«تنويع مصادر الدخل – التحول إلى اقتصاد ما بعد النفط»، ربما لا يخلو حديث أي مسئول سعودي للإعلام خلال الأشهر الماضية، ومنذ إطلاق «رؤية 2030» في أبريل (نيسان) 2016 من ذكر جملة من الجملتين في السياق، سواء بداعٍ أو بدون داعٍ، هذه الجمل تأتي دائمًا عند الحديث عن أي إصلاح اقتصادي في البلاد، سواء كان فرض ضرائب جديدة أو رفعًا للدعم، أو حتى الإعلان عن بيع كلي أو جزئي «الخصخصة» لإحدى شركات القطاع العام.

ولعل حديث محمد التويجري، نائب وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي، بنهاية الأسبوع الماضي لوكالة «رويترز» أهم ما يجب أن نتوقف أمامه كثيرًا، إذ يكشف عن خطط بلاده للاعتماد على مصدرٍ جديدٍ للدخل، ربما يتفوق على المصدر الأساسي «النفط» خلال السنوات الثلاث القادمة، إذ قال: إن الحكومة السعودية تتوقع جمع نحو 200 مليار دولار في السنوات المقبلة عبر بيع أصول في مؤسساتٍ حكومية.

التويجري، أكد أن الترتيبات الإدارية لهذه الخطوة باتت مكتملة وأن الحكومة تعتزم البدء في خصخصة بعض الأصول هذا العام في أربعة قطاعات هي الرياضة والكهرباء والمياه وصوامع الحبوب، فيما ذكر أن مبلغ المئتي مليار دولار لا يشمل عشرات المليارات من الدولارات المنتظرة من طرح 5% من شركة أرامكو النفطية العملاقة.

ومن بين 16 قطاعًا تتجه المملكة لدخولهم في خطط الخصخصة بشكلٍ جزئيّ أو كليّ بحلول عام 2020، أفاد التويجري أن العام الجاري سيشهد بيع مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، بالإضافة إلى دراسة إمكانية خصخصة كافة المستشفيات العامة ونحو 200 ألف صيدلية.

المسئول السعودي اختتم حديثه قائلًا: إنّ قطاعات البلديات والخدمات اللوجستية من «مواصلات ومطارات وموانيء» ربما تكون أولى القطاعات التي تشهد شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص.

الخصخصة وأهدافها

وقبل الخوض في تفاصيل ما ذكره التويجري، سنتعرف على الخصخصة وأهدافها بشكلٍ عام في لمحة سريعة، إذ تعرف الخصخصة بأنها عملية تحويل كلي أو جزئي لملكية رأسمال الشركات العمومية إلى القطاع الخاص، وذلك من خلال إما البيع المباشر أو عن طرحها في صورة أسهم في الأسواق المالية.

بالطبع سياسة الخصخصة ليست مستحدثه بالمملكة ولكن، تلجأ العديد من الدول سواء المتقدمة أو النامية، إلى تبني هذه السياسة التي ظهرت في ثمانينات القرن الماضي، لتحقيق أهداف محددة، تختلف وفقًا لطبيعة السياسة والآليات المتبعة، لكنّها تأتي إجمالًا؛ إما لتخفيف الأعباء المالية عن الدولة وسد العجز، أو تجويد كفاءة الشركات والزيادة من ربحيتها، وأخيرًا تطوير الأسواق المالية المحلية البورصة، ومحاولة إنعاشها من خلال إدراج شركات جديدة بها.

ويأتي اتجاه السعودية لهذه السياسة بعد التراجع الحاد في إيرادات البلاد، جراء هبوط أسعار النفط، وتفاقم عجز الموازنة، إذ تنتظر المملكة دعم الأوضاع المالية العامة من خلال هذه الخطوة الجريئة والجديدة على أكبر اقتصاد عربي، إذ سجلت البلاد عجزا بنحو 79 مليار دولار في موازنة 2016، وتسعى للقضاء على العجز بحلول عام 2020.

كيف ستغير الخصخصة من التركيبة الاقتصادية
للمملكة؟

ظلّت التركيبة الاقتصادية السعودية في العقود الماضية مختلفة تمامًا عن غيرها في أغلب دول المنطقة، إذ كانت أكثر انغلاقًا عن العالم الخارجي، بالإضافة إلى الاعتماد على قوانين تمنع تملُّك الأجانب بالمملكة، ناهيك عن قانون الكفيل الذي تتميز به دول الخليج، لكن وعلى ما يبدو أن «رؤية 2030» لن تبقي على هذا الحال طويلًا.

وفي أولى خطوات الانفتاح الاقتصادي التي تسعى إليه المملكة عبر رؤية الأمير محمد بن سلمان، التحول من الانغلاق للانفتاح على الأسواق العالمية، إذ سمحت الحكومة للمؤسسات الأجنبية بتداول أسهم الشركات السعودية المتداولة في السوق المالي «تداول»، وبالرغم من هذه الخطوة التي كانت الأولى من نوعها، فإن اللائحة التنفيذية للبورصة السعودية ما زالت تحظر على المستثمر الأجنبي تملك أكثر من 5% من أسهم أي مصدر تكون أسهمه مدرجة.

فيما تشترط اللائحة أن تكون قيمة الأصول التي تديرها المؤسسة المالية الأجنبية خمسة مليارات دولار، وللهيئة خفضها إلى ثلاثة مليارات دولار، وبعد مرور نحو عامين على هذه الخطوة، ارتفعت القيمة السوقية لملكية المستثمرين الأجانب في البورصة السعودية، إلى 18.37 مليار دولار، وذلك وفق النشرة الأسبوعية لتوزيع المستثمرين في البورصة، إذ ارتفعت حصة المستثمرين الأجانب إلى 4.23%، مقارنة بنحو 4.16%.

لا تختلف هذه الخطوة كثيرًا عن سياسة الخصخصة التي لجأت إليها المملكة مؤخرًا، فهدف الخطوتين هو مساعدة البلاد على جذب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية وتقليل اعتمادها على عائدات النفط، وهو الأمر الذي أظهر تغيُّرًا واضحًا في تركيبة الاقتصاد السعودي.

ثورة محمد بن سلمان الجديدة!

أحمد ذكر الله، الأستاذ بجامعة العالمية للتجديد بتركيا، والخبير الاقتصادي، اعتبر الإعلان عن خصخصة مشروعات حكومية تقدر قيمتها بحوالي 200 مليار دولار رغم أن عجز الموازنة المتوقع في 2017 أقل من 60 مليار دولار، ثورة جديدة يقودها الأمير محمد بن سلمان، وذلك استكمالًا للنقلة النوعية في أسلوب التفكير الاستراتيجي، والتي ظهرت في «رؤية 2030».

ذكر الله قال خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن الأمير الشاب ينظر بعين الأعجاب للتجربة الإماراتية المنفتحة على الاقتصاد العالمي، والمتنوعة في العديد من المجالات منها السياحة والنقل والموانئ والطيران وغيرها، ومع صداقة وتقارب علني بين أميري الإمارات والسعودية كان من المنتظر أن تحدث نقلة ما في الاقتصاد السعودي يتبناها بن سلمان.

ويرى الخبير الاقتصادي أن الاقتصادات الخليجية بصفةٍ عامة لا سيما الاقتصاد السعودي تعاني من خلل هيكلي تتمثل أعراضه في الاعتماد علي ريع العوائد النفطية، وهي ما ولدت وكرست حالة التبعية للعالم الخارجي وما تبعه من فساد واحتكار وفي النهاية اللا إنتاجية التي هي السمة الرئيسة للاقتصاد السعودي.

وتابع: «هذا الخلل الهيكلي كان من الطبيعي أن يولِّد أزمةً كبري مع تراجع أسعار النفط عالميًا، فحدثت أزمة عجز الموازنة العامة، واضطرت الحكومة للسحب من الاحتياطيات والاقتراض بسندات دولارية من الخارج وألغت العديد من المشروعات العامة التي كان من المقرر تنفيذها خلال عام 2016».

وعن علاقة هذا الخلل بالخصخصة واتجاه المملكة إليها، يقول ذكرالله أنّ المشكلة أن الدولة السعودية هي المستحوذ الأكبر على المشاريع في السوق، وبالتالي ترتّب علي إلغاء هذه المشروعات انكماش كبير في الأسواق وبداية أزمة اقتصادية حقيقية خاصة مع استمرار تراجع عوائد النفط، وربما تكون الخصخصة إعادة لتوزيع الحصص بالسوق تجنبًا لتفاقم الأزمة ما زيادة عجز الحكومة.

الأستاذ بجامعة العالمية للتجديد بتركيا، يؤكد أن الخصخصة ليست فقط لمواجهة عجز الموازنة العامة للدولة بل هي بداية لعصر جديد من الاقتصاد السعودي، إذ إن المزج بين القطاعين العام والخاص والسماح بتملك الأجانب والانفتاح الاقتصادي علي العالم الخارجي سيكون أهم خصائص الثورة الجديدة، التي لن تتوقف عند الحدود الاقتصادية، بل ستتطلب تغيرًا في المنهج القيمي للمجتمع الوهابي الراسخة عبر ما يقارب العقد من الزمان.

أرامكو مجرد بداية

ظنّ البعض أن الإعلان عن طرح نسبة 5% من أرامكو هو أخر الخطوط الحمراء التي ستكسرها الحكومة السعودية، إذ بات الجميع على يقينٍ تام بأنّ حكومة البلاد ستبيع لا محالة حصّة من شركة النفط العملاقة أرامكو، ولكن سيحدث ذلك مع بيع الكثير من الشركات والحصص في العديد من القطاعات الأخرى.

