عندما تتذكر الأسلحة التي استخدمت في الحرب العالمية الثانية، ترى ما الذي يتبادر إلى ذهنك؟ طائرات مقاتلة ودبابات ومدافع رشاشة وقنابل يدوية؟ أجل؛ كل ما سبق لا غنى عنه، ولكن هناك سلاح لا يقل أهمية: الدعاية!

قد شهدت الحرب العالمية الثانية واحدة من أكبر المعارك الدعائية في تاريخ الحروب: فطوال ست سنوات استخدمت أطراف الحرب كافة الدعاية على نطاق تتضاءل ـ بالمقارنة ـ معه جميع الصراعات الأخرى، بما في ذلك الحرب العالمية الأولى.

وتعددت أساليب الدعاية، من مقالات افتتاحية نارية في الجرائد إلى بيانات هيئة الأركان المعلقة على جدران الشوارع، بالإضافة إلى اللافتات والصور التي تحض الشعب على دعم بلدهم بمختلف السبل، وفي هذا التقرير سنستعرض أهم تلك الأساليب.

ألمانيا

السينما تصنع الرأي العام الألماني

من بين جميع وسائل الاتصال الجماهيرية كانت أفلام السينما هي محور اهتمام هتلر ووزير الدعاية السياسية في عهده «جوبلز»؛ فقد تولت الجرائد السينمائية عملية إقناع الناس بعدالة القضية الألمانية، وبأمجاد التفوق العسكري في سنوات الحرب الأولى، وتمتعت الجريدة السينمائية المعروفة باسم «الجريدة السينمائية الألمانية الأسبوعية» بأهمية خاصة؛ إذ كانت مشاهدتها إجبارية على جميع رواد دور السينما الألمان.

وقام المصورون بتصوير مشاهد القتال بعد أن تولت تنظيمهم وحدات السينما العسكرية إثر تعيينهم من قبل وزارة الدعاية والتنوير العام، وكانوا يعملون بأوامر مباشرة من القيادة الألمانية العليا، ولكن كانت المواد التي يحصلون عليها ترسل أولا إلى برلين. ولأن المصورين كانوا عادة يتواجدون في مناطق القتال الساخنة فقد كانت تسجيلاتهم واقعية للغاية، مما جعلها تحتاج إلى الكثير من التحرير والتعديلات؛ لكي تتلاءم مع الأهداف الدعائية.

واتضح نجاح هذا المزيج المكون من التصوير الواقعي لأحداث فعلية وبين الإعداد الدعائي في أفلام، مثل: فيلم«التعميد بالنار»،وفيلم«الانتصار في الغرب»، وقد تميز هذان الفيلمان بأنهما كانا بمثابة تهنئة يقدمها الألمان لأنفسهم، فعرضا الانتصارات الألمانية بعبارات من يصف مباريات رياضية.

وكان جهاز البوليس السري الألماني «الجستابو» يرصد الرأي العام وردود أفعاله إزاء كل فيلم، وعقب عرض جريدة سينمائية تصور النجاحات الألمانية في الدنمارك والنرويج ذكر الجهاز في واحد من تقاريره: «إن هذه الجريدة لا شك قد زادت من الثقة في الانتصار».

ألمانيا تشن حملة دعائية شاملة ضد بريطانيا

كانت الموضوعات الكبرى للحملات الدعائية الألمانية الأولى قد وجهت ضد أعداء ألمانيا العسكريين، وبوجه خاص بريطانيا، وبذلت ألمانيا محاولات عدة لوضع بذور الشقاق والخلاف بين الحلفاء، مع إشاعة اتهامات من نوع «إن بريطانيا سوف تحارب حتى آخر رجل فرنسي».

وأنتجت العديد من الأفلام الروائية المعادية لبريطانيا مثل «تمرد في دمشق»، والذي يعالج موضوع تخليص بعض الألمان من طغيان لورنس العرب في الأردن، وفيلم «حياتي من أجل إيرلندا» عن القمع التاريخي البريطاني، وفيلم «العم كروجر»عن حرب البوير.

وفي الملصقات ومقالات الصحف كان تشرشل موضوعًا للاستهزاء والسخرية؛ بوصفه سكيرًا، والعائلة المالكة؛ بوصفها عائلة منحلة، والنخبة الحاكمة البريطانية؛ بوصفها مجموعة من الإمبرياليين العجائز المرهقين الذين انقضى عصرهم.

وكان هذا واحد من التفسيرات الكثيرة للأحياء القذرة والبطالة وعدم المساواة الاجتماعية التي سببتها الطبقة الحاكمة الفاسدة المثقلة باليهود، بل إن اسم جريدة التايمز (The Times) عكس نطقه لكي يصبح Semite (أي: ينتمي إلى الجنس السامي) للبرهنة على سيطرة اليهود.

26 محطة إذاعية تعمل وفق خط دعائي موحد

جوبلز

كان الراديو بالنسبة لجوبلزأهم أدوات الدعاية في زمن الحرب العالمية الثانية؛ لذلك مارس سيطرة مباشرة على الإذاعات أكثر من سيطرته على الصحافة، فقد رأى الراديو باعتباره «أول وأكثر وسيط تأثيرًا بين الحركة والأمة، وبين الفكرة والإنسان». وكانت شبكة الإذاعة الألمانية تتكون من 26 محطة، وبعد عام 1942م تولى الإشراف عليها «هانس فريتش»، أهم المذيعين الألمان في زمن الحرب، وأصبح على جميع المذيعين ومحرري الأخبار الإذاعية أن يحضروا مؤتمرات فريتش الوزارية المنتظمة؛ حتى يتمكنوا من فهم الخط الدعائي بوضوح، ذاك الخط الذي كان لا يسمح لهم أبدًا بالابتعاد عنه.

ومن الملامح الدراماتيكية المثيرة للإذاعة الألمانية طريقة تقديم البيان الخاص، والذي كان يقطع أي برنامج بانفجار من أصوات الأبواق؛ لكي يذاع آخر بيان عن انتصار عسكري جديد، وكان يعقب البيان نشيد عسكري مثل نشيد «إننا نزحف ضد إنجلترا»، وفي حالة الهجوم على روسيا كان النشيد يستبدل به موسيقى عسكرية تصاحبها أصوات طلقات المدفعية.

ومن أعظم الخطابات التي أُذيعت عبر الراديو خطاب «الحرب الشاملة» الذي ألقاه جوبلز في 18 فبراير/شباط 1943 في قصر الرياضة ببرلين، والذي دعا فيه الشعب الألماني إلى تقديم المزيد من التضحيات وإلى العمل وزيادة الإنتاج، وعرض هذه الإجراءات باعتبارها ضرورية لتحقيق الانتصار، وأنهى خطابه قائلًا: «والآن أيتها الأمة انهضي وأطلقي العاصفة من عقالها».

بريطانيا

بداية الحرب من الراديو

ونستون تشرشل

بدأت الحرب بالنسبة للغالبية من البريطانيين على الراديو، إذ إنَّ الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء ليعلن فيه بدء الأعمال الحربية ضد ألمانيا النازية، والذي أذاعته هيئة الإذاعة البريطانية صباح يوم 3 سبتمبر/أيلول عام 1939 أسَّس فيه معالم المنبر المرتفع للمبادئ البريطانية الديمقراطية، من خلال قوله للمستمعين: «إن لنا ضميرًا نقيًا خالصًا، ولقد فعلنا كل ما بوسع أي بلد أن يفعله لترسيخ السلام، ولكن أصبح من المستحيل التساهل في موقف لا يمكن فيه الثقة بكلمة واحدة ينطق بها حاكم ألمانيا، ولا يستطيع أن يشعر فيه أي شعب أو بلد بالأمان، فليبارككم الرب الآن جميعًا ولنتضرع إليه أن يدافع عن الحق؛ ذلك أن الشرور هي ما سوف نخوض القتال ضدها: شرور القوة الغاشمة والضلال والظلم والقمع والاضطهاد، وإنني لواثق من أن الحق هو ما سوف ينتصر على هذه الشرور».

وأسس هذا الخطاب التبرير الأخلاقي الرئيس لخوض بريطانيا القتال، وسبب إعلانها مع فرنسا الحرب على ألمانيا بدلا من أن تعلن ألمانيا الحرب عليهما، والسبب الذي يوجب على البريطانيين أن يعدوا أنفسهم لمواجهة هجوم القاذفات الألمانية.

الابتكار في رسائل اللافتات

في البداية لم تنجح وزارة الإعلام البريطانية في استخدام اللافتات الاستخدام الأمثل، فقد اتخذت موقفًا يقوم على التحريض وإثارة الحماسة انعكس في اللافتة التي تقول: «شجاعتك أنت، ابتهاجك أنت، تصميمك أنت، سوف يجلب لنا النصر».

ولكن هذا الأسلوب العتيق لم يجدِ نفعًا، ولم يؤد سوى لإيجاد اتجاه مزدوج موزع بين «نحن»، و«هم»، الأمر الذي سرعان ما أتضح حماقته؛ فلقد كانت هذه الحرب هي حرب الشعب التي ينبغي أن تضيق فيها الفجوة السابقة بين الجندي والمدني، وبين السياسي والجمهور حتى تختفي عن الأنظار تمامًا أو تكاد، ولم يمض وقت طويل حتى فهمت وزارة الإعلام خطأها فظهرت لافتات تحمل صورة تشرشل تقول: «لنتقدم معًا»، و«سوف نعبرها معًا».

وانتشرت العديد من اللافتات الأخرى لأهداف مختلفة مثل منع الشائعات بعبارات:«الكلام بإهمال يكلف أرواحًا» و«احتفظ بأسرارك تحت قبعتك»، و«القيل والقال يخسران القتال»، وقد ذكر سيريل بيرد وهو مبتكر هذه السلسلة من اللافتات أنه يريد بأسلوبه التغلب على ثلاث عقبات: أولها: الميل العام إلى تجنب قراءة أي ملاحظة أو تنبيه من أي نوع، وثانيها: عدم الميل لدى عامة الناس إلى تصديق أن أي تنبيه حتى لو قرئ بالفعل يحتمل أن يكون موجهًا إلى شخص القارئ بذاته، والثالثة: عدم الاستعداد العام لتذكر الرسالة لمدة كافية لأن يعمل المرء وفقًا لها.

محاربة الألمان بالأفلام

لا يمكن مناقشة دعاية بريطانيا الحربية، دون ذكر العديد من أمثلة أفلام الدعاية الكبرى، فرغم عدم ظهور المضمون الدعائي لمثل هذه الأفلام بوضوح أبدًا، إلا أن معظمها عالج موضوعات كانت تمثل أهدافًا لاهتمام وزارة الإعلام، مثل موضوع الطابور الخامس الألماني، ولذلك فإنها كانت تمثل موضوعات مألوفة بشكل كبير للجمهور المعاصر في حينها.

فقد كان من الضروري شرح نجاحات ألمانيا العسكرية في الغرب التي أدت إلى الجلاء عن «دنكرك» وسقوط فرنسا سنة 1940م على أسس مختلفة عن العجز الفرنسي الإنجليزي، وهو ما أدى إلى الاعتقاد بوجود طابور ألماني خامس يعمل كطليعة متقدمة للجيش الألماني، وكانت فكرة وجود «العدو بالداخل»، هي الفكرة الكامنة وراء حملة وزارة الإعلام بلافتات «الكلام بإهمال يكلف أرواحًا»، فظهرت الفكرة ذاتها في أفلام عدة، حيث نرى في فيلم «رئيس الوردية ذهب إلى فرنسا» أعضاء الطابور الخامس في كل مكان يسببون الفوضى ويقومون بأعمال الخيانة اللئيمة، وبذلك قُدمت فرنسا بوصفها مثالا حتى يحذر الجميع بعدها.

وحذرت أفلام أخرى مثل «السيدة جرانت تذهب إلى الباب»، من أفراد الطابور الخامس وجنود المظلات الألمان، بينما عالجت الموضوعات ذاتها أفلام روائية مثل «أقرب الأقرباء» الذي أخرجه «ثورولد ديكنسون»، وكذلك فيلم «هل أمضيت يومًا طيبًا» من إخراج كافالكانتي والذي يدور حول قرية خيالية إنجليزية يجتاحها جنود المظلات المتنكرون في أزياء جنود بريطانيون استعدادًا لغزو شامل وكيف اكتشف أمرهم، ثم تحققت هزيمتهم على أيدي القرويين في النهاية.

أمريكا

غارات تلقي بالمنشورات

خصص الأمريكيون سربًا خاصًا من الطائرات؛ للقيام فقط بمهمة شن غارات تسقط المنشورات، وفي نهاية الحرب العالمية الثانية كان الأمريكيون يسقطون أكثر من سبعة ملايين نسخة من المنشورات كل أسبوع فوق أوروبا المحتلة، وقد مهدت المنشورات طرق غزو كل من صقلية وإيطاليا، واستخدمت استخدامًا واسعًا في فرنسا، إضافة إلى جريدة أصدرها مكتب الاستعلامات الحربي بعنوان «أمريكا في الحرب»، وقد تلقت المدن الألمانية جريدة «العلم المزين بالنجوم».

وحظي التوزيع بدعم قوي عن طريق اختراع قنبلة مونرو وهي جهاز يحمل أكثر من 80 ألف منشور تنطلق في الهواء عندما تهبط القنبلة إلى ارتفاع ألف قدم، وكانت المنشورات والجرائد محملة بالحقائق إلى حد كبير، على رغم أن البعض منها كان يتضمن خرائط وأدلة إلى الممرات والطرق الآمنة لتشجيع الجنود على الاستسلام أو الهرب من الخدمة العسكرية.

هوليوود تساهم في الحرب

كان الإنجاز العظيم للمجهود الدعائي الأمريكي في زمن الحرب يكمن في المساهمة التي حظيت بها المعنويات الأمريكية ومعنويات الحلفاء من جانب هوليوود في صناعة الصور المتحركة، فمن خلال قراءة الإحصاءات يمكننا معرفة تأثيرها الكبير، فعند نهاية الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة تملك نصف دور السينما في العالم، وأثناء الحرب تردد على دور السينما أكثر من 80 مليون أمريكي سنويًا.

وصنعت العديد من الأفلام الأمريكية في فترة الحياد بين عام 1939 و1941 كانت مؤيدة للحلفاء ومعادية للنازيين، وأشهر الأمثلة على تلك الأفلام: فيلم «اعترافات جاسوس نازي» الذي يدور حول شبكة تجسس ألمانية تعمل في أمريكا، وقام ببطولته إدوارد ج. روبنسون، وكان هذا الفيلم معاديًا للنازية بوضوح بكشفه لأنشطة الطابور الخامس، وأسلوبه الشبيه بالتسجيلي، وكان أول فيلم يشير إلى هتلر بالاسم.

وبعد إنشاء مكتب الاستعلامات الحربية عام 1942م أصدرت الحكومة الأمريكية دليلًا موجهًا إلى هوليوود يضم أنواع الموضوعات التي يمكن أن تخدم المجهود القومي، وحددت خمسة موضوعات تتمتع بالأولوية وهي:(1) توضيح وتفسير: لماذا يحارب الأمريكيون؟ (2) تشجيع العمل والإنتاج (3) رفع المعنويات في الجبهة الداخلية (4) وصف الأمم المتحدة وشعوبها (5) تصوير بطولات القوات المسلحة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد