محمد الأول بوجدة شرقي المغرب، أن الخصخصة ستفضي بالنهاية إلى انسحاب تدريجي وكلي للدولة من بعض القطاعات الحيوية، وستفقدها في النهاية القدرة على التدخل في المجال الاقتصادي، إذ أن المؤسسات المقترحة للخصخصة تعمل في مجالات حيوية.

ما هي علاقة صندوق النقد الدولي ببرنامج الخصخصة؟

يرتبط المغرب ببرنامج اقتصادي أو اتفاق مع «صندوق النقد الدولي» يسمى بخط الوقاية والسيولة، إذ وافق «المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي» على اتفاق لمدة 24 شهرًا للاستفادة من «خط الوقاية والسيولة» (PLL) بقيمة تعادل نحو 3 مليار دولار أمريكي، وذلك في ديسمبر (كانون الأول) 2018، والخصخصة هي أحد أعمدة هذا الاتفاق.

وفي زيارته الأخيرة للبلاد والتي تمت في الفترة من 19 مارس (آذار) إلى 3 أبريل (نيسان) 2019، أشاد الصندوق بخطط الحكومة للخصخصة، إذ خلص تقرير الصندوق إلى أن فريق خبراء الصندوق يدعمون الجهود التي بُذِلَت في سياق خطة الخصخصة التي وضعتها السلطات لكي تعود المؤسسات العامة إلى التركيز على مجالات عملها الأساسية، على حد نص البيان.

ويطالب الصندوق بمواصلة إصلاح الضرائب، وخفض الدين العام إلى 60% من إجمالي الناتج المحلي بحلول 2024، بالإضافة إلى تحسين جودة النظام التعليمي، وكفاءة سوق العمل، ومشاركة النساء في سوق العمل، وتحسين بيئة الأعمال، وتحث بعثة «النقد الدولي» على تنفيذ الإصلاحات الرامية إلى تعزيز الحوكمة والكفاءة في القطاع العام ومكافحة الفساد.

ويرتبط «صندوق النقد الدولي» بعلاقة وطيدة وقديمة مع المغرب، بدأت في خمسينات القرن الماضي، وتحديدًا عندما أعلنت البلاد عن إنشاء «بنك المغرب» في أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1959، واعتماد الدرهم المغربيّ عُملة وطنيّة، حينها منح الصندوق غطاءً نقديًّا من الذهب بقيمة 25 مليون دولار؛ من أجل تغطية قيمة الدرهم.

ومنذ ذلك الحين كانت مناسبات حضور الصندوق كثيرة ولعل أبرزها كان في مطلع ثمانينات القرن الماضي، وذلك خلال الأزمة المالية العنيفة التي مرت بها المملكة، عندما تجاوز العجز المالي 15% من الناتج الإجمالي وكانت التجارة الخارجية على بعد خطوات من الإفلاس، وسط تآكل الاحتياطي النقدي، فكان الصندوق حاضرًا أيضًا وفُرض نظام «برنامج التقويم الهيكلي PAS» على المغرب في ذلك الوقت.

وفي أغسطس (آب) 2016، وافق «النقد الدولي» على فتح خط سيولة للمرة الثالثة للمغرب قيمته 3.47 مليار دولار أمريكي لمدة عامين، وذلك بعد أن أبرم المغرب ثلاث اتفاقيات مع الصندوق تحت مسمى «خط الوقاية والسيولة» بإجمالي مبلغ قيمته 14.68 مليار دولار، إذ عقد المغرب والصندوق الاتفاق الأول في أغسطس (آب) 2012 بتوفير خط وقاية وسيولة بقيمة 6.21 مليار دولار لمدة 24 شهرًا، ثم أبرما الاتفاق الثاني في يوليو (تموز) 2014 بقيمة 5 مليارات دولار.

ختامًا تجب الإشارة إلى أن أهم مبررات المملكة للخصخصة هي عدم جدوى القطاع العام وضعف إنتاجه وانتشار الفساد به، مما جعله يمثّل عبئًا ثقيلًا على الميزانية، لذلك بات أهم أهداف الحكومة هو تعزيز القطاع الخاص لتحسين جدوى الاقتصاد وقدرته التنافسية، إذ يتفوق في أدائه على خدمات الحكومة، من التعليم والصحة، لكونه يهدف أساسًا إلى الربح، لكن في النهاية الخصخصة هي الحل السهل، بينما الحل الصعب والذي تهرب منه الحكومات دائمًا، هو المحاسبة والمتابعة والتقييم الشفاف والمستمر للقطاع العام، بدلاً عن التخلص منه لأجل علاج مؤقت لعجز الموازنة.

ازدهار على الورق فقط.. كيف التهم صندوق النقد الدولي الاقتصاد المغربيّ؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد