ما الذي يفعله الإنسان عادةً عندما يواجه مشكلةً ويحاول حلها؟ فمثلًا، في العمل، عندما يواجه شخص مشكلةً، ويسعى لحلها مع بقية زملائه، من المنطقي أن يبحث على الإنترنت عنها مع الاطلاع على أوراق بحثية، أو تقارير عن هذه المشكلة، ويعقد اجتماعًا مع بقية الزملاء لنقاشها، ويبحث عن برمجيات لإضافتها للشركة لحلِّ هذه المشكلة.

هل لاحظت أن البشر يلجؤون عمومًا إلى حل المشكلات عن طريق إضافة المزيد من الأشياء بدلًا من تقليلها؟ غالبًا ما يحد الأشخاص من إبداعهم عن طريق إضافة أشياء جديدة (أدوات أو ميزات) على الوضع القائم، بدلًا من إزالة بعض الميزات والخصائص الموجودة، أثارَ هذا السلوك اهتمام العلماء، ويعتقد بعضهم أننا نعرف الآن السبب وراء هذه الطريقة في حل المشكلات.

الحذف أفضل من الإضافة أحيانًا

قبل الخوض في التفاصيل العلمية والأكاديمية لهذه النقطة، وما توصل له العلماء، ربما نحتاج إلى توضيح الفكرة نفسها بأمثلة على فكرة حل المشكلات بالحذف بدلًا من الإضافة. هل تعلم مثلًا أنه في بعض المدن الأوروبية، تخلص المسؤولون عن التخطيط من إشارات المرور وإشارات الطرق لجعل الشوارع أكثر أمانًا، هذه الفكرة تبدو متعارضةً مع الفكرة التقليدية لتصميم حركة المرور التي ترى ضرورة «إضافة» المزيد من الإشارات المرورية لتجنب وقوع الحوادث.

مثال آخر: مشكلة كيفية تعليم الأطفال ركوب الدراجات الهوائية، على مدى أجيال، كانت الطريقة التقليدية لتعلم كيفية ركوب الدراجة هي باستخدام عجلات التدريب الإضافية أو استخدام الدراجة ثلاثية العجلات بدلًا من الدراجات العادية ذات العجلتين.

لكن في السنوات الأخيرة، وجد المختصون طريقة أفضل، بالحذف لا بالإضافة، فقد اختار العديد من الآباء تدريب أطفالهم باستخدام درجات تسمى «دراجات التوازن»، وهي دراجات ذات عجلتين، لكنها لا تحتوي على الدواسات، تمكِّن هذه الدراجات الأطفال من تطوير التناسق والاتزان اللازمين لركوب الدراجات، وهي مهارة لا يمكن اكتسابها بسهولة باستخدام مجموعة إضافية من العجلات (عجلات التدريب الإضافية).

شاهد في هذا الفيديو كيفية استخدام دراجات التوازن لتعليم الأطفال:

هنا يُطرح سؤال: إذا كانت فوائد استخدام دراجات التوازن أكبر، فلماذا استغرق الأمر وقتًا طويلًا لنا حتى نستخدمها بدلًا من عجلات التدريب الإضافية؟

ثلاث تجارب

نأتي هنا إلى أحدث دراسة تجيب عن هذا السؤال، أجريت عام 2021 على 1585 شخصًا، يمرُّون بثماني تجارب مختلفة أظهرت أن أدمغتنا تميل إلى الإضافة بشكل تلقائي بدلًا من الحذف عندما نبحث عن حلول، وفي كثير من الحالات لا نفكر أصلًا بخيار الحذف.

لاحظَ الباحثون أن هذا الميل نحو الإضافة يظهر في ثلاثة سيناريوهات على وجه الخصوص، الأول عندما يكون الشخص بحاجة لتوسيع معرفته أو معلوماته ليتخذ قرارًا أفضل لحلِّ المشكلة.

