غضب واسع وحزن يخيم على العاصمة العراقية بغداد بعد ليلة دامية سقط فيها 25 قتيلًا وأكثر من 120 جريحًا برصاص وسكاكين مليشيات مسلحة موالية لإيران. في هجوم جاء بعد ساعات قليلة من خطبة للمرجعية الدينية الشيعية في مدينة النجف تنادي بضرورة حماية المتظاهرين السلميين وتحريم سفك الدماء في ساحات التظاهرات ببغداد ومدن جنود البلاد التي تشهد احتجاجات واسعة منذ شهرين.

«وقائع قتل معلن».. هكذا وقعت المجزرة

وقعت المجزرة ليلة الجمعة 5 ديسمبر (كانون الأول)، عند جسر السنك. رتلٌ من المركبات المدنية رباعية الدفع، وعشرات المقاتلين مدجيين بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، يفتحون النار على المتظاهرين في مرآب السنك وساحة الخلاني، ليستمر إطلاق النار حتى وقت متأخر من تلك الليلة دون ان تدخل قوات الأمن من تشكيلات وزارتي الدفاع والداخلية التي كانت موجودة هناك ولها مفارزها الأمنية في كل ساحة وشارع.

مصدر خاص في الحرس الرئاسي العراقي والذي يتولى حماية المنطقة الخضراء قال لـ«ساسة بوست» – شريطة عدم الكشف عن هويته – إنَّ: «الرتل انطلق من شارع القناة ببغداد وكان بانتظاره عناصر أخرى اخترقت ساحة التحرير وساحة الخلاني وبعض تلك العناصر استطاعت قبل يوم من الحادث الصعود إلى مرآب السنك واختراق صفوف المتظاهرين هناك».

وأضاف المصدر أنَّ «الخطة كانت نشر الفوضى في ساحتي التحرير والخلاني من خلال القيام بعمليات طعن بالسكاكين وإطلاق الرصاص وتفجير العبوات الصوتية، ومن ثم اتهام مندسين بتخريب التظاهرات لتسهيل إفراغ الساحات من المتظاهرين، أو على أقل تقدير السيطرة على مداخل تلك الساحات والتحكم بالداخلين والخارجين إليها».

Embed from Getty Images

متظاهر عراقي يحمل آخر بعد إصابته في أحداث منطقة السنك ببغداد

وردًا على سؤال «ساسة بوست» عن هوية تلك المليشيات أكد المصدر في الحرس الرئاسي أن مليشيات «كتائب حزب الله» العراقي و«عصائب أهل الحق» و«منظمة بدر» هي المسؤولة عن مذبحة بغداد وعزز روايته بالحديث عن وثيقة مسربة تؤكد خطة المليشيات المسبقة للإجهاز على التظاهرات.

الوثيقة السرية التي حصل عليها «ساسة بوست» توثق قيام عناصر من مليشيا «حزب الله» تستقل عجلات مدنية بالوصول إلى أحد جوامع بغداد في منطقة الرصافة وتحديدًا شارع فلسطين، في الساعة التاسعة مساءً من يوم الجمعة الماضي، وتكشف الوثيقة السرية ان بحوزة مجاميع «مليشيا حزب الله»، أسلحة متوسطة وقاذفات «أر بي جي»، قامت بإيداعها داخل الجامع، الذي يعد مقرًا لهم، ويقدر العقيد صباح حميد عواد وهو آمر قاطع الرصافة الاول، عدد عناصر المليشيا بين 300 إلى 400 مقاتل.

وثيقة سرية مسربة تظهر خطة المليشيات وتجمعها لقتل المتظاهرين

علي عبد الكريم مراسل ميداني، كان شاهدًا على مذبحة السنك، قال لـ«ساسة بوست»: إنَّ «عشرات المتظاهرين سقطوا بين قتيل وجريح في مرآب السنك وساحة الخلاني والمليشيات التي هاجمت المكان كانت تقتل بدم بارد، كانوا يطعنون بالسكاكين ويطلقون رصاص البي كي سي بشكل عشوائي على المتظاهرين والبنايات، وهذا ما تسبب بغحراق كراج السنك الذي كان يتمركز فيه عدد كبير من المتظاهرين».

علي عبد الكريم روى أيضًا أن مليشيات «حزب الله» و«عصائب أهل الحق» اختطفوا عددًا من المتظاهرين من داخل مرآب السنك وأجهزوا على عدد آخر في البناية ذاتها، وعندما انسحبت بعض العناصر بقيت مجاميع أخرى في المنطقة طيلة تلك الليلة، واستمروا بإطلاق النار على المتظاهرين: «في شارع أبو نؤاس اعتلى بعض القناصة من المليشيات أسطح البنايات العالية وقاموا بقنص المتظاهرين».

«الهجوم كان منسقًا بشكل واضح، ما يطرح تساؤلات جدية حول كيفية تمكن المسلحين المدججين بالسلاح، في موكب من المركبات، من المرور عبر نقاط التفتيش في بغداد وتنفيذ مثل هذا الهجوم الدموي بحق المتظاهرين»

«منظمة العفو الدولية» قالت إنها حصلت على إفادات مفصلة من شهود عيان عن الهجوم المنسق الذي نفذه مسلحون مجهولون في بغداد ليلة الجمعة الماضية، والذي أودى بحياة 20 شخصًا على الأقل وجرح أكثر من 130 آخرين.

‏وأكدت «منظمة العفو الدولية» أن الإفادات التي حصلت عليها لا تترك مجالًا للشك من أن الهجوم كان منسقًا بشكل واضح؛ ما يطرح تساؤلات جدية حول كيفية تمكن المسلحين المدججين بالسلاح، في موكب من المركبات، من المرور عبر نقاط التفتيش في بغداد وتنفيذ مثل هذا الهجوم الدموي بحق المتظاهرين.

أحد الشهود الذين حصلت «منظمة العفو الدولية» على إفادتهم ذكر أنَّ عددًا كبيرًا من المسلحين وصلوا في عربات نصف نقل، واختلط بعضهم بالمحتشدين وقاموا بطعنهم وأشعلوا النيران بأجزاء من مرآب السنك للسيارات، أما مديرة الأبحاث لمنطقة الشرق الأوسط في المنظمة لين معلوف فقالت: «تؤكد الشهادات التي جمعناها وصول مجموعة من الأشخاص المدججين بالسلاح في قافلة من السيارات، بعد أن تمكنوا من اجتياز نقاط التفتيش في المدينة لارتكاب المجزرة».

بعد ذلك كله وبعد سقوط عشرات القتلى والجرحى أعلن الجيش العراقي أنه سيتوجه إلى ساحة الخلاني وجسر السنك من اجل حماية المتظاهرين ومنع المظاهر المسلحة، فيما طالبت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق – مؤسسة تابعة للبرلمان العراقي – القوات الأمنية بتحمل مسؤوليتها في الحفاظ على حياة المتظاهرين السلميين، وإعادة الأمن لساحات التظاهر في بغداد. محذرةً من انفلات الوضع الأمني في بغداد.

المتظاهرون في ساحتي التحرير والخلاني يتهمون الأجهزة الأمنية بالتواطؤ مع المليشيات التي هاجمتهم، ويعتقدون ان انقطاع التيار الكهربائي عن ساحة الخلاني ومنطقة السنك والذي جاء بالتزامن مع هجوم المليشيات كان مدبرًا لقتل أكبر عدد من المتظاهرين ومنع كاميرات المراقبة من تصوير المجزرة المروعة.

«أعمال العنف التي تقوم بها العصابات، والناتجة عن ولاء خارجي، أو بدافع سياسي، تضع العراق على مسار خطير»

الأحداث الدامية لاقت استنكارًا دوليًا واسعًا، حيث ادانت الأمم المتحدة في العراق «إطلاق النار على المتظاهرين العزل في وسط بغداد ليلة الجمعة» ووصفت قتل المتظاهرين غير المسلحين من قبل عناصر مسلحة بأنَّه «عمل وحشي ضد شعب العراق، ويجب تحديد هوية المسلحين وتقديمهم الى العدالة دون تأخير».

وفي بيان شديد اللهجة دعت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جانين بلاسخارت، قوات الامن العراقية إلى «بذل الجهد لحماية المتظاهرين السلميين من اعمال العنف التي تقوم بها عناصر مسلحة خارج نطاق سيطرة الدولة».

الربيع العربي

منذ 7 شهور
«ميدل إيست آي»: «سنسقط النظام كله».. متظاهرو بغداد يحتفلون بانتصارين
عرض التعليقات
تحميل المزيد