«الجاسوس»، هكذا عرفناه، وظل في مخيلتنا، ماكرًا يتسلل إلى القلوب والعقول، ينسخ الجمل والمواقف ويتركها لسنوات؛ لتتذكرها في كل المواقف، تظن للحظات أنه جاسوس بحق، يقرأ أفكارك، ويعرف تحديدًا متى سيضحكك، ومتى سيبكيك على حالك. تغني، أو تكتب حكمة غير ذات معنى من جمل أفلامه.

إنه الفنان المصري «محمود عبد العزيز» الذي أُعلن أمس وفاته عن عمر يناهز 70 عامًا، بعد صراع قصير مع «مرض السرطان»، ويعد «عبد العزيز» أحد أبرز الممثلين المصريين والعرب الذين قدموا دور الجاسوس من خلال حلقات مسلسل رأفت الهجان (إنتاج 1987) التي تسرد بقلم «صالح مرسي» قصة من ملفات المخابرات المصرية عن جاسوس زرع داخل الأراضي المحتلة، كما يعد أبرز من قدم دور الكفيف «الشيخ حسني» في «الكيت كات» إخراج «داوود عبد السيد».

«عبد العزيز» تخرج في كلية الزارعة جامعة الإسكندرية، وولد في 4 يونيو (حزيران) 1946، في الإسكندرية أيضًا وتحديدًا في حي الورديان، وحصل على «الماجستير» في تخصص «تربية النحل»، متزوج من الإعلامية «بوسي شلبي»، له من الأولاد من زوجته الأولى، منهم «كريم محمود عبد العزيز»، ويعمل ممثلًا، واشتهر بـ«الساحر» بعد بطولته فيلم يحمل نفس الاسم، أنتج عام 2001، من تأليف «سامي السيوي»، وإخراج «رضوان الكاشف».

«الساحر»، «النمس»، «صاحب سوق المتعة» «الجوكر»، ألقاب أطلقت عليه، تبرز شخصيته السينمائية البسيطة، ومهارته الفنية القادرة على طرح أكثر الأفكار عمقًا بشكل بسيط وسهل، يلاعبك بتعبيرات الوجه والجمل الجديدة، وبعيونه عسلية اللون يقتحم أفكارك؛ ليصنع حالة البهجة، حتى في أكثر أدواره شراسه «عبد المالك زرزور» في «إبراهيم الأبيض» حين تقمص «كاريزما» الزعيم المسيطر بثبات وثقة.

مسلسل الدوامة

بداية النجومية

يقول الناقد الفني رامي عبد الرازق ذات يوم سأل مدرس بإحدى المدراس الابتدائية تلاميذه، وهم يستعدون لتقديم مسرحية على مسرح المدرسة (مين يعرف يقلد الشيطان؟) فنهض أحد التلاميذ، وقال أنا يا أستاذ، وراح يقلد الشيطان بحركات ساذجة، لكنها كانت كفيلة بإقناع المدرس بإسناد الدور له، كان الشيطان هو الشيطان، ولكن كان اسم التلميذ الذي قلده هو محمود عبد العزيز محمود، فالفن وحب التمثيل في دماء الفنان منذ صغره.

الناقد السينمائي طارق الشناوي يقول «محمود عبد العزيز أحد فتيان الشاشة الكبار منذ 30 عامًا، ويثير حضوره على الشاشة حالة من البهجة لدى الجماهير، بدايته كانت مجرد مصادفة، منحته دورًا صغيرًا يكاد لا يلاحظه أحد، منحه له المخرج الراحل «نور الدمرداش» في مسلسل «كلاب الحراسة». وينقل «الشناوي» عن «عبد العزيز» قوله «كان أجري في هذا العمل لا يتجاوز مبلغ أربعة جنيهات فقط. إلا أنه كان السبب في ارتباطي بعلاقة صداقة قوية مع المخرج «نور الدمرداش»؛ فعملت معه كمساعد مخرج في مسلسل للتلفزيون السعودي كان عنوانه «بلا مقابل»، وقتها كان يعد لتقديم مسلسل «الدوامة»، فاختارني للمشاركة به في دور هام مع الفنان «محمود ياسين»، والفنانة «نيللي»، وكان بمثابة بدايتي الحقيقية؛ فمن خلاله شاهدني المنتج الكبير «رمسيس نجيب»؛ فوقع معي عقدًا لبطولة فيلم «حتى آخر العمر»، ومن هنا كانت انطلاقتي في السينما.

ويقال أيضًا إن المنتج رمسيس نجيب أراد أن يجد بديلا لـ«دنجوان» السينما وقتها «حسين فهمى»؛ بعد رفع أجره، وقد كان، الحل مع محمود عبد العزيز، لتكون وسامة الفنان سببًا رئيسًا في دخوله عالم التمثيل؛ ليكون رصيده 80 فيلمًا، و25 جائزة دولية ومحلية.

أبرز الأفلام التي أدي فيها عبد العزيز دور الوسيم «الحفيد» 1974، و«حتى آخر العمر» 1975، و«البنات عايزة إيه» 1980 و«العذراء والشعر الأبيض» 1983، وكان له ظهور لافت في فيلم «شفيقة ومتولي» 1978.

حصل محمود عبد العزيز على العديد من الجوائز السينمائية من مهرجانات دولية ومحلية، منها جائزة أحسن ممثل عن أفلام «الكيت كات»، و«القبطان»، و«الساحر» من مهرجان دمشق السينمائي الدولي، وأحسن ممثل عن فيلم «سوق المتعة» من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وأحسن ممثل عن فيلم «الكيت كات» من مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي.

«رأفت الهجان» وعادل إمام

يعد مسلسل رأفت الهجان أحد أهم وأبرز ما قدمه «عبد العزيز»، أدى شخصية لم يسمع عنها المصريين من قبل، ولكنها ارتبطت بشخصه حتى اليوم، وانتقل الأمر من مجرد مسلسل إلى أسطورة لدى المصريين وبعض الدول العربية، الناقد الفني «أحمد فايق» يسرد واقعة شهد عليها حول عبد العزيز، وشخصية «رأفت الهجان» قائلًا «كنا في مؤتمر بمدينة تطوان في المغرب، وكنت مع محمود عبد العزيز، وشعرت بصداع، وذهبنا للبحث عن علاج»، ويتابع فايق «أحد المواطنين المغاربة شاهد عبد العزيز من زجاج العربية؛ فصرخ «رأفت الهجان هنا في تطوان» ونزل العشرات من أبناء المدينة لالتقاط الصور مع عبد العزيز.

وما زال حتى يومنا هذا يكرر البعض جملًا من المسلسل، وبخاصة الحوارات بين «محسن بيه ممتاز، ورأفت الهجان، أو ديفيد شارل سمحون».

وقد تفاجأ عندما تعرف أن المسلسل وأجزاءه الثلاثة، كان سيؤديها في البداية «عادل إمام»، وبحسب المخرج «علي عبد الخالق»، فإن المسلسل كان معروضًا منذ البداية على الفنان عادل إمام، الذي كان قد حقق نجاحًا كبيرًا في مسلسل «دموع في عيون وقح»، ويضيف عبد الخالق «عادل إمام اعترض على كتابة السيناريو بطريقة الـ Flash Back، فذهب الدور للفنان محمود عبد العزيز، وحقق من خلاله نجاحًا كبيرًا».

«الكيف».. المزاجنجي والغناء

فيلم «الكيف» يعتبره الجمهور من الأفلام الكوميدية، على الرغم من أن قصته تدور حول المخدرات والإدمان، ويشارك فيه «يحيي الفخراني» كباحث كيميائي وشقيق «مزاجنجي»، «محمود عبد العزيز» متعهد أفراح ومدمن مخدرات على الحشيش، وتدور الأحداث، وبسبب الأخ الثاني يفقد الأول وظيفته وحياته، ويصبح مدمنًا، أبرز ما فيلم الكيف تحول «عبد العزيز» واهتمامه بالغناء، الذي دفعه لإنتاج شريط بأغاني الفيلم تحت عنوان «الكيميكا» فيما يتعلق بالغناء في أفلامه، فيقول: لا أتعمد الغناء في أفلامي، ولست مطربًا، ولكن المسألة بدأت في فيلم «الكيف» الذي كان يحارب المخدرات، وأيضًا الأغاني الهابطة التي تفسد ذوق وعقول الناس، ثم غنيت في «جري الوحوش». وكل الأغاني التي أديتها موظفة في العمل الدرامي، ويكون دائمًا الغرض منها إنعاش المشاهد، وليس صحيحًا أن غنائي في الأفلام الأخيرة كان استغلالًا لنجاح أغاني «الكيت كات». ومن أبرز أغاني الراحل «الكيمي كيمي كا»، و«تعالى تاني في الدور التحتانى»، و«يا حلو بانت لبِّتك»، و«آه من المكتوب» .

«الكيت كات».. الأعمى البصير المرح

«أنا أشوف أحسن منك في النور، وفي الظلمة كمان» هكذا اختار أن يجيب الشيخ حسني «محمود عبد العزيز» على ابنه يوسف «شريف منير» في حوار بينهم من فيلم «الكيت كات»؛ عندما ذكره أنه أعمي، والشيخ حسني لا يقتنع.

منطقة «الكيت كات» مربع سكني في قلب محافظة الجيزة، قريب من عدد من المناطق الراقية «المهندسين والدقي وشارع جامعة الدول العربية»، وكما أنه واحد من أهم وأكبر العشوائيات في مصر، الفيلم وحي رواية «مالك الحزين» للروائي «إبراهيم أصلان»، ومن إخراج «داوود عبد السيد»، ويعد الفيلم نقلة حقيقة في شكل وأداء عبد العزيز، فلم يعد الوسيم، بل تحول لأعمى وعشوائي وشهواني، لا يتحمل مسئولية أي شيء، فقط يعيش للمخدرات والأكل والنساء والجنون».

مهما قيل من تحليلات نقدية، ووصف للفيلم، فلن يستطع أحد ان يلخص أهمية الدور في حياة محمود عبد العزيز، كما لخصه «أحمد زكي» عندما قال «محمود عبد العزيز لا يستحق فقط جائرة في مهرجان الإسكندرية، ولكن يستحق أوسكار».

«سوق المتعة».. الأدوار المركبة

«سوق المتعة» من تأليف وحيد حامد، وإخراج سمير سيف عام 2000، ويعد من الأفلام التي لم تلق قبولًا جماهيريًا وقت عرضه، وقد لا يتذكره البعض أحيانًا، وان كان مرحبًا بها في أوساط النقاد؛ فأداء «عبد العزيز» دفعه للحصول على جائزة أحسن ممثل عن «سوق المتعة» من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.

ويؤدي الراحل شخصية «أحمد حبيب» في هذا الفيلم دورًا مركب بين القهر النفسي والظلم ومحاولة الحصول علي المتعة ينتقل فيه الفنان بقدرة كبيرة على التعبيرات الجسدية، ونظرات العين، لشخص عاش في السجن 20 عامًا، لا يعرف كيف وضعت له مخدرات في أغراضه، ويخرج من السجن لتقدم له عصابة مخدرات مبلغ 7 مليون جنيه، وبالرغم من ذلك يجد صعوبة في التأقلم مع وضعه الجديد، ولا يحب الرفاهية، يكره الأماكن المفتوحة والواسعة، مفضلًا عليها الأماكن الضيقة والنتنة وقليلة الأوكسجين، يسعد بتنظيف دورة المياه، ثم لا يكتفي بذلك، بل إنه يعمل على شراء مكان معزول، كعزلة السجن، ويتوسل للضابط المسؤول عنهم في السجن بعد تقاعده، والذي كان شديد الإعجاب به، وبعنجهيته وقسوته، ويدفع له راتبًا مغريًا؛ ليؤدي دور مدير السجن الخاص.

عبد الملك زرزور

على الرغم من وسامة الشكل التي يتمتع بها «عبد العزيز»، إلا أنه قام من قبل بدور «الفتوة»، تلك الوظيفة التي كانت تقوم على حماية الناس، نظير دفع ضريبة، وكان ذلك في فيلم «الجوع» 1986، عن قصة «نجيب محفوظ»، ولكنه عاد من جديد، ولكن بشكل مختلف كليًا في «إبراهيم الأبيض» ومن الملاحظ أن محمود عبد العزيز أو «عبد الملك زرزور» لم يكن بطل الفيلم؛ فهناك «أحمد السقا، وعمرو واكد، وهند صبري»، وبالرغم من ذلك كان الأشهر، والأكثر تأثيرًا في المشاهد، حين رسم صنع أداءً مختلفًا في دور الشرير العادل ابن البلد صاحب الخبرة الكبيرة في إدارة العصابات والجريمة بعدد لا يمكن حصره من الجمل المحفوظة في ذهن المشاهد، بداية من «حد ليه شوق في حاجة»، ووصولًا إلى «الإنسان دعيف» بطريقة نطق جديدة، وليست مبتذلة.

يرى عبد العزيز، والذي لم يدرس التمثيل، أنه يعمل بإحساسه، قائلًا «أنا لا أعرف طريقة أو مدرسة في التمثيل، صدقنى المسألة إحساس، وليس خطًا هندسيًا أسير عليه».

التنوع الكبير في الأفلام

التنوع في الأفكار والاتجاهات كانت السمة الأساسية في أفلام محمود عبد العزيز، بداية من الابتعاد عن الطرح المباشر للقضايا السياسية، على عكس «نور الشريف»، أحد أبرز أبناء جيله، على سبيل المثال.

أبرز الأفلام المباشرة القليلة لمحمود عبد العزيز «البريء» 1986، بمشاركة «أحمد زكي» وإخراج «عاطف الطيب»، ويعد الفيلم من أبرز الأفلام ذات الطابع السياسي، التي شارك فيها محمود عبد العزيز، وقام بأداء دور ضابط يعاني من ازدواجية، يكون قاسيًا داخل السجن، شديد الطيبة خارجه.

كما يعد «طائر الليل الحزين» 1977 أيضًا من الأفلام السياسية المباشرة التي شارك فيها «عبد العزيز» الفيلم عن شاب عازف حكم عليه بالإعدام؛ لاتهامه بقتل سيدة، وكان وقتها على علاقة غير شرعية بزوجة سرية لأحد مراكز القوى في الحقبة الناصرية، ويهرب ويسعى في إثبات براءته، وتتوالى الأحداث، وترصد الظلم والقهر خلال تلك الحقبة التاريخية.

و«حتى أخر العمر» مع نجوى إبراهيم، أدى فيه دور ضابط في القوات الجوية، ولكن مشاهد الحرب كانت قليلة للغاية، ويضاف أيضًا «إعدام ميت» 1985 في دور مصري يعمل كجاسوس إسرائيل في سيناء خلال فترة الاحتلال (1967 – 1973) و«ليلة البيبي دول» 2008.

المخرج على عبد الخالق يقول «إن محمود عبد العزيز يكاد يكون، من وجهة نظره، الفنان الوحيد الذي يليق بنسبة 100% في كل دوره يقدمه، بالرغم من اختلاف هذه الأدوار شكلًا ومضمونًا عن بعضها، فمثلًا دور (الطبيب) في (العار) كان مناسبًا للغاية، وقدمه بحرفية شديدة، ودور (البودى جارد) في فيلم (النمس)، كان مناسبًا له للغاية، ودور (متعهد الأفراح والحفلات) في (الكيف)، أعتقد أنه الوحيد الذي يقدم هذا الدور بهذا الشكل، وكذلك (الابن العاق)، و(ضابط المخابرات)».

الانتقاد غير المباشر

وقدم «عبد العزيز» مجموعة من الأفلام التي ترصد الغلاء والفساد، ولكن في قالب اجتماعي وكوميدي، من بينها «أبو كرتونه» 1991، انتقد الخصخصة التي كانت تحدث في فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، ولكن بشكل كوميدي ساخر، فترة الانفتاح الاقتصادي، وصراع العائلات التي صاحبت فترة السبعينيات مع انتشار تجارة المخدرات، ومن أبرز تلك الأفلام ما قدمه مع نور الشريف، وحسين فهمي في فيلمي «العار» 1982 و«جري الوحوش» 1987، وتعاونه مع يحيي الفخراني في «فيلم الكيف» 1985، كما يعد فيلم «يا عزيزي كلنا لصوص» 1989 من أبسط الأفلام التي تحدثت عن صراع مراكز القوى فيما بعد إقصائهم عقب تولي الرئيس أنور السادات.

الجريء

كان «للفنتازيا» في المسيرة الفنية لمحمود عبد العزيز مساحة، واستطاع أن يقتحم المجتمع بعدد من الأفلام التي لا يمكن إلا أن يعتبرها البعض غير عادية وجريئة، فكل من فيلم «السادة الرجال» 1987، و«سيداتي آنساتي» 1990 للمخرج الراجل «رأفت الميهي» تعد من الأفلام التي تكسر قواعد ونمط و«تابوهات» في المجتمع، فالأول يدور حول عمليات التحول الجنسي لسيدة تزوجت، وأنجبت، وكيف تعيش هي وزوجها في منزل واحد، وكل منهما رجل، والثاني يدور حول تبادل الأدوار بين النساء والرجال عن طريق حصول الرجل على لقب ربة منزل، ونزول المرأة إلى العمل، بدلًا منه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد