جدد عرض الفيلم الإيراني “محمد رسول الله” الجدل الدائر منذ سنوات حول جواز تجسيد الأنبياء والصحابة من عدمه في الدراما والسينما، حيث دفعت هذه القضية العلماء والفقهاء لإعداد بحوث علمية وإصدار فتاوى، وهي فتاوى في الغالب حرمت تمثيل الأنبياء والصحابة بشكل مطلق.

لكن هذا لم يمنع ظهور فتاوى تبيح هذا التجسيد بضوابط وشروط الفتاوى، وراقت تلك مع ما يميل إليه أصحاب هذه الأعمال الفنية، فهؤلاء يؤكدون بأن هذه الأفلام ذات أثر إيجابي لأنها وسيلة ناجعة للتعبير عن الصورة الحقيقية للإسلام إذا تمت وفق أسس مرجعية فكرية وتاريخية صحيحة، معتبرين أن الفتاوى التي تحرم هذه الأعمال لا تعدو كونها “اجتهادًا لفقهاء”.

 

متى بدأ طرح قضية تجسيد الصحابة والأنبياء في الدراما والسينما؟

على المستوى العربي، بدأت قضية تجسيد الأنبياء والصحابة في عام 1926، وذلك عندما حاول الفنان المصري يوسف وهبي تجسيد شخصية سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) في فيلم سينمائي، ولقي الأمر اعتراضًا كبيرًا وصل إلى البرلمان المصري، وانتهى بتهديد الملك فؤاد للفنان وهبي بالحرمان من الجنسية المصرية إذا ما أقدم على التنفيذ.

ورغم توقف وهبي عن فيلمه، لم تتوقف قضية الجدل حول تلك النوعية من الأفلام، ومن أشهر ذلك، الجدل الذي أثير حول الفيلم السينمائي الشهير “الرسالة”، فهذا الفيلم الذي أخرجه السوري الراحل مصطفى العقاد في سبعينيات القرن الماضي انتهي بتجسيد شخوص الصحابة باستثناء الخلفاء الراشدين وآل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، فظهرت فيه شخصية عم النبي حمزة بن عبد المطلب.

وبعد ذلك أخذت تتوالى الأفلام والمسلسلات التي تجسد أحد الأنبياء أو الصحابة، على المستوى العالمي ظهرت أفلام  (آلام المسيح وموسى)، وإسلاميًّا ظهرت مسلسلات عدة مثل (يوسف الصديق) ومسلسل (الملك سليمان) و(المسيح عيسى) و)الحسن والحسين( و(عمر).

ماذا عن الفيلم الإيراني «محمد رسول الله»؟

في نهاية أغسطس الماضي، عرض هذا الفيلم في أكثر من ۱٤۰ دار سينما في إيران مثيرًا جدلًا كبيرًا، وشارك فيه أكثر من ٤۰۰ فنان في أدوار رئيسة، وأكثر من ٦۰۰۰ فنان بأدوار ثانوية، وقد تم تأجيله حتى يتزامن عرضه مع مهرجان “أفلام العالم” الذي أقيم في مونتريال الكندية.

يروي هذا الفيلم الذي كلف أكبر ميزانية في تاريخ السينما الإيرانية (٤۰ مليون دولار)، حياة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، منذ ولادته وحتى بلوغه سن الثالثة عشرة، ويؤكد منتجوه أنه: “يعالج حياة الرسول قبل الرسالة، ويظهر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مرتديًا على الدوام ملابس بيضاء دون إظهار وجهه”، إلا أن المنتقدين للفيلم أكدوا على ظهور حركات للشخصية التي تجسد الرسول الكريم بشكل واضح.

لذا لاقى عرض الفيلم ردود فعل غاضبة، فقد اعتبر مفتي المملكة العربية السعودية، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، أن الفيلم الإيراني يشوه الإسلام وقال المفتي: “الفيلم مجوسي وعمل عدو للإسلام، عرضه لا يجوز شرعًا”، مشددًا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منزه عن ذلك، وله صفاته المعينة وخلقية معروفة، وهؤلاء يصورون شيئًا غير الواقع فيه استهزاء بالرسول وحط من قدره”.
كما أدانت رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة عرض هذا الفيلم، وهي الرابطة التي حرمت تجسيد النبي محمد في الأعمال الفنية تحت أية ذريعة كانت، وقالت الرابطة إن لقطات الفيلم “أظهرت لقطات منه تمثيلًا لجسد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وهيئته”، كما أفتت الهيئة العالمية للتعريف بالرسول ونصرته، بحرمة تجسيد شخص النبي محمد، وقالت الهيئة إن تشخيص الأنبياء بشكل عام غير جائز في الإسلام، وأكدت أن الهيئات والمجامع الإسلامية في أقطار العالم أجمعت على تحريم تمثيل أشخاص الأنبياء والرسل.

 

النظرة الفقهية.. بين التحريم التام والإباحة بضوابط

هناك شبه إجماع على تحريم تجسيد الأنبياء والصحابة في الدراما والسينما من قبل المجامع السنية على وجه التحديد، لكن هذا لم يمنع وجود بعض الفتاوى التي أباحت الأمر لكن بضوابط وشروط.

الفتاوى التي حرمت التجسيد نهائيًّا:

منذ ما يقرب من 30 عامًا، وتحديدًا عندما عرض سيناريو فيلم “الرسالة”  تجسيد عدد من الصحابة، يرفض مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف تجسيد الأنبياء والصحابة وآل البيت وحتى اليوم لم يغير موقفه من هذا التحريم.

ويتخذ مفتي المملكة العربية السعودية ذات موقف فتوى الأزهر إذا يؤكد المفتي السعودي العام على “عدم جواز تجسيد الصحابة بشكل نهائي بصورة تمثيلية أو كاريكاتورية عبر بعض القنوات التلفازية”، لأن: “هذا لا يجوز ويثير المسلمين على هذا الأمر، فالمسلمون إذا سمعوا من يسيء إلى دينهم ونبيهم ويستهزئ به يقفون من الجهات التي تعرض ذلك موقف عداء، فالواجب على منتجي هذه الأعمال أن يتقوا الله في أنفسهم”. كما حرم الشيخ محمد بن عثيمين ــ رحمه الله ــ تجسيد أدوار الصحابة، لأن ذلك “يستلزم تنقص ذوي الفضل رغم تجويزه للتمثيل بشكل عام”.
وفي عام 2010، أصدرت رابطة العالم الإسلامي بيانًا يحرم تمثيل النبي محمد وسائر الرسل والأنبياء والصحابة، ووجوب منع ذلك وتحريم إنتاج هذه الأفلام والمسلسلات، وذكر بيان الرابطة “أن ذلك يكون مدعاة إلى انتقاصهم والحط من قدرهم وكرامتهم، وذريعة إلى السخرية منهم، والاستهزاء بهم”، كما حرم رئيس مجمع فقهاء الشريعة في أمريكا وعضو المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث الدكتور حسين حامد حسان جواز تمثيل الصحابة أو تجسيدهم بأدوار في مسلسلات درامية لأن هذا لا يليق بهم وهو تعد عليهم.