وشركة أرامكو هي أكبر الشركات التي تسعى الحكومة لخصخصتها، فيما تقدِّر مؤسسات قيمة الطرح بنحو 125 مليار دولار في حين تقدره مؤسساتٌ أخرى بأقلّ من ذلك بكثير، وبالرغم من أن طرح أرامكو كافٍ لسد عجز الموازنة بالبلاد إلا أنّ الاتجاه للخصخصة بات سياسة أساسية للإيرادات وطريقٌ جديد لتنويع اقتصاد البلاد، وذلك بعد تعثر نمو القطاع غير النفطي في المملكة العام الماضي.

وبحسب التويجري فإن السعودية تتبنّى برنامج شراكة بين القطاعين العام والخاص والذي تتشارك من خلاله الحكومة مع القطاع الخاص في تحمل تكاليف الاستثمار والمخاطر وفي جني الأرباح من المشروعات، وهو ما سيحدث في صناعة السيارات على سبيل المثال، بالإضافة إلى إن قطاعات البلديات والخدمات اللوجستية التي تشمل المواصلات والمطارات والموانئ ربما تكون أولى القطاعات التي تشهد شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص، كذلك.

الجوانب الإيجابية

لا تقف الخصخصة بشكلٍ عام وفي السعودية خاصة على الجوانب السلبية فقط، ولكن يرى البعض أن هناك جوانب إيجابية كذلك، ستؤثر على مستوى الجودة في تقديم الخدمات والأسعار وتخلق ثقافة العمل بالقطاع الخاص، لكنّها في النهاية تهدف إلى زيادة إيرادات المملكة وتطوير نظام المنافسات والمشتريات والاستثمار الأجنبي لزيادة ضريبة الدخل.

عصام الزامل، الكاتب الاقتصادي السعودي، يرى أن الهدف الرئيسي من الخصخصة بالمملكة خو زيادة الكفاءة للخدمات، إذ يرتكز البرنامج على جانبين، الأول تقليل المصاريف حيث يهدف تخصيص التعليم والصحة إلى تقليل رواتب العاملين فيها دون تغيير سلم الرواتب الرسمي، والثاني إيجاد مصادر دخل بتحويل بعض القطاعات إلى شركات تقدم خدمات مقابل دخل، وهذا قد يتعارض مع فكرة الكفاءة التي يحرص عليها القطاع الخاص.

شركات ومؤسسات تنتظر البيع

يعتمد برنامج السعودية للتحوُّل الوطني على طرح شركات ومؤسسات من 16 قطاع حكومي أمام مستثمرين محليين وعبر البورصة السعودية أو من خلال الاكتتاب العام أو بيعها لمستثمرين أجانب بشكلٍ مباشر، وتتوزع هذه الشركات والمؤسسات بين، الطاقة والمطارات والمطاحن والإعلام والأغذية والأندية الرياضية، بالإضافة إلى التعليم والشؤون البلدية والقروية والصحة والعمل والنقل والمواصلات.

هل تكبح الخصخصة جماح عجز الموازنة وتآكل
الاحتياطي؟

من المتوقع أن يوقف برنامج الخصخصة التي شرعت فيه المملكة نزيف الأصول الاحتياطية الأجنبية لدى مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي)، إذ فقدت 31% من قيمتها منذ بدء هبوط النفط، في منتصف 2014، بما يقارب 214 مليار دولار.

وبالرغم من الهبوط المستمر تبقى احتياطيات المملكة عند مستوياتٍ مريحة، كونها تكفي لتمويل واردات البلاد لنحو 45 شهرًا، إلا أن تخوفات مراوحة أسعار النفط الخام عند المستويات الحالية، يهدد بمزيدٍ من التراجعات اللاحقة، وبحسب وزير المالية السعودي محمد الجدعان، فإنّ المملكة تملك أصول نقد أجنبي لدى البنك المركزي تعادل 84% من الناتج المحلي الإجمالي.

وقد فقدت الأصول الاحتياطية الأجنبية للسعودية في الخارج نحو 869.1 مليار ريال (213.8 مليار دولار) من قيمتها منذ مطلع سبتمبر (أيلول) 2014، فيما سجلت بنهاية فبراير(شباط) الماضي إلى 1.928 مليار ريال (514.1 مليار دولار)، من مستواها القياسي البالغ 2.797 مليار ريال (745.9 مليار دولار)، المسجل في أغسطس (أب) عام 2014.

على الجانب الأخر تكشف نتائج الربع الأول لعام 2017 للموازنة السعودية عن عجزٍ بلغ 26 مليار ريال (6.93 مليار دولار)، ولكن غالبًا من ما سيختفي هذا العجز مع اكتمال برنامج الخصخصة التي ستقوم به المملكة، وكانت السعودية قد أعلنت في ديسمبر (كانون أول) الماضي موازنة العام 2017، بإجمالي نفقات تبلغ 890 مليار ريال (237.3 مليار دولار)، مقابل إيرادات قيمتها 692 مليار ريال (184.5 مليار دولار)، بعجزٍ مُقدر قيمته 198 مليار ريال (52.8 مليار دولار).‏‎

عرض التعليقات
تحميل المزيد