«إنني أجمع في فيلم واحد جمال الطفولة وبراءتها مع عظمة النبي محمد وقداسته؛ لهذا أشعر أنه أكبر تحديات حياتي.» مجيد مجيدي

ضجة كبرى هذه المرة

مجيد مجيدي المخرج «المسالم»، كما يحب أن يصفه النقاد الإيرانيون، لا يقدم عملاً هادئًا مسالمًا هذه المرة، بل يثير مشروعه الطموح الضخم «محمد رسول الله» الضجة منذ الإعلان عنه. إنه الفيلم الأول الذي يجسد النبي محمد بشخصه، لكن ملامح الوجه يتم تمويهها بمؤثرات بصرية.

ربما كان يعرف المخرج الشهير والحاصل على العديد من الجوائز العالمية قبل أن يبدأ صناعة فيلمه أنه سيواجه بكم هائل من النقد والتحديات بل ومحاولات الإيقاف. لكن مجيدي، المغرم بالأفلام التي تتناول الأطفال والروحانيات الإسلامية معًا؛ لم يستطع مقاومة رغبته الملحة في إنتاج فيلم عن طفولة النبي محمد. كتب في بداية إنتاج الفيلم على ورقة العمل الأولى «على الإبداع أن يكون شجاعًا»؛ ثم التزم الصمت لأربع سنوات من العمل الدؤوب حتى خرج للنور أخيرًا الفيلم ذو التكلفة الأكبر في تاريخ السينما الإيرانية. بدأ عرض الفيلم بداية فبراير الجاري في مهرجان فجر السينمائي في طهران، ليعرض في دور عربية وعالمية تباعًا مع بداية مارس القادم.

لم يسبق مجيدي لعمل فيلم عن حياة النبي محمد سوى فيلم الرسالة لمصطفى العقاد، وهو فيلم حَظِي بالانتقادات أيضًا على الرغم من أنه لم يجسد النبي بأي شكل. يرفض مجيدي المقارنة بين فيلمه وفيلم «الرسالة» من ناحية الإنتاج أو المضمون، إذ يتجاوز فيلمه من الناحية الإنتاجية فيلم العقاد، كما أنه يعرض التاريخ الإسلامي من زاوية مختلفة. اهتم فيلم الرسالة بعرض غزوات النبي والتوسعات الإسلامية كثيرًا، لكن هذا ليس تمامًا ما يشغل بال مخرج مثل مجيدي حين يصور حياة النبي، المخرج الذي يهتم بأدق التفاصيل الإنسانية في أفلامه أعلن أنه لا يريد للناس أن يتذكروا السيف حين يذكر الإسلام، بل يريد أن يري الناس كيف كان رسول الإسلام إنسانًا كاملاً.

«لم يقضِ النبي أكثر من 60 يومًا من حياته في الغزوات، لكنه كان إنسانا عظيما لأكثر من 60 عامًا.» مجيد مجيدي

للمزيد عن أفلام مجيدي: ثلاثة أفلام مميزة للمخرج الإيراني الشهير مجيد مجيدي

الرد على الرسوم المسيئة

فيلم مجيدي يأتي ضمن محاولات كثيرة لتعريف العالم بالإرث الحقيقي للنبي محمد، تلك التي بدأت منذ الرسومات الدنماركية المسيئة للإسلام عام 2005. رد الفعل في البلدان العربية والسنية – خاصة في الأوساط السلفية – كان إصدار العديد من المنشورات التي تحرم تصوير الأنبياء أو السخرية الكاريكاتورية منهم وتعتبره إهانة توصل فاعلها للكفر. لكن رد الفعل الإيراني على الحدث نفسه جاء على درجة كبيرة من الاختلاف، أطلقت الجمهورية الإسلامية العديد من المشاريع الفنية والتعليمية منذ 2006 بهدف نقل عظمة النبي محمد وقصة حياته السامية إلى العالم. دعمها وافتتح بعضها المرشد الأعلى علي خامنه آي بنفسه، بل إنه أطلق على عام 2006 عام النبي النبيل.

هكذا تبنى «بنيان المستضعفين» – وهي مؤسسة شبه حكومية إيرانية تمول أغلب المشاريع الثقافية الكبرى – دعم وتمويل سلسلة سينمائية ضخمة عن سيرة النبي محمد. السلسلة مقسمة إلى ثلاثة أجزاء؛ يتناول الجزء الأول فيها أحداث عام الفيل وطفولة النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلوغه سن الثانية عشرة. لم يكن أنسب من مجيد مجيدي لإخراج الجزء الأول منها، فالمخرج الذي لطالما عمل على أفلام تتناول الأطفال من زوايا روحانية كان قد أعلن كثيرًا عن رغبته في عرض طفولة النبي للعالم، تلك التي نتج عنها أعظم شخصيات البشرية، نبي الإسلام محمد.

«قد يعيش العظماء نفس الطفولة مثل غيرهم، لكن نظرة عظيمة للأمور البسيطة تصنع المعجزات.» مجيد مجيدي

يتعرض الفيلم للمحطات الرئيسية قبل ولادة النبي محمد وطفولته؛ إضافة إلى عرض شكل المجتمع الجاهلي وبعض عاداته مثل وأد الإناث أو الصراعات القبلية. يقول مجيدي أنه بجانب إظهار النشأة والطفولة لإنسان عظيم فإنه وضع هدف الفيلم محاولة الإجابة عن السؤال «لماذا كان من المهم أن يظهر الإسلام؟».

“من كواليس تصوير الفيلم”

المشروع الطموح

يعرف مجيدي ببساطة أفلامه وتواضع إنتاجها، كان يكرر دائمًا أنه يريد للجانب الإنساني في عمله أن يحمل الثقل الأكبر للفيلم. لكنه هذه المرة حرص أن تخرج أدق التفاصيل احترافية تمامًا؛ لتتجاوز تكلفة فيلمه 35 مليون دولار. صورت أحداث الفيلم في مدينة «نور» السينمائية في إيران، بنيت نماذج لمكة القديمة خصيصًا للفيلم، كما سافر الفريق لتصوير مشاهد «عام الفيل» في جنوب أفريقيا بعد أن رفضت الهند والمغرب إعطاء التصاريح لذلك. لم يغفل مجيدي الاحترافية حتى في اختيار شعار وخط لكتابة اسم الفيلم، حيث عقد مسابقة على مدار أسبوع يديرها سبعة حكام هم من أفضل رسامي وخطاطي إيران ليكتبوا كلمة «محمد رسول الله» بما يناسب نوع الفيلم وتاريخيته؛ أكثر من 2600 من أفضل خطاطي ومصممي إيران قدَّموا أعمالهم الفنية، لم يختر مجيدي أيًا منها، ليعيد الورشة مرة أخرى وعلى مدار أشهر، حتى يستقر أخيرًا على عمل مقدم من جليل رسولي أحد أكبر خطاطي إيران.

«إنني أفهم تماما حساسية العمل الذي أقوم به، لهذا يجب أن أهتم بكل تفصيلة صغيرة وكبيرة، أنا لا أريد أن يتعرض النبي الأعظم لأي إهانة فقط لأنني قصَّرت في صناعة فيلمي.» مجيد مجيدي

المحتوى التاريخي للفيلم كان تحديًا كبيرًا أيضًا، كتب مجيدي سيناريو الفيلم مشاركة مع كامبوزيا برتوي وحميد أمجد، مستعينا بفريق كبير من المحققين والباحثين عمل على مدار ثلاث سنوات على تنقيح وتحقيق المصادر الشيعية والسنية لحياة الرسول. حاول جمع كل ما هو مشترك بين الروايتين. يقول مجيدي عن رحلة كتابة السيناريو أن فترة طفولة النبي هي أكثر ما تتفق عليه الروايات السنية والشيعية، وأنه حاول تماما تجنب أي شيء يمكن أن يثير الخلاف بين الفريقين.

استعان مجيدي في تصوير فيلمه بمدير التصوير الإيطالي العالمي «فيتوريو أسطوارو»، وهو الحاصل على الأوسكار 3 مرات، يقول فيتوريو عن المشروع: «عملت عام 2010 مع المخرج الجزائري رشيد بن هادي، وتعرفت على الإسلام قليلا وقرأت عنه كتابا، وما إن انتهيت من الكتاب حتى جاءتني رسالة تسألني وكأنني في حلم أو سحر، هل تريد العمل على تصوير الجزء الأول من ثلاثية عن النبي محمد؟» إحدى مهام فيتوريو الأساسية في تصوير الفيلم هي استخدام الضوء والظلال بشكل احترافي بحيث لا تظهر ملامح وجه النبي محمد في الفيلم، وهو موضوع شديد الحساسية في العالم الإسلامي السني تحديدًا.

«إنني أريد فيلمًا عالميًا يليق بمقام النبي ويحبه كل مؤمن بالنبي أو غير مؤمن به، رسالة النبي جاءت لتوحيد الناس لا تفريقهم، لهذا لا أريد لفيلمي أن يفرق الناس.» مجيد مجيدي

تصوير النبي بين السنة والشيعة

منذ بداية الإعلان عن المشروع تعرضت إيران لمحاولات كثيرة من الأزهر والدول الإسلامية السنية لإيقاف الفيلم، أرسل علماء الأزهر إلى فريق مجيدي رسائل تخبره بتحريم فعله، وأنه سيؤثر بالسلب على الصورة النقية لنبي الإسلام عند المسلمين. فشل مجيدي في إرضاء الأزهر ومعظم علماء أهل السنة على الرغم من كل محاولاته لتجنب كل المناطق الخلافية والتأكيد على عدم عرض وجه النبي، إلا أن الأزهر اعتبر مجرد عرض جسد النبي وصوته إهانة كبرى لمكانته. لكن مجيدي خرج بعد صمته بمؤتمر صحفي يعلن عن انتهاء العمل ويدعو العالم الإسلامي لإنتاج أعمال فنية عن نبيهم قائلاً: «لقد صنع اليهود والمسيحيون والبوذيون مئات الأفلام عن أنبيائهم، كما صنع اليهود مئات الأفلام التسجيلية والوثائقية عن الهولوكوست، حتى اليوم مازالت الأفلام عن الهولوكوست لا تتوقف. ربما ثمة سبيل آخر هذه الأيام لإيصال رسالتك للعالم، الأدوات التقليدية لم تعد تجدي نفعًا».

المذهب الشيعي يتعامل في المجمل بمرونة أكبر مع تصوير الأنبياء والرسل، فتجسيد النبي محمد صلى الله عليه وسلم – بوجهه وجسده – ليست ظاهرة جديدة أبدًا في الثقافة الفارسية أو الشيعية. منذ عدة قرون تظهر لوحات مخطوطة فارسية تصور ميلاد النبي كحدث نوراني ملائكي. كما تُظْهِر لوحة المعراج السماوي الموجودة في مخطوط من القرن الخامس عشر ملامحَ وجه النبي محمد بوضوح. بل إن صورة متخيلة للنبي محمد الشاب كانت متداولة بكثرة في إيران، إذ كانت تطبع على الملصقات والكروت الدعائية والأعمال الفنية دون حرج أبدًا.

“لوحة المعراج السماوي للنبي محمد وسط العاصمة طهران”

محاولات التقارب

بعد 2008 بدأ اتجاه رسمي إيراني لطمس معالم وجه الرسول، ربما كان هذا رد فعل على غضب العالم السني من الرسوم المسيئة للرسول محمد. وربما محاولة من إيران الشيعية أن تتقارب مع العالم السني وألا تثير استفزازه، خاصة بعد أن كانت دعوات التقارب تملأ الأرجاء إثر زخم انتصارات حزب الله في اعتداءات إسرائيل الأخيرة على لبنان.

هكذا ظهرت – ضمن الحملات الرسمية لإظهار الإرث الحقيقي للنبي محمد – لوحة المعراج السماوي مطموسة ملامح الوجه على مبنى من 5 طوابق وسط العاصمة الإيرانية طهران، المدينة المليئة بالرسومات والأعمال الفنية على جدران مبانيها الشاهقة. تبارى أيضا فنانون إيرانيون في إنجاز لوحات تظهر حياة النبي وعظمته، ودفعت البلديات كعادتها لأصحاب البنايات الكبيرة كي يستغلوا جدران بناياتهم في الأعمال الفنية بدلا من الدعايا التجارية، لكن أيا منها لم يظهر وجه النبي على الإطلاق.

يأتي فيلم محمد رسول الله وسط العديد من الصراعات والحروب المشتعلة في المنطقة بين السنة والشيعة، مجيد مجيدي الذي عرف بعدم تعرض أفلامه للسياسة وجد فيلمه حتى قبل عرضه حلبة أخرى للصراع السني الشيعي الأبدي، لكن الفريق المنتج يصر على أن الفيلم قادر على الدفاع عن نفسه وإثبات حسن نواياه، وأن ما أفسدته السياسة قد يتم إصلاح بعضه بالفن.

المصادر

تحميل المزيد