إن أحكام البراءة التي صدرت بحق الرئيس المصري السابق حسني مبارك ومعاونيه هي المسمار الأخير في نعش الجهود العالمية الرامية إلى وضع حد «لإفلات الزعماء والقادة من العقاب». فمحاكمات الطغاة، الذين طلبوا من مرؤوسيهم انتهاك حقوق الإنسان، أمر غير ذي جدوى؛ نظرًا لأن تلك المحاكمات تجري وفق قوانين تم إقرارها من قبل هؤلاء الطغاة أنفسهم بهدف حمايتهم.

إن المبدأ القائل بأنه لا يوجد أحد فوق القانون، وخاصة أولئك الذين يتربعون على عرش البلاد، لم يعد مبدأ وإنما صار شعارًا.

وبحسب الكاتب، فإن مبارك كان زعيمًا سلطويًا حكم مصر لمدة ثلاثين عامًا، وشهدت فترات حكمه عددًا من الإجراءات القمعية بحق المعارضة السياسية وحرية الإعلام، من قبيل سجن المعارضين، وتزوير الإنتخابات، ووضع رقابة صارمة على الصحف. وامتد فساد النظام السياسي في مصر مع مبارك معتمدًا في ذلك على جهاز أمني عرف بوحشيته وصولًا إلى تراكم ثروته التي قدرت بخمسة مليارت دولار.

وباستثناء بعض القادة والزعماء الذين تمت الإطاحة بهم من قبل القوى الخارجية كالرئيس العراقي صدام حسين، وقادة ألمانيا النازيين، والرئيس الصربي سلوبودان ميلوفيتش، فإن ثمة زعماء آخرين تمت الإطاحة بهم عن طريق الثورات التي لم يكن أمامها من نهج للتعامل مع هؤلاء الزعماء سوى القتل أو النفي، كما هو الحال مع الملك لويس السادس عشر في الثورة الفرنسية والدكتاتور الروماني نيكولاي تشاوشيسكو.

وفي هذا الإطار يقول الكاتب: إن العدالة الثورية يجب أن تكون الأساس الذي تتم بمقتضاه مرحلة التحول الديمقراطي حتى لا تقع الثورات عرضة لتحصين الطغاة من المحاكمات كجزء من الصفقة.

تتم الصفقات في بعض الأحيان بسبب النهج الذي يتبناه الطغاة في سيطرتهم على مقاليد الحكم؛ والذي يستند إلى الحصول على دعم جماهيري، بما في ذلك دعم النخبة التي تعتبر جزءًا لا يتجزأ من الحكم الديكتاتوري. وهو ما يعني احتمالية الملاحقة القضائية لهؤلاء النخب في حالة تقديم الحاكم الديكتاتوري إلى المحاكمة.

وعليه، كان لزامًا على الأنظمة الجديدة في البلاد التي تمر بمراحل انتقال ديمقراطي في أعقاب الثورات أن تعمل على تحصين تلك النخب من الملاحقات القضائية في مقابل أن تتعاون تلك النخب مع تلك الأنظمة الجديدة، وإلا ستقع البلاد بين مطرقة الحرب الأهلية وسندان التفكك الاجتماعي.

لقد فشلت التجارب الأمريكية في محاكمة كافة أركان الأنظمة التي سقطت. ففي ألمانيا، فشلت الولايات المتحدة في ملاحقة النازيين؛ ولجأت في نهاية المطاف إلى استخدام مختلف الحيل لإعادة إدماج الجميع في المجتمع. وهو الأمر الذي تكرر مع مختلف التجارب التي شهدت تحولات سلمية في إسبانيا، واليونان، والبرتغال في سبعينيات القرن الماضي. وكذا أوروبا الشرقية في التسعينيات. فضلًا عن أن المساعي الأمريكية لتدمير كيانات حزب البعث الحاكم في العراق بقيادة صدام حسين أفضت إلى «تفجير» العراق حسبما وصف الكاتب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد