«النظام المصري حليف لواشنطن، والروس أعداؤها، لكن النظام المصري حليف لروسيا أيضًا». «الولايات المتحدة تُعادي بشار الأسد، والروس حلفاء له، والخليج يُعادي الأسد، والمصريون حلفاء الخليج». هل بإمكانك استخراج حقيقة الموقف المصري من نظام الأسد في سوريا، من الجمل السابقة؟ يبدو الأمر صعبًا.

مرّ الموقف المصري من الأزمة السورية بعدة تقلبات، يُمكن اعتبارها انعكاسًا للتغيرات في طبيعة النظام الداخلي في مصر. في البداية ومع اندلاع التظاهرات المناهضة لحكم بشار الأسد في مارس (آذار) 2011، كانت مصر محكومة من المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي، وكان النظام المصري يتبنى مواقف عمومية في مجمله، متوازية مع التحركات العربية، فدعت مصر إلى حل سياسي ينهي الأزمة في البلاد ويحافظ على تطلعات الشعب، مع تأكيد رفضها لأي عمل عسكري خارجي. باختصار لم تكن مصر لاعبًا رئيسيًا في تلك الفترة، حيث كانت السلطة في مصر قد انكفأت على نفسها بسبب تسارع الأحداث الداخلية.

لكن مع وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة بحيازتهم الأغلبية في مجلس الشعب، ثم انتخاب محمد مرسي رئيسًا للبلاد في منتصف 2012، بدأت السياسة الرسمية المصرية تنحو أكثر فأكثر بعيدًا عن الأسد وقُربًا من الثورة السورية، فارتفع سقف النقد لسلطة الأسد، واحتضنت القاهرة قوى المعارضة السورية وسُجّلت حالات لانضمام مصريين إلى جانب الفصائل المسلحة التي تقاتل النظام السوري. في تلك الأثناء كان نجم المكون الإسلامي داخل صفوف المعارضة يعلو شيئًا فشيئًا، الأمر الذي كان يعني مزيدًا من «التعاطف» على الأقل باعتبار الأرضية المشتركة بين السلطة في مصر والقوى الإسلامية المعارضة في سوريا.

تكلل موقف الإخوان من الأزمة السورية وصار أكثر وضوحًا بالمؤتمر الذي عقد في منتصف يونيو (حزيران) 2013 بعنوان «الأمة المصرية لدعم الثورة السورية»، والذي أعلن فيه مرسي قطع العلاقات الديبلوماسية مع النظام السوري وإغلاق سفارته في القاهرة وسحب القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين بارك «الجهاد» في سوريا للإطاحة بالأسد، كما أنه خص داعمي الأسد سيما حزب الله بالانتقاد في قوله إنّ «المصريين وقفوا مع لبنان وحزب الله ضد العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 2006 واليوم يقفون ضد حزب الله لعدوانه على سوريا».

لكن القدر لم يُمهل مرسي وجماعته كثيرًا، أو قليلًا، فبعد أيام قليلة من المؤتمر وعلى إثر تظاهرات ضخمة عمّت شوارع البلاد، أطاح الجيش المصري بحكم الإخوان وعزل مرسي، لتجيء سلطة جديدة حملت معها أجندة جديدة للتعاطي مع المسألة السورية التي بقيت مستعصية على الحل.

«إشارات الحب» بين نظام السيسي والأسد

لم تكد تمضي بضع ساعات على الإطاحة بنظام الإخوان على يد وزير الدفاع المصري آنذاك عبد الفتاح السيسي، حتى قررت السلطة المصرية بالاتفاق مع نظام الأسد استئناف عمل القسم القنصلي بالسفارة المصرية بالقاهرة، ورغم تبرير الأمر حينها بأنّ الأمر جاء لأسباب إدارية ولتسهيل إجراءات السوريين المقيمين بالبلاد، إلا أن الأحداث اللاحقة كانت تثبت أكثر فأكثر «التعاطف الخفي»، الذي لم يلبث أن تحول إلى تأييد ظاهر، الذي جمع علاقة النظام المصري الجديد بسلطة دمشق.

لشهور طويلة، اتبعت القاهرة سياسة «ترقب وانتظر» تجاه المسألة السورية، ولم تشأ أن تلقي بثقلها تمامًا خلف أحد طرفي الصراع، ظاهريًّا على الأقل، وإن ظل خطاب «الحرب على الإرهاب» هو الشعار المهمين، وشبه الوحيد على السياسة المصرية، وهو ما كان يُستبطن منه تأييدٌ ضمني من القاهرة للأسد، باعتبار أن «عدو عدوي صديقي».

جاء التدخل السوري عسكريًا في سوريا لتحظي الضربات الروسية بمباركة وتأييد مصريين، وفيما أدت تلك الضربات إلى تدعيم نظام الأسد ومنع سقوطه، بل وإلى قلب الكفة لصالحه كثيرًا في مواجهة فصائل المعارضة، وهو ما قضى على كثير من التردد المصري إزاء المسألة، وزادت الإشارات التي تؤكد دعم القاهرة واصطفافها إلى جانب الأسد.

وفي أكتوبر (تشرين الثاني) 2016، وقفت  مصر، وهي العضو غير الدائم في مجلس الأمن، داعمة مشروع قرار روسي في مجلس الأمن بخصوص سوريا، الأمر الذي كان أثار غضب حلفائها الخليجيين، وعبر المندوب السعودي في مجلس الأمن عبد الله المعلمي عن هذا الغضب بقوله: «كان مؤلمًا أن يكون الموقف السنغالي والماليزي أقرب إلى الموقف التوافقي العربي من موقف المندوب العربي المصري. ولكن أعتقد أن السؤال يُوجه إلى مندوب مصر»، وقد تبع ذلك إعلان عملاق النفط السعودي «أرامكو» وقف شحنات نفط سعودية كان مقررًا أن ترسل إلى القاهرة وفق اتفاق سابق.

https://www.youtube.com/watch?v=kx44Msh55YQ

لم تمض بضعة أسابيع على هذه الحادثة، حتى خرج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتصريح أكثر إثارة، حين عبّر في مقابلة مع قناة «RTP» البرتغالية عن دعمه لـ«الجيش الوطني» في سوريا في إشارة إلى قوات الأسد، قائلًا: «من الأفضل دعم الجيش الوطني على سبيل المثال في ليبيا لفرض السيطرة على الأراضي الليبية والتعامل مع العناصر المتطرفة وإحداث الاستقرار المطلوب، ونفس الكلام في سوريا والعراق».

لماذا يُفضّل السيسي النظام السوري؟

في مقاله بمجلة فورين أفيرز، يحلل أورين كيسلر أسباب حُبّ السيسي لنظام الأسد في البداية يمكن القول إن «محاربة الإسلام السياسي» تحتل أولوية مُطلقة في الخطاب والسلوك السياسي للنظام المصري، وقد جاء السيسي إلى السلطة استنادًا إلى شرعية الإطاحة برئيس يمثل كبرى حركات الإسلام السياسي في العالم «الإخوان المسلمين».

وتخوض قوات الأمن المصرية منذ سنوات قتالًا مريرًا مع عناصر تنظيم «ولاية سيناء» التابع لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ومن ثم فإن آخر ما قد يرغب فيه السيسي هو رؤية الرئيس السوري الذي حكمت عائلته البلاد زهاء أربعة عقود، يغادر السلطة على يد الإسلاميين.

وتجمع كلًّا من السيسي والأسد خصومةٌ مع نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه الحاكم، فقد احتضن أردوغان معارضي السيسي من الإخوان المسلمين، وسمح للأراضي التركية أن تكون منبرًا تبث فيه ليل نهار فضائيات معارضة للسيسي، ولا يمل من رفع شارة «رابعة» التي تثير استفزاز النظام المصري في كل محفل، وفي الوقت نفسه فإن أردوغان هو أكبر داعم لمعارضي الأسد، سواء على مستوى الخطاب السياسي أو الدعم الديبلوماسي، أو الإمدادات اللوجستية العسكرية للفصائل المسلحة.

رجب طيب أردوغان يرفع شارة رابعة

يتمثل السببان الأول والثاني إذًا في مبدأ «عدو عدوي هو صديقي»، بينما السبب الثالث كما يشير كيسلر قد يعود إلى مبدأ «صديق صديقي هو صديقي»، بعد أن استحدث السيسي تحالفًا طموحًا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واستجلب منه الدعم العسكري عبر صفقات أسلحة ضخمة، بل امتد الأمر إلى تعاون في مجال الطاقة النووية، ولما كان بوتين أبرز داعمي الأسد، فإن الموقف المصري من الأخير يصبح مفهومًا بوصفه بوابة تتيح للسيسي مزيدًا من التقرب من قيصر الكرملين.

لماذا ليس بإمكان السيسي تقديم الكثير من الدعم؟

مطلع فبراير (شباط) الجاري، حطت طائرة عسكرية روسية قادمة من مطار اللاذقية في مطار مصري قريب من الحدود الغربية، قبل أن تعود إلى سوريا مرة أخرى، ما اعتبره البعض مؤشرًا جديدًا على دعم مادي ملموس يقدمه السيسي إلى الأسد، لكن تقارير لاحقة أشارت إلى أن الطائرة كانت تحمل جرحى ليبيين من معسكر القائد الليبي الحليف لبوتين، خليفة حفتر، ولم يكن الأمر يخص الأسد.

ربما تشير الحادثة السابقة إلى أن التكهنات بدعم مصري واسع وملموس للأسد قد تكون مبالغة في كثير من الأحيان. صحيح أن السيسي يُفضّل الأسد، لكن أن يُترجم هذا التفضيل في إجراءات عملية ودعم مادي لا محدود، فهذا أمر قد يكون مقيدًا بالكثير من الاعتبارات.

وربما لا يكون من السهل بالنسبة إلى السيسي الانفكاك تمامًا من تحالفاته التي لا تزال قائمة بشكل أو بآخر وإن أصابها الخمول، مع بعض دول الخليج العربي والمملكة العربية السعودية على وجه التحديد، كما لا يمكنه التغريد فترةً طويلةً بعيدًا عن سرب التوافق الدولي، وربما يؤشّر تراجع الموقف المصري نسبيًا في الأزمة الليبية، وقبوله المبدئي بحكومة الوفاق مع رغبة في تعديلات، إلى المبدأ المشار إليه.

يُضاف إلى ذلك الحالة الداخلية المصرية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي لا تحتمل طويلًا انخراطًا مُباشرًا في ميدان معقد ومكلف لا سيما إذا كان هذا التدخل بلا أفق واضح، وهي المواصفات التي تنطبق تمامًا على الحالة السورية، وقد سبق لمصر أن امتنعت عن إرسال جنودها للمشاركة في قتال مباشر ضد الحوثيين في اليمن.

يُمكن القول إذًا، إن تفضيل السيسي لبشار الأسد ونظامه في سوريا وما يُمثّله في المنطقة لا يعني قدرته على تقديم المزيد من أجله، أو «ما كل ما يتمناه المرء يُدركه».

عرض التعليقات
تحميل المزيد