ويفند الدكتور محمد عمارة المفكر الإسلامي، ورئيس تحرير مجلة “الأزهر” في دراسة نشرها في مجلة الأزهر جواز إباحة التجسيد فيقول: “إن التمثيل هو محاكاة للواقع.. فهل حياة الأنبياء والمرسلين مجرد واقع حتى يمكن محاكاتها بالتمثيل؟، أم أن فيها جوانب وعوالم خارقة للواقع، ومتجاوزة لهذا الواقع، تجعلها مستحيلة المحاكاة والتمثيل؟”، ويتابع القول: “إن الأنبياء والرسل ـ مع أنهم بشرـ يلح القرآن الكريم على تأكيد بشريتهم ـ فإن الوحي إليهم، وظهور المعجزات على أيديهم، قد جعل لهم أدوارًا وأحوالًا ومقامات اجتمع فيها الإلهي مع البشري، وامتزج فيها الواقعي مع المعجز المفارق للواقع ولما كان الإلهي وأيضًا الإعجاز والمعجز المفارق للواقع وللمعتاد – وفيه تتمثل الجوانب الأعرض والأهم في حياة الأنبياء والمرسلين- مستحيلًا وعصيًا على المحاكاة البشرية والتمثيل الإنساني، فإن تمثيل أدوار الرسل والأنبياء مستحيل، ومن ثم ممنوع”.

 

فتاوى أباحت التجسيد لكن بشروط:

واحدة من أبرز الفتاوى التي أجازت تجسيد بعض الصحابة لكن بضوابط شرعية، فتوى رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الدكتور يوسف القرضاوي، الذي أباح تجسيد أدوار الصحابة لكنه وضع ضوابط شرعية، واستثنى من هذا الأنبياء وأمهات المؤمنين والخلفاء الراشدين وثلاثة فقط من العشرة المبشرين بالجنة هم: أبو عبيدة عامر بن الجراح، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام لما لهم من منزلة خاصة بين الصحابة والمسلمين.

وأجاز القرضاوي تمثيل الثلاثة المبشرين بالجنة وهم سعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ــ رضوان الله عليهم ــ وباقي الصحابة الكرام، وعلل القرضاوي فتواه بالجواز بقوله: “إن ما استقر عليه الفقه المعاصر من مدة طويلة أنهم لم يحرموا تمثيل جميع الصحابة وإنما حرموا تمثيل الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة وأمهات المؤمنين”.

كما أن مفتي سوريا أحمد بدر الدين حسون وضع ضوابط محددة لتجسيد أدوار الصحابة منها، كما قال: “عدم التعرض لهم واحتواء النص على الصلاة والسلام على رسول الله وإجلال الرموز الإسلامية، والابتعاد عن لعن الأشخاص أيًّا كان اللاعن، والتخفيف ما أمكن من مشاهد المعارك بين المسلمين ويكون الحديث عنها حوارًا”.
كما طالب حسون بأن يلامس العمل القضايا الإنسانية التي تجمع أبناء الأمة ولا تفرقهم ويكون التصوير والتمثيل على مستوى المضمون.
وفي الجواز يمكنا أيضًا نقل فتوى الأستاذ بكلية الدعوة بجامعة أم القرى عضو مجلس الشورى السعودي د. حاتم الشريف، الذي قال إن: “منشأ الخلاف كله أدلة ظنية وليست قطعية لأنها ليست موجودة في كتاب الله ولا في سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) ولم يقع عليها إجماع بالتحريم أو الجواز.
ويرى الداعية الدكتور سلمان العودة أنه يجب النظر إلى العمل فإذا تم تجسيد الصحابي بشكل مقبول وحسن دون تزوير أو إساءة له ودون وجود مشاهد فاضحة فإنه أمر حسن، لكنه يؤكد: “أن تمثيل أدوار الصحابة يعتبر محرمًا ومذومًا والأولى تركه والابتعاد عنه في حالة كون المسلسل مسيئًا للصحابي المراد تمثيله وفيه تزوير للتاريخ”.

 

أبرز الأفلام والمسلسلات التي جسدت الأنبياء والصحابة عربيًّا وعالميًّا:

 

فيلم «آلام المسيح»

أصدر عام 2004، كتبه وأنتجه وأخرجه الممثل ميل جبسون، وحقق الفيلم نجاح كبيرًا وكان الأكثر إيرادًا في صندوق التذاكر في الولايات المتحدة الأمريكية عند عرضه، ولاقى اعترضًا واسعًا من المؤسسات الدينية المسيحية.

فيلم «نوح»

 

فيلم تاريخي صدر في أمريكا الشمالية عام 2014، تم إنتاجه في الولايات المتحدة الأمريكية بتكلفة 130 مليون دولار، ويروي الفيلم ملحمة دينية عن قصة سفينة نوح والطوفان الذي اجتاح الأرض.

ومنع الفيلم من العرض في الدولة العربية لأنه يجسد شخصية النبي نوح، وكذا للتحريف الذي مس شخصية النبي نوح وأهله وخلافها للرواية الإسلامية، إضافة لزيادات في قصة هذا النبي بشكل خرافي كما قال المختصون.

 

فيلم «مملكة سليمان»

فيلم إيراني يجسد في جزأين سيرة نبي الله سليمان وعلاقته بملكة سبأ “بلقيس”، وانتقد الفيلم بالأخص لأنه “يسب نبي الله سليمان ويظهره كساحر وليس نبيًّا”.

 

فيلم «إبراهيم خليل الله»

إيراني الإنتاج عام 2005، تم فيه تجسيد سيدنا إبراهيم وسيدنا إسماعيل، حيث يحكي الفيلم قصة سيدنا إبراهيم ولقائه النمرود وبناء الكعبة وأمر الله بذبحه ابنه إسماعيل، وتناول نبع زمزم بشكل رآه بعض النقاد العرب جريئًا في تناول التاريخ الإسلامي.

 

فيلم «ابن الرب»

فيلم أمريكي، صوّر حياة المسيح عليه السلام منذ مولده إلى صلبه، شارك فيه فنانون مسلمون أغلبهم من المغاربة، تعرض هؤلاء للتهديد والتكفير بسبب مشاركاتهم.

 

فيلم «النبي سليمان»

عرض هذا الفيلم لأول مرة في مهرجان فجر الدولي عام 2009، وذلك بعد عامين من بدأ تصويره (2007)، حيث تمت كتابة السيناريو في ستة أشهر بعد التحقيق والبحث التاريخي والديني للفيلم لمدة عام ونصف العام، وقد وصلت ميزانيته مليون دولار، وتناول قصة سيدنا سليمان، ويقول منتجو الفيلم إنه قسم لثلاثة أقسام “تنوعت من حكي بسط سيدنا سليمان سيطرته على حكمه وبين صراعات الجن وبني البشر”.

 

أبرز المسلسلات التي جسدت الأنبياء والصحابة:

 

مسلسل «الفاروق عمر»

كلف هذا المسلسل التاريخي 200 مليون ريال سعودي، وأنتج بالشراكة بين قناة MBC ومؤسسة قطر للإعلام، وتطرق المسلسل حسب القائمين عليه إلى ما يحمله الفاروق من قيم وصفات، والتي منها العدل، الحكم الصالح، الحكمة، التسامح، الروح القيادية والبطولة، وغيرها، كما يسلط الضوء على الصفات الشخصية للخليفة، إضافة إلى البيئة الاجتماعية التي كانت سائدة وقتها من حيث القيم والمفاهيم، وكذلك البيئة الجغرافية الطبيعية.

مسلسل «يوسف الصديق»

جُسدت في هذا المسلسل الإيراني صورة نبي الله يوسف ووالده النبي يعقوب وأمين الوحي جبريل (عليهم السلام)، فتعرض المسلسل لتفاصيل حياة سيدنا يوسف، وواقعة مراودة زوجة العزيز له.
واستغرق تصويره 4 سنوات من عام 2004 – 2008، واشترك في كتابة سيناريو الفيلم 20 سينارست، وأنتجته شركة “سيما فيلم” الإيرانية.

مسلسل «سيدنا عيسى»

أنتجت إيران هذا المسلسل عام 2010، وتحكي قصة الفيلم حياة النبي عيسى عليه السلام كنبي، ويتطرق لمعجزته وتبشيره بسيدنا محمد –عليه الصلاة والسلام-، وهو من تأليف وإخراج الإيراني نادر طالب زاده.

المصادر

تحميل المزيد