منوعات

منذ شهرين
هكذا يُمكن لنظافة منزلك والبيئة حولك أن يؤثرا في صحتك العقلية

في إحدى التجارب، طُلب من المشاركين إنشاء شبكة متناظرة من المربعات الملونة على شاشة كمبيوتر مع استخدام أقل عدد ممكن من النقرات، وفي نفس وقت قيامهم بهذه المهمة، طُلب منهم الانتباه لشريط متحرِّك من الأرقام مع الضغط على زر مخصص عند ظهور الرقم 5، هذه المهمة الإضافية شتَّت المشاركين في التجربة أكثر، مما قلَّل انتباههم لوجود حلول أبسط عن طريق الحذف، بدلًا من رسم المزيد من المربعات.

ولم ينتبه للحل البسيط سوى 20% فقط من المشاركين، أما البقية، وتحت شعورهم بالضغط، بدأوا في إضافة مربعات ملونة جديدة.

الميل للإضافة.. حتى لو زادت الكلفة

السيناريو الثاني في الدراسة، عندما يكون الوقت المتاح للنظر في الخيارات الأخرى محدودًا، أي إن الأشخاص الذين يسعون لحل مشكلة ما، يكونون تحت ضغط عامل الوقت. وفي السيناريو الثالث، لا يحصل المُشاركون على تنبيه يخبرهم بأن الحذف أحدُ الحلول الممكنة لمشكلتهم.

في واحدة من التجارب، طُلب من المشاركين تحسين تصميم مجسَّم من لعبة «ليجو»، بحيث يكون المجسم قادرًا على تحمل المزيد من الوزن، نُبِّه نصف المشاركين بأن بإمكانهم إزالة المكعبات أو إضافتها، ولم يُبلغ النصف الآخر.

المجموعة التي نُبهت، حلَّ 61% منهم المشكلة عن طريق إزالة واحد من المكعبات، وهي الطريقة الأسرع والأفضل لتقوية الهيكل لتحمل المزيد من الأوزان، وفي المجموعة التي لم تُنبه، لجأ 41% فقط إلى أسلوب إزالة المكعبات.

يمكنك مشاهدة التجارب والاختبارات في هذا الفيديو:

تُشير نتائج الدراسة إلى أن الإنسان يحاول حل المشكلات بالإضافة، حتى لو كان ذلك يعني المزيد من الكلفة والتعب في بعض الأحيان، وحتى لو كان الحذف هو الحل الوحيد للمشكلة التي تواجهنا، وحتى لو وجدت حوافز مالية ما، تدفع الإنسان للتفكير بالحذف، يميلُ معظم الناس لخيار الإضافة.

لماذا يميل الإنسان إلى الإضافة؟

حلُّ المشكلات بالإضافة يتبادر بشكل أولي وسريع لذهن الإنسان، ويأخذ القليل من الجهد العقلي، وعادةً يميل له الإنسان لأنه أول خيار يخطر بباله لحل المشكلة، أما الحلُّ بالحذف والخيارات الأخرى فتتطلب المزيد من التفكير والجهد الذهني، ولكنها ليست أصعب، وهذا من التفسيرات التي يقدمها العلماء جوابًا عن سؤال: لماذا نميل لحل المشكلات بالإضافة؟

Embed from Getty Images

وربما يكون من الأسباب أنَّ أدمغتنا ترى أن الأكبر هو الأفضل بالضرورة، ولذا من الأفضل أن نقوم بالإضافة، هذا مما يفترضه العقل الباطن دون أن نشعر. وأحيانًا نفترضُ أن التخلص من شيء موجود قد يُفاقم المشكلة أكثر.

بالإضافة إلى مكعبات ليجو، التي ذكرناها سابقًا، يقول العلماء إن فكرة الحذف مهمة في مجالات وتخصصات مختلفة، بما فيها تخصصك الذي تعمل فيه، وعلى مستويات عديدة أيضًا: على صعيد الشركات والمؤسسات الكبيرة والصغيرة، وعلى مستوى البشرية اليوم في بحثنا عن طرق أفضل لإدارة موارد الكوكب.

تشيرُ الدراسة السابقة إلى ميل البشر للتعقيد (إضافة المزيد) بدلًا من التبسيط (الحذف) في حل المشكلات، هو أمر لا بد أن يتغير على صعيد الإنسان والشركات والعمل الدولي الجماعي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد