نشر موقع بوابة الاشتراكي الورقة التالية التي أعدَّتها مجموعة النداء بالتغيير، من أجل فتح النقاش حول خبرات ثورة يناير (كانون الثاني) وجذور الوضع الراهن وآفاق المستقبل، وننقل لكم هنا نص المادة في السطور التالية:

مقدمة
الفصل الأول
ثورة 25 يناير كطفرة كيفية في الوجدان الشعبي المصري
الباب الأول: الطريق إلى 25 يناير
الباب الثاني: الشباب في طليعة الثورة
الباب الثالث: ملحمة جمهورية التحرير
الباب الرابع: الوجدان الجديد المنبثق من جمهورية التحرير
الباب الخامس: ميدان التحرير في مواجهة الثورة المضادة
الفصل الثاني
الثورة القادمة ضد النظام الحالي
الباب الأول: تشخيص النظام الحالي
الباب الثاني: أفق المد الثوري المقبل

مقدمة
هذه الورقة هي محاولة لتحديد الهوية السياسية لمجموعة من الأفراد المهتمين بالشأن السياسي المصري بعد ثورة يناير 2011.

فثورة يناير 2011 ليست الأولى من الانتفاضات الشعبية العظيمة في تاريخ مصر الحديث، ولن تكون الأخيرة، إلا أنها تمثل منعطفًا أساسيًا ونتاجًا لمسار تاريخي استثنائي لمدة لا تقل عن 50 قرنًا، ظل خلالها المجتمع المصري تحت وطأة دولة مركزية فريدة من نوعها، لذا لا يمكن تقييم الوضع الراهن في مصر دون الرجوع لتلك الأصول التاريخية للعلاقة بين الدولة والمجتمع.

سنعرف الدولة هنا بمجموعة الأجهزة الرسمية التي تدار من خلالها شؤون المجتمع، كما تعرف سلطة الدولة بالهيئة المركزية التي تقبض على أجهزة الدولة وبذا تحكم البلاد. أما نظام الحكم فهو الطابع السياسي والأيديولوجي والاقتصادي الذي تضفيه المجموعة التي تسيطر على سلطة الدولة (وهي قد تكون مجموعة عصبية أو عرقية أو طبقية) وهي تضفي على الحكم طبيعة يمكن أن تكون عسكرية أو مدنية، لاهوتية أو علمانية، استبدادية أو ديمقراطية، مركزية أو لا مركزية… إلخ.

شهدت مصر عبر تلك الخمسين قرنًا مجابهة تاريخية بين قطبي الواقع المصري، فمن جهة نجد سلطة الدولة التي تميل إلى الهيمنة الكلية على المجتمع، ومن جهة أخرى انتفاضات شعبية ترج هذه الهيمنة بين الحين والحين. وعبر هذه المجابهة نشهد تغييرات في طبيعة النظام كما نشهد تغييرات في نسيج المجتمع المصري نفسه. إلا أننا سوف نركز في هذه السطور على التغييرات الفوقية والتحتية التي تفسح المجال لانتفاضات شعبية يكسب من خلالها المحكومون وعيًا ذاتيًا متزايدًا، وقدرة ذهنية أوسع وأعمق للتعبير عن مصالحها وطموحاتها.

تتميز خصوصية الدولة المصرية منذ عصر مينا بمركزية يفرضها نظام الري ذي الضرورة الحيوية لاستمرارية العملية الزراعية، ومنها اكتسب النظام الشرعية اللاهوتية المطلقة المجسدة في شخص فرعون. فاعتبره المحكومون إلهًا يعبد بهذه الصفة، فيقبلون حكمه كأمر بديهي لا يناقش. ونركز هنا على الأهمية القصوى لمفهوم الشرعية في النظم المبنية على القمع، إذ تعتبر هذه الشرعية اخطر الأسلحة في يد الحكام، فهو سلاح القبض على نفوس وضمائر المحكومين مضافًا إلى الهيمنة على أجسادهم بسلاح القمع. لن نخوض هنا في سلسلة الغزوات التي توالت على أرض مصر منذ عصر الأسرات الأولى وفرضت أشكالًا من النظم العرقية والدينية المتعددة والمختلفة في درجات الشرعية التي تمتعت بها.

لنبدأ بنهاية القرن التاسع عشر عشية صدام المجتمع الإسلامي المصري بالحداثة الأوروبية، فمصر حين ذاك ولاية في الإمبراطورية العثمانية تحكمها باسم السلطان طبقة ضيقة من الأسياد المماليك الناطقين باللغة التركية والحاملين للسلاح، ورعايا السلطان هم سكان مصر الذين يتحدثون العربية ولا يحملون سلاحًا، فشرعية النظام هنا شرعية لاهوتية مطلقة، ليعتبر السلطان حاكما بأمر الله. ولا يملك رعايا السلطان أية قدرة على تحديد مسارهم في الحياة، فهم لا يتمتعون بوجدان ذاتي مستقل، إذ يعتقد كل منهم أن الله هو من يمليه أفكاره وفعاله، ولا يتمتعون بوعي فردي مستقل، إذ ينتمي كل منهم إلى جماعة عضوية ذات بنية ابوية تقليدية (قرية – حرفة – قبيلة)، ولا يشعر بوجوده في العالم إلا من خلال تماثله مع هذه الجماعة عن طريق ولائه للشيخ الذي يتحدث باسمها. كما تتمايز في صفوف الرعايا فئة ضيقة تتكون من الاعيان، أي كبار مشايخ الجماعات التقليدية وكبار العلماء وكبار التجار الذين يتمتعون بنفوذ معنوي وفكري كبير لدى الرعايا، ويعترف لهم الأسياد بدور الوسيط بينهم وبين الرعايا.

أحدثت الحملة الفرنسية زلزالًا وجوديًا في هذه البنية، إذ شرخت نظام العالم الإسلامي الموحد، وكسرت التواصل المباشر بين حكم الله في السماوات وحكم الكافر على الأرض، وبذلك فقد النظام شرعيته الطبيعية وأصبحت الطاعة للفرنسيين حرامًا والتمرد ضدهم واجبًا مقدسًا. من هنا هبت القاهرة ضد بونابرت سنة 1799، حيث تخطى أهالي الأحياء توجهات كبار مشايخ العلماء إلى التهدئة والتريث مستجيبين لنداء شباب العلماء الأزهريين، ومطاردين الجنود الفرنسيين خلال الحارات ليقتلوا أعدادًا منهم، ولم تنته الأحداث إلا بعد أن أمر بونابرت بدك الأحياء الثائرة بالمدافع محطما البيوت فوق الأهالي، وبعد أن دخل الجنود الفرنسيون الجامع الأزهر بالخيول. اندلعت هبة القاهرة الثانية ضد كليبر الذي خلف بونابرت على رأس الحملة، وهنا بدأ أهالي الأحياء المقاومة هذه المرة ومعهم ليس فقط كبار الأعيان، ولكن أيضًا بعض المماليك وبعض الجنود الأتراك، إلا أن هؤلاء لم يطيقوا قسوة القصف على الأحياء وأبدوا ميلًا واضحًا للاستسلام، ليظهر لأول مرة دور الأهالي في إجبار أسيادهم على الاستمرار في المقاومة رافعين للمرة الأولى شعار «الرعية والعسكر يد واحدة»، ولم تنته المعركة إلا بعد تحويل أحياء كاملة في القاهرة إلى حطام، إلا أن التجربة قد أدت إلى شرخ كبير في ولاء الأهالي للأتراك والمماليك، ليتحول هذا الشرخ إلى سخط وتمرد متزايدين بعد انتهاء الحملة الفرنسية.

إذ تصور المماليك أنهم سيعودون ببساطة إلى شكل الحكم الذي مارسوه قبل الحملة، فكانت هبة القاهرة الثالثة التي دامت ثلاث سنوات ضد الجنود الأتراك والمماليك. هنا دخل عنصر جديد ألا وهو الحلف بين الأعيان بقيادة عمر مكرم وبين أحد قادة الجيش التركي وهو محمد علي الذي فهم أهمية الاعتماد على الأهالي من أجل الوصول إلى السلطة وإرساء نوع جديد من الحكم يستغني فيه عن المماليك ويعتمد على عناصر الحداثة التي اكتشفها في الحملة الفرنسية. وكان هدف الأهالي هو خلق وضع لا مثيل له في الماضي، فأولًا طالبوا السلطان بتعيين واليًا اختاروه هم، وثانيًا أجبروا الوالي الجديد باستشارة الأعيان قبل فرض أي ضرائب على الأهالي. إلا أن المقاومة لم تهدأ عند ذلك الحد، فبعد تعيين محمد علي واليًا حاول الجيش التركي ثم الجيش الإنجليزي إسقاطه، ولم يكن بإستطاعته الصمود لولا بطولات لا حصر لها من الأهالي في القاهرة ودمياط ومدن أخرى. ومن المعروف أن محمد علي بعد أن دعم مركزه في 1808 بالقضاء على المماليك وتهميش الأعيان الذين تحالفوا معه، قد رأس سلطة مركزية تهيمن على المجتمع من خلال ملكيته لكافة الأراضي ووسائل الإنتاج الجديدة التي أدخلها من أوروبا لتحديث الدولة.

من محمد علي إلى إسماعيل شرعت السلطة في إحداث تغييرات كيفية في نسيج المجتمع نفسه، أي في تحويل مجتمع لاهوتي تقليدي إلى مجتمع تتأكد فيه عناصر الحداثة، حيث تقوم الحداثة على ركيزتين:
أولًا: الفصل العلماني بين الدنيا والآخرة، أي القبول باستقلالية الحياة الزمنية وخضوعها لقوانين موضوعية ثابتة يمكن دراستها دون الرجوع لكلام الله.
وثانيًا: انسلاخ الفرد عن الجماعة التقليدية ودخوله في الحياة العامة محملًا مبادئ معرفة علمانية وقادرًا أن يتحمل شخصيًا مسئولية أعماله.
هكذا بدأت أجهزة الدولة المدنية والعسكرية في توظيف الموظفين والعمال المصريين وإن كان ذلك في الرتب الدنيا تحت رئاسة الفئة التركية والشركسية التي ينتمي لها الخديوي.

ومع اضطرار الخديوي لبيع الأراضي للأعيان المصريين والأجانب في سبيل تسديد الديون الخارجية، لتظهر فئة جديدة من ملاك الأراضي الزراعية المصريين مكونة من العمد والمشايخ والأعيان وان كانت أراضيها أقل شأنًا من أراضي الفئة التركية الشركسية. بذلك المسار بدأ أبناء الجماعات التقليدية يتعلمون مختلف العلوم الحديثة فيصبحون أطباء، ومهندسين، ومحامين، ومدرسين لتتبلور فئة من المثقفين العلمانيين يزداد نفوذها وهيمنتها الاجتماعية على حساب فئة المثقفين التقليديين المكونة من العلماء الأزهريين. عندئذ نستطيع أن نتحدث عن مولد رأي عام مصري يعبر عن كتلة اجتماعية جديدة تتكون من أفراد مصريين يتحدثون العربية ويجمعهم طموح واحد، هو تأكيد كرامة الوطن المصري في مواجهة الذل الأجنبي وخضوع السلطة الخديوية والفئة الشركسية لهذا الذل.

فالوطن هو الهوية الجماعية الجديدة الحديثة التي تبناها هؤلاء الأفراد المصريون بعد أن فقدوا ركيزتي هويتهم اللاهوتية التقليدية: الركيزة السماوية التي كان يحكمها كلام الله، والركيزة الزمنية التي كانت تحكمها كلمة الأب أو الشيخ (في القرية أو المهنة أو القبيلة). فالوطن له أبعاده الزمنية المكانية التي تميزه من جهة عن الأمة الإسلامية، ومن جهة أخرى تتخطى الحدود الضيقة للجماعة التقليدية، فتقدم للفرد المستقل المساحة الملائمة للممارسة السياسية، أي لبداية خوض حياته كفاعل يتحكم فيها بدلًا عن أن تتحكم فيه بقوى خارجة عن إرادته. إلا أن هذه الهوية الوطنية تأسست تدريجيًا عبر ثلاث مراحل: مرحلة الثورة العرابية، ثم مرحلة نضوج فكري تحت الاحتلال البريطاني حتى الحرب العالمية الأولى، ثم مرحلة ثورة 1919. مثلت الثورة العرابية أول تعبير واع للطموح الوطني، وولدت صورة وطنية جديدة، صورة الزعيم ذو الشرعية الوطنية المنافسة لشرعية الصورة اللاهوتية التقليدية للسلطة، ولاتزال عندئذ صورة الزعيم متأثرة بروح الأب التقليدية – رب الأسرة أو شيخ الجماعة – فنجد ميل المصريين التلقائي لانتظار مبادراته هو قبل أن يتحركوا هم لتأييدها جماهيريًا، فلم تكن حينذاك الكتلة الوطنية بالعمق والاتساع الكفيلين بتعبئة المجتمع ككل أمام الهجوم البريطاني، فكانت هزيمة الثورة العرابية.

مثل الاحتلال البريطاني ابتداءً من سنة 1882 مرحلة من الحكم بلا شرعية وإن كان يتستر وراء واجهة شرعية شكلية هي واجهة حكم الخديوي، إلا أن البلاد قد شهدت تزايدًا مستمرًا في المساحة الاجتماعية والوزن الاقتصادي والنفوذ الأيديولوجي للفئات الوطنية من طلبة وموظفين ومثقفين وكافة المهن الليبرالية. كما اتسع نشاط الأحزاب وتعاظم الحوار حول مفاهيم الحداثة والعلمانية والحقوق والحريات الفردية في إطار تأكيد مفهوم الوطن المصري، ككيان تاريخي له أبعاده الزمنية المكانية المتميزة عن الأمة الإسلامية، والتفت كافة هذه التيارات بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى حول مطلب حق تقرير المصير الوطني وجلاء القوات البريطانية عن البلاد.

ومع اندلاع ثورة 1919 ظهرت صورة جديدة للزعيم. فهناك فارق كيفي تاريخي بين ظاهرة الزعامة التي مثلها أحمد عرابي وتلك التي مثلها من بعد ذلك سعد زغلول. كان عرابي هو من يتخذ كافة المبادرات الوطنية وتدعمه الفئات الوطنية بالتأييد والتضحية، فعندما استسلم عرابي انتهى الحراك. أما سعد زغلول فكان الرمز الغائب لثورة 1919، إذ نفي بسرعة ثم قضى شهورًا طويلة في أوروبا في محاولات يائسة للتفاوض مع السلطات البريطانية. فكانت كافة المبادرات الثورية منطلقة من الجماهير نفسها وظهرت القيادات الشعبية من خلال هذه المبادرات وتبلورت الأطر التنظيمية لحزب الوفد كنتيجة للمد الثوري نفسه. إذًا فالعلاقة التي تربط الجماهير الشعبية بسعد زغلول هي علاقة ذات مضمون ديمقراطي أصيل تعبر عن طفرة كيفية في الوعي الشعبي المستقل، لتكن تلك السمة المميزة لثورة 1919، فكانت المظاهرات والإضرابات وانشاء الكمائن تقوم على أسس محلية لها جذورها في الحي أو القرية أو المهنة، ولكنها في نفس الوقت متصلة مباشرة بنبض القطر المصري ككل، ومن هنا التلازم الزمني التلقائي للعمليات الثورية على نطاق القطر.

من سنة 1923 إلى سنة 1952 دخلت مصر مرحلة متقلبة تتنافس فيها ثلاث سلطات، سلطة السفارة البريطانية المرتكزة على القمع، وسلطة القصر الذي أصبح ملكيا والمرتكزة على شرعية لاهوتية تقليدية، وسلطة حزب الأغلبية البرلمانية، أي حزب الوفد المرتكز على شرعية من نوع جديد هي شرعية شعبية ديمقراطية. كان الوفد يكتسح الانتخابات، لكن القصر انتهز كل الفرص لاقالة البرلمان وايقاف الدستور وتعيين حكومات غير شرعية حتى يضطره الضغط الشعبي للعودة إلى انتخابات جديدة يكسبها الوفد بلا منازع، فكانت المرحلة خصبة بموجات ثورية متتالية تعلم فيها ملايين المصريين قواعد اللعبة الديمقراطية ونجحوا في فرض تنازلات جزئية على السفارة البريطانية مثل معاهدة 1938 التي قبلت بمقتضاها الأخيرة تركيز قواتها في منطقة القناة، وتأسيس نواة جيش وطني مصري. وبعد الحرب العالمية الثانية وصل المد الثوري إلى تنظيم مظاهرات مليونية تطالب بالجلاء الكامل وبلورة أشكال متقدمة من الوحدة الشعبية مثل تكوين لجنة العمال والطلبة التي خططت لإضرابات شلت مدنا كاملة، حتى بات واضحًا أن المجتمع يفلت من قبضة السلطة الثلاثية؛ فقيادة الوفد لم تعد قادرة على الاستجابة لمطالب الشعب الوطنية والاجتماعية، وفقدت بذلك شرعيتها الديمقراطية، بينما فقد القصر آخر سمات الشرعية اللاهوتية التي يتمتع بها بعد حرب 1948 وهزيمة الجيوش العربية.

شكل الضباط الأحرار نظامًا جديدًا يسعى إلى إعادة هيمنة الدولة على المجتمع من خلال سياسة تؤكد الخط الوطني العلماني الذي ابتدعه الوفد، ولكن مع تحطيم المكاسب الديمقراطية التي أحرزها الشعب منذ ثورة 1919. ونجح هذا المشروع بعد تأميم عبد الناصر لقناة السويس في 1956 واكتسابه شعبية مصرية وعربية عارمة. وبعد إلغاء الأحزاب والنقابات المستقلة والقمع الشرس للحزبين اللذين يتمتعان بقاعدة شعبية (الوفد والإخوان) أسس عبد الناصر حكمًا مبنيًا على الحزب الواحد (الاتحاد القومي الذي تحول بعد ذلك للاتحاد الاشتراكي)، والذي شل أي تحرك شعبي، وأقام جدارًا عازلًا بين فئات الشعب المختلفة، وبذلك سمح للقائد أن يحتكر كافة المبادرات السياسية باسم الوحدة الوطنية، واكتملت سلطته السياسية بسلطات اقتصادية استثنائية بعد تأميمه لأهم وسائل الإنتاج في سنة 1961.

استطاع عبد الناصر أن يقدم للشعب المصري مكاسب وطنية، إذ رفع مصر في مقام دولة قائدة على مستوى العالم الثالث، ومكاسب اجتماعية كتأمين مستوى معيشة أرفع لعمال وموظفي قطاع الدولة. وبذلك جسد عبد الناصر صورة جديدة للحكم – صورة الريس – التي تجمع لأول مرة بين شرعية الملك اللاهوتية وشرعية الزعيم الوطنية بالاضافة إلى الشرعية المميزة للدولة المركزية الموروثة من العصر الفرعوني، وبذا نجح عبد الناصر في أن يقدم سلطته الفردية كشرط لتوحيد صفوف الشعب المصري من أجل تحقيق المكاسب الوطنية والاجتماعية التي يفخر بها.

إذ إن الفئات الشعبية قد سلبت أي قدرة على الحراك المستقل، فتقبلت تلك الوصاية الوجدانية وأصبح عندها الإحساس أن الانتماء للوطن يمر بالولاء للريس الذي يجسد وحدته. وجدير بالذكر أن صورة الأب التي يجسدها عبد الناصر أقرب لصورة أحمد عرابي المثقلة بالقيم الجماعية التقليدية منها لصورة سعد زغلول المرتكزة على حراك علماني وديمقراطي. إلا أن مشروع عبد الناصر تلقى ضربة كادت تكون قاضية في يونيو (حزيران) 1967، عندما هزم الجيش المصري ووصل الجيش الإسرائيلي على الضفة الشرقية من قناة السويس. فاستقال عبد الناصر في ليلة 6 يونيو، وهنا حدثت معجزة ترجع إلى عبقرية الشعب المصري، فاستعاد مباشرة وتلقائيًا في نفس الليلة قدرته على التحرك المستقل، وعلى توحيد صفوفه وعلى اتخاذ القرار الصحيح في إنقاذ الوطن؛ فأجبر عبد الناصر على الرجوع عن استقالته، إذ إن إحلال زكريا محيي الدين – وهو وزير الداخلية السابق الميال للأمريكيين – محل عبد الناصر في هذه اللحظة كان يعني التسليم بالهزيمة والتفاوض مع واشنطن على شروط الاستسلام. وفي هذه الليلة تغير كيفيًا طابع العلاقة بين الشعب وعبد الناصر. رجع الريس باعتباره الأب المهزوم المدين لأبناء الوطن، لكن شرعيته اللاهوتية قد انكسرت وأصبح الأب نفسه تحت ضغط مستمر من أبناء الوطن الذين أعادوه إلى الحكم، والذين سوف يراقبونه ويحاسبونه على سياسته تجاه إسرائيل. وبدأ ظهور سوء تفاهم كبير من الطرفين، فالشعب يريد محاكمة فعلية لقادة الجيش، والاعتماد على تعبئة الجماهير وتسليحها من أجل مواجهة طويلة المدى مع العدو، بينما كان عبد الناصر يبحث عن مساومة مع العدو في إطار لعبة القوى مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، لذا قامت انتفاضة شعبية في فبراير (شباط) 1968، وتلتها انتفاضة ثانية في نوفمبر (تشرين الثاني) من نفس العام؛ مما اضطر عبد الناصر لشن حرب الاستنزاف من أجل استعادة شرعيته المهزوزة.

تفاقمت أزمة شرعية النظام بعد وصول السادات إلى الحكم، إذ أخذ في تغيير سياسة الدولة تغييرًا جذريًا مع توجهه المتزايد نحو الولايات المتحدة ومصالحته مع النظام السعودي، وانفتاحه للقطاع الخاص، وأخيرًا للتفاهم مع إسرائيل. قامت ضده مظاهرات 1972 الطلابية التي أدت إلى حوار واسع توج ببيان طلابي يتضمن برنامجًا متكاملًا للتعبئة الوطنية المعتمدة على حريات ديمقراطية واسعة مع تسليح الشعب كضرورة لا غنى عنها في مواجهة العدو مواجهة جادة. استعاد السادات شرعية مؤقتة بعد أن خطط لمعركة عبور القناة وانجاز أول نصر عسكري ضد الجيش الإسرائيلي، وعزز هذه الشرعية بقبول رجوع بعض الأحزاب في ظل الحزب الحاكم، وفتح الباب لرجوع التيارات الدينية في الجامعات. إلا أنه سرعان ما فقد هذه الشرعية بعد ذهابه إلى القدس ثم إبرامه لاتفاقية كامب ديفيد.

سعى حسني مبارك بعد اغتيال السادات إلى ترسيخ أسس النظام بتبريد علاقته مع إسرائيل من ناحية، وتوثيق علاقته بالدول العربية من ناحية أخرى، وكذلك أفرج عن مئات الشخصيات المعتقلة، وسمح بظهور صحف معارضة مختلفة ومئات من الجمعيات غير الحكومية يدور فيها حوار مجتمعي خصب، هذا في مقابل منع أي تظاهر في الشارع. كان النزول في الشارع للتظاهر هو الخط الأحمر الذي يؤدي تخطيه إلى قمع مباشر، لذا قام النظام بتوسيع مستمر لأجهزة الأمن التي أصبح لها اليد العليا على كل الشئون السياسية بما فيها تعيين كبار ضباط الجيش، بينما أصبح دور الجيش السياسي مهمشًا أكثر فأكثر. إلا أن شرعية النظام دخلت في المرحلة النهائية لازمتها في بداية التسعينات. فعندما أدت ديون الدولة إلى إعلان إفلاسها اضطر مبارك في سنة 1991 إلى قبول خصخصة كاملة للقطاع العام، فأصدر قوانين تحمي الاستثمارات الخاصة من التأميم، وتمنح قطاعات كاملة من الاقتصاد القومي إلى بضعة عشرات من المقاولين ورجال المال والمضاربين الذين اغتنوا سابقًا في حضن بيروقراطية الدولة وأصبحوا بعدئذ هم المهيمنين عليها. وسرعان ما اكتسبت هذه الفئة الرأسمالية مقاليد الأمور السياسية من خلال قيادة الحزب الحاكم حول جمال مبارك والأغلبية البرلمانية، وأخيرًا شغل المناصب الوزارية الأساسية.

نشاهد بذلك لأول مرة في تاريخ مصر، قوى رأسمالية خاصة تتحكم في سياسة البلاد. وكنتيجة لذلك عرفت فئات شعبية واسعة درجات جديدة من الفقر، كما دخلت أجزاء من الطبقة الوسطى مرحلة أزمة معيشية لم تعرفها من قبل. وبذلك فقد مبارك المركز الذي أسسه عبد الناصر، مركز الحكم الذي يسمو فوق تناقضات المجتمع ويستطيع من خلاله أن يحتكر المبادرات السياسية، فيتدخل كما يشاء لتغيير موازين القوى مع الاحتفاظ باليد العليا للدولة فوق المجتمع. وعندئذ أخذ المجتمع يستعيد استقلاليته المفقودة. بدأت طلائع القوى العمالية تنظم إضرابات وتتحدى النقابات البيروقراطية بتكوين براعم لنقابات مستقلة، وفي الوقت نفسه بدأت مجموعات من الشباب الثائر الاتصال بتلك النقابات لتنشر وعيًا جديدًا يربط بين مصالح الفئات الشعبية المختلفة، لتتحدى نظامًا يفقد ما تبقى من شرعيته. وأصبحت الظروف ملائمة لفتح مرحلة جديدة من المد الشعبي الثوري.

الفصل الأول: ثورة 25 يناير كطفرة كيفية في الوجدان الشعبي المصري

الباب الأول: الطريق إلى 25 يناير
لازم التدهور المستمر في شرعية نظام مبارك مدًا ثوريًا آخذًا في التصاعد منذ بداية القرن الواحد والعشرين. بدأت الجامعات في الغليان، تضامنًا مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ثم مع الشعب العراقي الذي واجه العدوان الأمريكي. كون بعض أبطال الانتفاضة الطلابية لسنة 1972 اللجنة الشعبية للتضامن مع الانتفاضة، هدفها تحويل الغليان داخل الجامعات إلى مظاهرات تخرج إلى الشارع. كان لهذا التوجه نجاح هائل بعد غزو العراق، ففي مارس (أذار) 2003، خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين متجهين نحو ميدان التحرير واحتلوه قبل أن تتدخل قوى الأمن، وقد تضامن الأهالي مع المتظاهرين ووزعوا عليهم الطعام والشراب، وظل الحشد قائمًا طوال الليل.

نظمت اللجنة بعد ذلك حوارًا يضم كافة التيارات المعارضة من ناصريين وماركسيين وإسلاميين… إلخ. حتى نجحت لأول مرة في صياغة فرضية سياسية موحدة تؤكد الربط الضروري بين المعركة ضد أمريكا وإسرائيل في الخارج، والمعركة من أجل الديمقراطية في الداخل. أدت هذه المبادرة إلى تكوين الحركة المصرية للتغيير، والتي اعتبرت نفسها في الجوهر، حركة ضمير جديد. ويجب هنا التأكيد على أن هذا الضمير يرفض إغلاق مصر على نفسها بل يؤكد التواصل الضروري بين الثوار في مصر وفي بقية العالم العربي، وأيضًا الانفتاح للتجارب الثورية في جميع أنحاء العالم. ومما يذكر أن الحركة كانت في طليعة المستفيدين من شبكات التواصل.

في ديسمبر (كانون الأول) نظمت أول مظاهرة تحت شعار «كفاية» ضد نظام مبارك، وضد مشروع التوريث. وبذا ساهمت في إرساء إبعاد الضمير الجديد.. أي تخطي حاجز الخوف من قوات الأمن، وفرض التظاهر كحق شعبي طبيعي، وإنكار قدسية «الريس» برفع شعار لم يجرؤ أحد على رفعه من قبل «يسقط حسني مبارك». من ناحية أخرى أخذت معاقل الكفاح العمالي تتجرأ على مستوى جديد من الصدام مع الإدارة، وهو الاعتصام داخل المصانع مع إيقاف العمل، أي مع شل وسيلة الإنتاج. وهكذا نجح لأول مرة عمال شركة الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى سنة 2006 في فرض كافة مطالبهم على إدارة الشركة، ليفسح هذا النجاح المجال لسلسلة معارك ناجحة في مصانع أخرى بكفر الدوار ومدينة السادات، وغيرها. في سنة 2007 اتخذ عمال الشركة في المحلة الكبرى مبادرة جديدة، حيث فرضوا أسلوبًا للتفاوض من خلال مندوبين منتخبين يمثلونهم رسميًا. في فبراير 2008 تقدم العمال بمطلب فريد، وهو مطلب إعادة تقييم الأجور لكافة عمال الجمهورية. وإذ لم يتلقوا ردًا، قرروا موعدًا لبداية إضراب من أجل فرض هذا المطلب وهو 6 أبريل (نيسان) 2008.

صار هذا التحدي حديث مئات المصانع في كافة أنحاء البلاد، وأخذ سكان المحلة يستعدون للتظاهر مع المضربين. بينما بدأت مجموعة من النشطاء تعبئ الرأي العام من خلال صفحة «فيسبوك» حول هذا المطلب. وإذ بتأييد 70 ألف مواطن لهذه المبادرة، فرفعت المجموعة شعار الإضراب العام تضامنًا مع المحلة. عندئذ قررت السلطات أن تحتل المصنع في صباح يوم 6 أبريل لمنع العمال من الدخول، فاندلعت شرارة التمرد في المدينة نفسها، حيث تظاهر السكان مع العمال، وظلت الصدامات بينهم وبين قوات الأمن تتجدد يومًا بعد يوم مع سقوط القتلى ومئات من الجرحى، حتى بدأت أعداد متزايدة من الجامعات المصرية تتضامن مع المضربين. هنا حدث لأول مرة أن بعض سكان المحلة مزقوا صورة من صور مبارك الرسمية ثم داسوا عليها بأقدامهم.

لم يحدث الإضراب العام، ولكن مجموعة النشطاء الذين طالبوا به عرفت بعد ذلك بدورها الطليعي في ثورة يناير 2011 تحت اسم حركة 6 أبريل. أما الحركة من أجل تأسيس نقابات مستقلة عن الاتحاد النقابي الرسمي، فقد سجلت نجاحات كبيرة بفضل محصلي الضرائب العقارية في الجيزة، الذين بدأوا بمطلب رفع أجورهم ثم نظموا تجمعًا لأكثر من 10 آلاف محصل، آتين من كافة أنحاء الجمهورية، لينصبوا الخيام حول مركز الاتحاد النقابي الرسمي. ظل هذا الحصار قائمًا لعدة أيام حتى تراجعت السلطة في مسألة الأجور. ولكن التعبئة استمرت حتى أعلن الموظفون تكوين نقابة حرة. وتزايد عدد النقابات الحرة ابتداءً من سنة 2009 في البريد والإدارات الصحية وبعض الدوائر التعليمية. بينما ازدادت المعركة حدة بعد إعلان نقابات حرة داخل المصانع. ساهمت جماعات النشطاء مثل الاشتراكيين الثوريين وحركة 6 أبريل في التضامن مع الحراك، ونشرت أخباره بالخارج، ومدته بوسائل فنية لتنسيق الجهود بين المصانع المختلفة.

وفي سنة 2009 تشكل موقفًا سياسيًا جديدًا يؤكد ذبول شرعية مبارك. ظهر محمد البرادعي الحائز على جائزة نوبل للسلام، لينكر علنًا تلك الشرعية، ثم يقدم سبعة مطالب للتغيير، من ضمنها إنهاء حالة الطوارئ، ووضع كافة الانتخابات تحت رقابة القضاء، والترشيح غير المقيد للانتخابات الرئاسية. هذا بينما ظهرت في «فيسبوك» صفحة جديدة بعنوان «البرادعي رئيسًا للجمهورية 2011». هكذا تبلورت لأول مرة صورة رئاسية بديلة لصورة مبارك، التي كانت فيما قبل لا تقبل النقاش. كان الموقف السياسي ينتظر بعدئذ الشرارة، التي ستحول الغليان إلى حريق… وكان اغتيال خالد سعيد.

الباب الثاني: الشباب في طليعة الثورة
تمثل الشريحة الأقل من 30 سنة 60% من تعداد مصر، إلا أن الشريحة المسماة بـ«الشباب» هي شريحة من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة وهي تمثل 33% من السكان، أي ثلثهم، وهو الثلث الأكثر حيوية والأكثر حساسية لكافة الأزمات التي يعاني منها المجتمع. فغالبية الشبان يشكون من مظاهر عديدة من الغبن، الغبن الاقتصادي، فجزء منهم يواجه البطالة، والجزء الأكبر يضطر للقيام بأعمال لا تتناسب مع شهاداتهم. ثم الغبن العاطفي والجنسي، إذ لا يمكنهم الزواج أو إقامة بيت جديد خارج منزل الأب. ثم الغبن الضميري تجاه آبائهم، إذ لم يعودوا ينتظرون منهم أي حل لمشاكلهم. وأخيرًا غبن سياسي، نتيجة للكبت الذي يمارسه أمن الدولة على أية مبادرات فردية. فتؤدي كافة هذه المظاهر إلى أزمة وجودية أمام مستقبل مسدود.

سيأتي الانفجار الثوري من كتلة حاسمة داخل هذا الجيل، يتراوح تعدادها بين 2 و3 مليون، ويمكن تشخيصها بأنها الكتلة التي تنتقل من الأزمة الوجودية إلى الرفض الغاضب للواقع، والرغبة في التحرك من أجل تغييره، وإن كانت معالم التغيير غير واضحة. تتكون هذه الكتلة من أشخاص اكتملت ذاتيتهم المستقلة، وازدهرت فرديتهم. فيتحدثون بثقة النفس وشجاعة الرأي وإحساس كامن بالمسئولية. فيتوجهون للآخرين، لا للذوبان في الجماعة، بل لإغنائها برأيهم الحر.

السمة المميزة لهذه الكتلة هي روح التمرد ضد السلطوية، تمرد يوجهه عقل نقّاد يرفض بداهة كافة الحلول الموروثة والأفكار التقليدية والزعامات أيًا كانت. كونت هذه الكتلة طليعة الثورة والقوة الملهمة لمبادرتها الحاسمة من اليوم الأول بفتح ميدان التحرير في 25 يناير حتى اليوم الأخير بالإصرار على إسقاط حسني مبارك في يوم 12 فبراير، أي الإصرار على تتويج الثورة بفرض شرعية الميدان على شرعية النظام. هناك مسافة فكرية بين هذه الطليعة وبين قوة شبابية أخرى انضمت للميدان بين حين وآخر، مثل شباب الإخوان المسلمين والألتراس لنوادي الأهلي والزمالك. فالطليعة لها وجهة نظر علمانية للعالم، مما لا يعني على الإطلاق أنها تلفظ الدين – إذ يؤمن جزء منهم إيمانًا عميقًا بالإسلام أو المسيحية – إنما يعني أنها تفصل بين العقيدة الدينية التي ترجع لضمير كل فرد، والنشاط السياسي الذي تتحكم فيه روح الاكتشاف الحر للواقع، والبحث عن حلول تجريبية وعملية مع التوجه المستمر إلى الجماهير، وترقب رغباتها في التغيير واستعدادها للحراك الثوري.

فالواقع أن العدو المشترك لكافة هؤلاء الشبان هو جهاز أمن الدولة الذي يهدد كل ما يطمحون له ويأملون فيه، فهو مجسِّد لوجه النظام السافر وأداته المباشرة للكبت، بكافة أساليب الهت والقمع والتعذيب. لذلك نرى نشطاء كافة المجموعات الشبابية يلتفون في شبكات التواصل الاجتماعي حول كشف وإدانة هذا الجهاز، بنشر شهادات وأفلام الفيديو والصور التي تكشف جرائم قوى الأمن وتشجع على التصدي لها. فتحول عالم المدونات إلى وطن خفي للنشطاء، أرض معركة يتحكمون فيها، ويديرون من خلالها حرب عصابات على أمن الدولة. ومن هنا الصدى العظيم لاغتيال خالد سعيد، بعدما استطاعت أخته أن تصور وجهه المهشم، وتنشره على «فيسبوك». هنا أحس ملايين من المصريين أن كل منهم معرض في أي يوم لمواجهة نفس المصير. وتصاعدت بعد ذلك التعبئة الجماعية بسرعة كيفية من خلال ثلاثة مواقع أساسية، موقع 6 أبريل، وموقع البرادعي، وبشكل رئيس موقع جديد أنشئ بعد الحدث تحت عنوان «كلنا خالد سعيد»، تعاظم دوره يومًا بعد يوم؛ لأنه تخطى الهويات الأيديولوجية؛ مما جذب عشرات الآلاف من الشبان غير المنتمين سياسيًا إلى المشاركة في مبادرات جريئة ومبتكرة من المظاهرات.

وأخيرًا التقى ممثلو أهم المجموعات النشاطية حول يوم 25 يناير – يوم عيد الشرطة – موعدًا لتنظيم مظاهرات تبدأ في بؤر متعددة من الأحياء الشعبية، لاقتحام حواجز الشرطة، ثم محأولة الوصول إلى ميدان التحرير. فكانت الثورة التونسية أعظم مدخل للتعبئة الثورية، إذ مثلت حدثًا لا مثيل له في التاريخ العربي، انتفاضة شعبية تقضي على نظام فرداني، بعد ثلاثة أسابيع من مظاهرات سلمية. وعندئذ تجرأ النشطاء المنظمون ليوم 25 يناير في مصر، على رفع شعارات تنادي لأول مرة بالثورة.

الباب الثالث: ملحمة جمهورية التحرير
فاقت الانطلاقة الثورية كافة التصورات السابقة، ليس في القاهرة فقط، بل في عديد من المدن المصرية. بدأت المجابهات المحلية في الأحياء المتفرقة بالصورة المألوفة، أي بنسبة جنود الشرطة أكبر من نسبة المتظاهرين. وكانت الصدامات عنيفة، ليسقط مئات من القتلى وآلاف من المصابين. ثم كانت المعجزة، فلم تنته المواجهة عند ذلك. إذ وجدت الشرطة إن أعدادًا متزايدة بدأت في النزول من البيوت على مر الساعات لتعزيز المجموعات الشبابية الأولى، فانعكست الأدوار تدريجيًا. لتنقلب النسبة بين الثوار والجنود، وتتفكك وحدات الأمن، ويخترق الثوار الحواجز المتتالية، فيندفعون نحو ميدان التحرير. ويجدون أنفسهم ليس ألوفًا، بل عشرات وعشرات من الآلاف، ليدركوا أنهم حققوا الاستحالة. ففتحوا الميدان وحرروه كموطن جديد لآمال أخذت تتفتح وتتسع تلقائيًا. فبدأت المجموعات في مناقشة الخطوة التالية للحراك، وكان نداءًا لمظاهرة تضم مئات الألوف يوم 28 يناير بعد صلاة الجمعة. وهنا رفع تلقائيًا ولأول مرة الشعار المستوحى من الثورة التونسية «الشعب يريد إسقاط النظام». ثم عادت قوات الأمن وفضت الاعتصام في منتصف ليل 25 يناير، وأعلنت أنها سوف تضرب بيد من حديد أي مظاهرة أخرى، وقطعت شبكة الإنترنت.

بالرغم من ذلك جاءت الأخبار من جميع أنحاء البلاد أن التعبئة تتعاظم، فكانت مدينة السويس الحرة الأولى في شدة المواجهة بين الثوار وقوات الأمن، وازداد الغضب ضد مناورات السلطة، لتهاجم الجماهير أقسام الشرطة ذات السمعة القمعية السيئة. وعندئذ بدأت الأحزاب المعارضة تفكر في المشاركة في المظاهرة، وأدرك مكتب إرشاد الإخوان أن أعدادًا كبيرة من شبابه ينوون الانضمام للشباب الثائر في كافة المدن الكبرى. فقرر أن ينادي بالمشاركة، فهو يعلم جيدًا أنه في حالة فشل المظاهرة فسوف تلقي عليه السلطة المسئولية، وتحمله العبء الأكبر من القمع. لذا راهن على نجاح المظاهرة؛ مما يسمح له بالدخول في مفاوضات مع السلطة بيد قوية.

عبأت السلطات كافة القوات والإمكانات التي لديها ووزعتها بحيث تشل أي تجمهرات قبل وصولها للميادين الكبرى، وفي مقدمتها – طبعًا – ميدان التحرير. استنفرت أجهزة أمن الدولة كل طاقاتها بهدف تسديد ضربة قاضية للحركة الجماهيرية. وفي المقابل، أحس الثوار أن المعركة هي معركة المصير. لذا استقر في أنفسهم ألا يتراجعوا مهما كان الثمن، فالأمل الذي ولد يوم 25 يناير لابد أن يتحول إلى نصر حاسم، ولابد أن يصبح ميدان التحرير ملكًا للشعب، وموطنًا خاصًا لحرياته الناشئة.

فكان العدد والشجاعة، والإصرار والاستبسال إلى جانب الشعب، وكان الذهول والاضطراب، والإطلاق الإجرامي للرصاص، ثم اليأس فالتقهقر إلى جانب قوى الأمن. وتحررت ميادين الإسكندرية والسويس قبل القاهرة، فكانت آخر مجابهة هي التي حطمت حواجز قوى الأمن المقامة حول مداخل ميدان التحرير، وأهمها رمزيا كوبري قصر النيل الذي سقط فيه عشرات الشهداء قبل أن ينهار الأمن المركزي انهيارًا كاملًا، ويحرق المتظاهرون مقر الحزب الوطني الحاكم. كان هذا مثالًا عظيمًا لمفهوم تحطيم جهاز الدولة القمعي على يد سلطة ثورية (كان التحطيم هنا غير نهائي، إذ دخل الجيش بعدئذ ليشغل الفراغ، وإن كان بشكل مختلف عن الداخلية، فاكتفى بتأكيد حضوره حول الميدان، ولكن بدون شن هجوم مباشر عليه).

بعد أن استولى الشعب على الميدان، أخذت السلطة تشن عليه سلسلة من الهجمات الجديدة بأساليب أخرى. حأول مبارك تجزئة صفوف أهل الميدان بخطب يلعب فيها على وتر الأبوة والوحدة الوطنية، ثم نظم «موقعة الجمل» وهجوم البلطجية يوم 2 فبراير. وتشنجت أجهزة الإعلام الرسمية في بث افتراءات وأكاذيب على الميدان. وعند فشل كافة تلك المحاولات، بدأ عمر سليمان بالتفاوض مع الأحزاب ومع الإخوان بشكل خاص على مساومات تقدم فيها الدولة بضعة إصلاحات. بشرط احترام إطار الشرعية الدستورية، وبقاء مبارك حتى نهاية مدته الدستورية. أفشل أهل الميدان كل هذه الأساليب بتأكيد وحدتهم وتنظيم مليونيات متتالية، تلقوا فيها سند وفود آتية من جميع أنحاء البلاد ومن جميع الفئات الاجتماعية والمهنية.

وعلى مر الأيام تجمع ملايين المصريين حول مطلب التحرير، الذي بلور البعد الجذري للثورة – ضرورة رحيل مبارك فورًا، أي ضرورة رفض شرعية النظام، وفرض شرعية جديدة نابعة من الميدان. فكان هذا شرطًا ضروريًا لكي يتحرر الشعب مما تبقى في نفسه من تقديس الحاكم، فيحطم صورة السلطوية الأبوية المجسدة في الحاكم منذ قرون وهذا بقراره هو، وبإرادته الحرة، بسيادته الجديدة. وابتداءً من أيام 8 و9 فبراير، تلقى الميدان سندًا عظيمًا، سند مئات المصانع المصرية في القاهرة، والسويس، والمحلة الكبرى، وحلوان، وكفر الدوار، التي بدأ العمال يشكلون فيها نقابات حرة، فيلفظون بذلك السلطة الأبوية المتأصلة في إدارة المؤسسات الصناعية. كان هذا الموقف علامة لا تخطئ على تحول موازين القوى في البلاد، وترجيح كفة الميدان على كفة السلطة. وفهم الجيش بدوره أنه آن الاوان للتخلي عن مبارك والاستيلاء المباشر على السلطة، مع ادعائه أنه بذلك يحتضن الثورة ويحمي مكاسبها.

وأثناء تلك الأيام، بينما كان ميدان التحرير يخوض هذه المعارك ويتخطى هذه المحن، تشكلت فيه جمهورية حرة انصهرت فيها ملايين الأرواح، وحققت حلمًا حيًا اختلطت فيه كافة الطبقات وكافة الأجيال، وانهارت فيه الحواجز التي عمقها النظام بين مثقفين وعمال، بين أغنياء وفقراء، بين بنات وصبيان، وبين صغار وكبار. وشعر فيها كل فرد بمعجزة أنه يمثل نفسه والآخرين في آن واحد. وحدثت تلك المعجزة بدفع قوة جماهيرية هائلة لم يقدها أحد، لا زعيم ولا تنظيم، بل زعامات متعددة ومجموعات حركية مختلفة. حقًا لعب النشطاء دورًا عظيمًا، ولكنهم لم يشكلوا تنظيمات موحدة أو منظمة. وإذ نجحت بعض منظمات في تنسيق تجريبي للعمل بين الثوار في لحظات مهمة، ظل التيار الجارف للثورة من يوم 25 يناير حتى يوم 12 فبراير، تيارًا نابعًا من إرادة جماهيرية تلقائية مشحونة بذاكرة جماعية أصيلة شكلتها الدروس المكتسبة عبر المعارك والانتفاضات السابقة.

فالشباب الثائر قد نجح في إيجاد الشعار الصحيح – لتحطيم السلطوية الأبوية المرتكزة على جهاز قمع سافر – الذي لقى صدى مباشرًا عند ملايين المصريين، ووحد صفوفهم ونسق حركاتهم دون الحاجة إلى قيادة قومية. يعني هذا أن هؤلاء الملايين وهم يمثلون الفئات الأكثر تقدمًا في الشعب، قد وصلوا إلى درجة من الاستقلالية الذاتية التي تمنحهم قدرة جديدة وهي القدرة على السير التلقائي برؤية واضحة وإرادة ثابتة حتى الهدف المنشود. إلا أن هذه الاستقلالية كانت تختمر في النفوس، ولم تتحول إلى وجدان جديد، والى وعي سياسي ناضج، إلا من خلال الثورة، وبعد بلوغها هدفها النهائي. وبذلك يمكن القول إن الشعب المصري الذي سلبه نظام عبد الناصر قدرته على الحراك المستقل بدأ يستعيد هذه القدرة في يوم 9 يونيو 1967، ثم أكد وطور استقلاليته الذاتية عبر سلسلة من الهبات الثورية التي توجها بانتصار 11 فبراير 2011، مستعيدًا تلك القدرة كاملة.

الباب الرابع: الوجدان الجديد المنبثق من جمهورية التحرير
يمكننا تلخيص هذا الوجدان الجديد في السمات الخمسة الآتية التي بلورتها جمهورية التحرير:

1- فهم أهل التحرير أنه يكفي أن تتجمع كتلة حاسمة بهدف واضح وإرادة صلبة لكي تحطم جهاز الأمن وتستولي على الميدان، وتفشل مؤامرات النظام، فيمتلك الشعب المبادرة السياسية وتلهث السلطة وراءه. أحس كل مواطن مصري أثناء الثمانية عشر يومًا أن دوره الشخصي أهم من دور حسني مبارك.

2- تخطى أهل التحرير كافة الحواجز التي خلقها ونماها النظام بين الطبقات وبين الأجيال وبين الأحياء وبين المعتقدات – الحواجز التي تؤكد عزلة الأفراد وتغذي الريَب والمخاوف بينهم، وتمنعهم من الاتصال ببعضهم البعض فتعجزهم وجدانيًا وسياسيًا. أما الميدان فكان المكان السحري الذي بنى فيه كل مواطن صداقات فورية وعميقة مع مئات الآخرين من جميع أطياف المجتمع، بل المكان الذي اكتشف فيه كل مواطن التضامن الأخوي الأصيل الذي يربطه ضمنيًا بالجماعة ككل، والذي يشعره بانتمائه المباشر إلى الشعب ككل. وهنا تأصلت السمة المميزة لشباب الثورة، أن الفرد ينتمي للجماعة انتماءً حرًا لا يذوب فيها وإنما يغنيها بإرادته الخلاقة والمسئولة.

3- كان المضمون الملموس لشعار «الشعب يريد إسقاط النظام» هو إسقاط الحاكم الذي يجسد كل ما تبقى من شرعية قدسية في سلطة الدولة. وذلك بصيغة قطعية حادة كالسيف أي بأمر من الشعب نفسه، بحكم أصدره المواطنون، يؤكدون فيه شرعية جديدة نابعة منهم، فتلغي نهائيًا الشرعية السابقة. وتحقيق هذا الشعار في يوم 12 فبراير. اقتلعت النفوس آخر جذور الولاء التقليدي للحاكم، لاهوتيًا كان أو أبويًا أو وطنيًا، وأرسى وجدان مواطن، يرى في الحاكم وكيلًا للمحكومين، وليس وليًا عليهم.

4- إذ يتحرر المواطن من تقديسه للحاكم، يقيم علاقة جديدة بينه وبين الوطن. فلقد ظلت هذه العلاقة منذ تأسيس النظام الناصري علاقة ملتبسة، مشبوهة بهيبة الريس القائد الملهم، الذي يدعي أنه يجسد في شخصه وحدة الوطن، فلا يمكن الانتماء للوطن إلا من خلال الولاء لشخصه. أنهى ميدان التحرير هذه الأسطورة، فأحس كل مواطن أنه ينتمي مباشرة وجسديًا للوطن دون أية حاجة للرجوع إلى زعيم أو قائد ملهم. ونسج الميدان وجدانًا وطنيًا أفقيًا، يشعر الفرد من خلاله بمسئوليته الشخصية تجاه الوطن، أي دوره المباشر في الحفاظ عليه وتسيير أموره والقيام على مستقبله.

5- إذ فقدت السلطة آخر آثار القدسية، وبدا واضحًا أن الشرعية لا تأتي من أية جهة سامية فوقية أو رأسية. فلا تأتي إلا من رضاء الشعب. فالسيادة هي سيادة الشعب التي أصبحت علاقته بالحكم علاقة علمانية صرفة، علاقة سياسية لا أكثر ولا أقل.

الباب الخامس: ميدان التحرير في مواجهة الثورة المضادة
خلق تنازل حسني مبارك عن السلطة معادلة سياسية جديدة في البلاد. كان العامل الأساسي الذي فرض هذا التنازل هو بالطبع الانتفاضة الشعبية، ولكن هناك عاملين سياسيين آخرين ساهما في حسم الموقف بهذه السرعة وبهذه البساطة. من ناحية موقف المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي التزم دور الحكَم بين الميدان والقصر، وقرر في النهاية التضحية بحسني مبارك. ومن ناحية أخرى موقف مكتب الارشاد لجماعة الإخوان المسلمين، الذي راهن على المشاركة في الثورة بهدف اكتساب مركز قوى تُفرض من خلاله الجماعة كشريك ضروري للجيش في رسم معالم نظام ما بعد مبارك.

فور انسحاب مبارك، لم يعد الجيش ولا الإخوان في حاجة إلى تحمل المد الثوري الجماهيري. فدخل الطرفان في دورة مفاوضات هدفها اقتسام الحمل بينهما في محاصرة ميدان التحرير، وتجزئة صفوفه وإضعاف شعبيته، وأخيرًا إطفاء شعلة الثورة. بين الجيش والإخوان عداوة متأصلة عبر تاريخ طويل من المواجهات العنيفة. إلا أنهما يلتقيان في كراهية مشتركة لما يمثله ميدان التحرير، ألا وهو رفض مبدأ السلطوية المنطلق من الإيمان بالحرية والابتكار والتضامن الأفقي بين الأفراد. بينما يقوم الجيش والجماعة على مبدأ السلطوية والهياكل التنازلية المبنية على الطاعة العمياء للأوامر. أما النشطاء فلم يستعدوا للموقف الجديد، إذ لم يتصور أحد منهم عندما نادى بالثورة في 25 يناير، أن تتطور الأحداث وتنقلب موازين القوى لدرجة تضطر مبارك بالانسحاب بعد 18 يومًا.

لم يطرح أحد منهم من قبل قضية إحلال سلطة بديلة للسلطة القائمة، ومع ذلك التقى أغلب النشطاء بين يوم وليلة على مجموعة مبادئ، محورها تكوين سلطة انتقالية في صورة مجلس رئاسي يتشكل من مدنيين وعسكريين برئاسة محمد البرادعي. أي سلطة منبثقة من الميدان وتقوم على شرعيته الجديدة. وكان الهدف من هذه السلطة الانتقالية هو تغيير عميق للساحة السياسية من خلال عزل الرموز الرئيسة لعهد مبارك، وإعطاء القوى الثورية فرصة حقيقية في رسم المستقبل. ومن ضمن المطالب المقدمة كان إلغاء حالة الطوارئ، وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين، وإلغاء المحاكم العسكرية للمدنيين، وعلى وجه الخصوص، إصدار قوانين استثنائية تسري على المرحلة الانتقالية، هدفها إدانة رموز العهد البائد، لا بتهم جنائية عادية تمت إلى شرعية نظام مبارك، إنما بتهمة سياسية قاهرة، نابعة من شرعية الميدان. وهي جريمة خيانة مصالح الشعب المصري.

إلا أن علاقة القوى السياسية بعد 12 فبراير كانت في صالح الجيش والإخوان، فيمتلك كل منهما جهازًا تنظيميًا شديد الفاعلية، قادرًا على التخطيط والحركة، واصدار أوامر تنفذ على نطاق الجمهورية. هذا بينما لا يملك الميدان أي جهاز يسمح له بتوحيد الرأي وتنظيم الصفوف وتنسيق المجهودات على نطاق قومي. انتهز الجيش والإخوان هذه الفرصة للتحرك الفوري بهدف إلهاء الثوار في سلسلة اقتراعات تسحب البساط من تحت أقدامهم، تحت شعار الانتقال من شرعية الميدان إلى شرعية الصندوق. فكان استفتاء شهر مارس حول التعديلات الدستورية، ثم الانتخابات البرلمانية ثم الانتخابات الرئاسية. وطوال هذه المدة، التزم الجيش موقفًا إجراميًا سافرًا بعمليات مثل مجزرة ماسبيرو ومجزرة وزارة الدفاع. وأيضًا إقامة محاكم عسكرية يحاكم أمامها آلاف النشطاء بتهم واهية، وعقوبات تصل إلى 15 بسنة سجن.

في مواجهة البطش العسكري والديماجوجية الإخوانية، لم يستسلم الميدان، وصمد لمدة عامين ونصف وابتكر سلسلة من المبادرات الخلاقة لإفشال مشروع الثورة المضادة. ويجب هنا الإصرار على البعد الملحمي لهذه المقاومة، إذ اعتمد الميدان على وجدان الجماهير الحي واستعدادها المستمر للدفاع عن حلم الجمهورية الجديدة الذي تبلور أثناء الثمانية عشر يومًا، وظل هذا الوجدان يغذي تلقائيًا روح المقاومة والاستبسال، بالرغم من مئات الشهداء الذين سقطوا تحت رصاص الجيش والشرطة. فكانت ملحمة «محمد محمود» وملحمة مجلس الوزراء، وغيرها. وبذلك أصبح الميدان أكثر من حيز مكاني تحتله القوى الثورية بين الحين والآخر، أصبح ضميرًا جماهيريًا كامنًا في نفس كل من اشترك في الثورة، يثبت العزائم ويولد المبادرات المتتالية في مواجهة الجيش والشرطة والإخوان. ولا تقتصر هذه المبادرات على الساحة السياسية القومية بالميدان، بل انتشرت بأشكال عدة في آلاف الأحياء والقرى. حيث بادر السكان بخلق لجان شعبية، أي «سلطات مضادة» تفرض على السلطة المركزية حلولًا للقضايا المحلية الملحّة. ووصلت أحيانًا هذه المبادرات إلى إشعال نار الثورة في المنطقة المحيطة، مثلما حدث في مدينة الضبعة غرب الإسكندرية، وفي قرية متاخمة لدمياط، وقرية تحسين في وجه بحري… إلخ.

ومن ناحية أخرى قامت في كافة أنحاء الجمهورية إضرابات واعتصامات في المصانع، والمصالح العامة والجامعات. حيث استوحى المضربون من روح التحرير فكرة إنهاء السلطوية الأبوية والقمعية المنتشرة في أماكن العمل. ففي 18 فبراير اجتمعت القيادات العمالية لـ36 مصنعًا للمطالبة بحل النقابات الرسمية وإقالة أصحاب العمل الفاسدين، وتكوين نقابات مستقلة، ورفع بعدئذ اتحاد النقابات المستقلة – الذي ضم أكثر من مليون ونصف عضو – شعارًا انتشر في عدد عظيم من المصانع، شعار «التطهير» أي إلغاء تقاليد الاستبداد القائم في كافة الإدارات والنقابات على الأوامر التعسفية وتغلغل الفساد والمحسوبية والكبت. وتحت هذا الشعار، قامت اضطرابات ضخمة في وزارة الطيران المدني في مطار القاهرة، وفي السكك الحديدية، وفي جامعات القاهرة، والمنصورة، وأسيوط، والإسكندرية. قامت اعتصامات تطالب بحل مكاتب أمن الدولة، فانتشر هذا المطلب على خطوط النقل العام بالقاهرة، ومصلحة البريد وعدة مستشفيات. وقام 500 ألف مدرس بإضراب عام حتى إقالة وزير التربية.

إلا أن كافة هذه المبادرات المنبثقة من روح التحرير والمجسمة للوجدان الثوري الجديد، لم تجد الفرصة التاريخية لنسج كيان سياسي وتنظيمي جديد، ينسق بين هذه المبادرات ويخطط لمشروع متكامل طويل المدى تلتحم من خلاله حركة الفئات المتقدمة من الشباب ومن العمال ومن المهن الحرة، فتشكل قطبًا سياسيًا يوازي قطبي الثورة المضادة. لذلك إذ كسب الميدان القدرة على نزع شرعية حكام لم يعد يرضى عنهم، لم يكتسب بعد القدرة على فرض نظام حكم يرضى عنه، يستجيب لأمانيه. فقد استطاع الميدان نزع شرعية مبارك ثم شرعية طنطاوي ثم شرعية مرسي٬ إلا أن السيسي في النهاية قد وجد الظروف المواتية للانقضاض على السلطة ومحاصرة الميدان وإسكات صوته، فكيف حدث ذلك؟ ببساطة لأن المؤسسة العسكرية – بعد أن أصبح السيسي على رأسها في 12 أغسطس – قد اختارت أن تترك لمكتب الإرشاد الفرصة كاملة لحكم الشعب المصري، مع قناعة أكيدة أن الشعب سيقوم بعزلهم والتظاهر ضدهم، ليظهر الجيش حين ذاك في صورة المنقذ الوحيد من حكمهم.

والذي حدث فعلًا أن مكتب الارشاد لجماعة الإخوان قد حدد للرئيس مرسي مساره السياسي في اخونة الدولة، وفرض المفاهيم الإخوانية على مؤسساتها، مع اعتبار وصولهم للسلطة ورأسها هو منحة إلهية، وبداية لعصر التمكين المبشر به. وهو نهاية لكل العصور السابقة التي نشأت فيها أفكار الحداثة والعلمانية الدخيلة من الغرب، مع حتمية الرجوع لبناء الدولة اللاهوتية بمفهومها الإخواني. بالتأكيد ومباشرة مثلت تلك السياسات تناقضات مع فئات مختلفة داخل مؤسسات الدولة وحتى خارجها، وبدأت بالمواجهة مع المؤسسة القضائية. فمنذ اليوم الأول لصعود الإخوان إلى السلطة وضعت المحكمة الدستورية العليا نفسها فوق السلطات. فقد كان تململ القضاة واضحًا من تلك العلاقة المشبوهة بين الجيش والإخوان منذ البداية، ولا يرجع ذلك الإحساس ثوري لدى القضاة، وإنما يرجع لتربيتهم داخل المؤسسات القضائية الحديثة ذات الطبيعة البيروقراطية الملتزمة بالإجراءات.

وبذلك لعبت المحكمة الدستورية العليا دور الخصم المباشر لجماعة الإخوان. إلا أن الرئيس مرسي اتخذ إجراءات مضادة، مقيلًا للنائب العام – بالرغم عدم صلاحيته لاتخاذ مثل ذلك القرار – وشجع على مظاهرات حاشدة حاصرت فيها جموع الإخوان ومناصريهم مبنى المحكمة العليا، رافعة شعارات تندد بالقضاة وتتوعدهم. وهنا قررت المحكمة الدستورية العليا ومحكمة النقض ومحكمة الاستئناف الإضراب العام، كما أعلنت المحكمة العليا عن عزمها حل اللجنة التأسيسية للدستور في 30 نوفمبر، وهي اللجنة التي كانت تعقد جلساتها في البرلمان، ولم يتبق منها في ذلك الوقت إلا أعضاؤها من المنتمين للإخوان وأنصارهم وبعض من السلفيين بعد استقالة بقية الاعضاء. وهنا اتخذ مرسي قراره المشئوم بإعلان دستوري في يوم 22 نوفمبر، والذي نص في مواده على هيمنة السلطة الرئاسية على كافة سلطات الدولة، ولا ترد قراراتها، وأن يحتفظ الرئيس بكل تلك الصلاحيات وغيرها حتى صدور الدستور الجديد. وأصبح الضغط هائلًا على اللجنة الدستورية لإنجاز دستور مبني على الشريعة وبأسرع وقت قبل الموعد الذي حددته المحكمة العليا لحل اللجنة. وقد خرجت اللجنة بالدستور الجديد في ليلة 30 نوفمبر ومقررة أن يطرح للاستفتاء العام بعد أسبوعين فقط.

وصل الوضع إذًا إلى درجة مقلقة داخل التيار الثوري؛ مما أدى لتكوين جبهة الإنقاذ القومي والتي ضمت شخصيات عامة ليبرالية ويسارية وتيارات أخرى. كانت تلك التيارات منقسمة على نفسها وبلا اتفاق واضح في كيفية التعامل مع الاستفتاء على الدستور الجديد. إلا أن الحراك الجماهيري كان قد بدأ في التصاعد، وفي الواقع فإن المظاهرات الشعبية بدأت في وقت مبكر منذ 23 أغسطس عندما كان مرسي قد أصدر قوانين تحد من حرية الصحافة، وقبل أن تحتدم المواجهة مع القضاة. وفي 12 أكتوبر حدثت مواجهات مباشرة في شارع طلعت حرب وسط العاصمة بين النشطاء والإخوان. إلا أن المظاهرات قد وصلت مداها ابتداءً من 19 نوفمبر، عندما قررت المجموعات الثورية الرئيسة (6 أبريل، والاشتراكيين الثوريين، والألتراس، وعائلات الشهداء) الاحتفال بالذكرى الأولى لأحداث «محمد محمود»، وقد بدأ سقوط القتلى في اليوم الأول من الحشد.

في 22 نوفمبر، بعد الإعلان الدستوري، اتسعت رقعة المظاهرات. وفي 30 نوفمبر، بعد صدور مشروع الدستور الجديد، تجمع مئات الآلاف في ميدان التحرير ضد المشروع. لتحتدم المواجهات ويسقط أول الشهداء في عهد الإخوان محمد جابر الشهير بـ«جيكا»، ويزداد الاحتقان الشعبي ضد الإخوان. وبكشف حساب مختصر خلال أسبوعين من المواجهات، فقد سقط 40 قتيلًا وأصيب المئات.

وفي الخامس من ديسمبر بدأت المظاهرات التي تطالب بتأجيل موعد الاستفتاء متوجهة إلى القصر الجمهوري، لتحدث المواجهات بين المتظاهرين وأعضاء الإخوان الذين احتشدوا عند القصر الرئاسي. وقد وصلت حصيلة ذلك اليوم فقط إلى 10 قتلى و700 جريح وقد تعرض العديد منهم للخطف والاعتقال والتعذيب في غرف احتجاز أعدها الإخوان في أسوار القصر.

ومع كل ذلك لم يتراجع الإخوان، وتم تمرير الدستور بعد تصويت 32٪ من عدد الناخبين، أي ثلثهم، وقد وافق 63٪ من هذا الثلث على الدستور. أي أن الدستور قد تم تمريره بأقل من ربع الناخبين، بينما لا يحمل أي دستور شرعيته إلا إذا وافق عليه أكثر من نصف عدد الناخبين الكلي. وفي 24 و25 يناير خرجت مظاهرات ضخمة للاحتفال بالذكرى الثانية لثورة يناير، حيث تبلور شعور عام بأن الإخوان يحأولون القيام بانقلاب دستوري، وانهم باقون في السلطة بحكم من الله وليس باختيار من الشعب. وفي ذلك اليوم قامت مجموعات من المتظاهرين في عدة مناطق في البلاد بمهاجمة مقرات الإخوان ومحاولة حرقها. وأدت المواجهات في محافظات القناة إلى سقوط العشرات من القتلى ومئات الجرحى في السويس والاسماعيلية، أما في بورسعيد فقد خرجت مظاهرات حاشدة بعد صدور حكم بالإعدام على 21 من أعضاء الألتراس لنادي المصري البورسعيدي، لتنتهي مواجهات تلك المدينة بعد سقوط 30 قتيلًا و300 جريح. وبالرغم من استعداد الشرطة للقمع، إلا أن الجيش ظل محايدًا بدرجة ما، حتى أنه أثناء حظر التجول الذي فرضه مرسي على مدن القناة، نظم الأهالي مباريات ودية لكرة القدم في الأحياء شارك فيها ضباط وجنود الجيش كفرق منافسة.

هنا تدخل السيسي لأول مرة معلنًا أن الوحدة الوطنية في خطر، مطالبًا الجميع بالرجوع لتكوين جبهة وطنية واسعة حتى لا يتفكك الوطن. وفي هذه اللحظة طالبت جبهة الانقاذ بتكوين حكومة إنقاذ وطني، وحتى حزب النور ذو التوجه السلفي أعلن انضمامه لهذه المعرضة. لتتآكد بذلك عزلة الإخوان بشكل واضح، ويتصاعد الشعور العام بأن البلاد تدخل في منزلق سياسي لا عودة منه، حتى أن شيخ الأزهر قد دق ناقوس الخطر محذرًا من براعم حرب أهلية.

كانت آخر مبادرة للميدان هي حركة تمرد، التي جمعت ملايين التوقيعات على عريضة تطالب بإعادة انتخابات رئاسية، بسبب أن الرئيس مرسي قد خان عهده بالشعب المصري. وبعد رفض مرسي لأي تنازل، بات الصدام حتميا بين الشعب والإخوان. فكانت فرصة الجيش التاريخية، لفرض معادلة سياسية جديدة تسمح له بالانفراد بالسلطة. فبعد أن دعم السيسي وأجهزة الدولة والأحزاب حركة تمرد، وبعد أن تأكدت عظمة المظاهرات التي اندلعت يوم 30 يونيو، وجّه في أول يوليو انذارا لمرسي، فإذا لم يستجب الرئيس لمطالب الشعب فسوف يتدخل الجيش بورقة عمل تغير قواعد اللعبة السياسية، اكتسب السيسي بذلك بين يوم وليلة شعبية عارمة. إذ فهمت الجماهير أن الجيش قد تخلى عن الإخوان. وفي يوم 3 يوليو أعلن السيسي عزل مرسي وإيقاف العمل بالدستور، وفتح مرحلة سياسية انتقالية تحت رئاسة رئيس المحكمة الدستورية الشكلية. اندلعت في نفس الليلة أكبر مظاهرة تشهدها مصر، ضمت ما يقرب من 20 مليون شخص في كافة مدن الجمهورية. واذ اكدت هذه المظاهرة عزلة الإخوان في البلاد، أظهرت ساحة سياسية متغيرة. فلم تعد تقتصر الميادين على العناصر الثورية المندفعة بروح الحرية ورفض السلطوية، بل ضمت عندئذ وبأعداد أكبر، عناصر غير ثورية، عناصر رجعية موالية للجيش والشرطة والقضاء والبرجوازية، وحتى لفلول النظام السابق. تجمع كل هؤلاء في آن واحد، لفظهم لحكم الإخوان ورفضهم لروح الميدان.

استطاع السيسي أن يستنفر تيارا شعبيا جارفا، جند فيه جماهير 3 يوليو ضد عدو واحد «الإرهاب»، وبقيادة زعيم واحد هو الذي يجسد محاربة الإرهاب، طالب السيسي الشعب العودة إلى الميادين في يوم 26 يوليو لتوكيله مهمة «محاربة الإرهاب المحتمل». وبدأت أجهزة الاعلام تركز على ضرورة أن تتراجع القوى الثورية وتستسلم لضرورة الوحدة الوطنية ضد الإرهاب. وبذلك أفلت زمام المبادرة من الثوار، وأخذ السيسي في إعادة إحكام القبضة القمعية في البلاد على مرحلتين.

أما المرحلة الأولى، فهدفت إلى إعادة بناء شرعية الجهاز القمعي، بدأً بمجزرة رابعة العدوية في 13 أغسطس، استغلت فيها السلطة دعم بعض الشخصيات المدنية العامة المرتبكة داخل الحكومة. ظل النشطاء في هذه المرحلة مقيدي اليدين، ليس فقط لأن هناك فعلًا تيارًا شعبيًا جارفًا يعادي الإخوان، بل لأن النظام الانتقالي الجديد اجتهد في تطبيق «الوجه الديمقراطي» لبرنامجه، وأساسًا لمناقشة دستور جديد، بمساهمة كافة أطراف 30 يونيو بما فيهم عناصر ساهمت في حركة تمرد وممثلين لكافة الأحزاب الموجودة بالساحة. وشغلت جلسات لجنة الخمسين حيزًا أساسيًا في أجهزة الاعلام وتعليقات الصحف. إلا أن السيسي كان يمهد للمرحلة الثانية التي هدفت لسن قوانين تلغي أهم مكسب أحرزه ميدان التحرير، وهو حق التظاهر، كحق شعبي طبيعي. صدر في 24 نوفمبر قانون ينظم الحق في الاجتماعات العامة والمظاهرات، ويخضع هذا الحق لسلطة وزارة الداخلية التعسفية. كان ذلك بمثابة إعلان الحرب على روح التحرير، ولم يكن بعد ذلك من الممكن للثوار أن يظلوا مكتوفي الأيدي. بدؤا بانتقاد القانون، ثم تحدوه بالنزول إلى الشوارع، لتبدأ عمليات التنكيل تنهال عليهم.

خرج الدستور الجديد للاستفتاء، في يومي 14 و15 يناير 2014، لتأكيد «شرعية ثورة 30 يونيو». وعندئذ بدأت أجهزة الإعلام من بين أعداء هذه الشرعية، ليس الإخوان فقط، بل النشطاء الثوريين أيضًا. بذلك اكتمل مشروع الثورة المضادة، وبدأت عملية إقامة ديكتاتورية عسكرية من نوع جديد.

الفصل الثاني: الثورة القادمة ضد النظام الحالي

الباب الأول: تشخيص النظام الحالي
يمكن تلخيص مشروع النخبة العسكرية بعد أن انفردت بالسلطة في إنهاء الاستطراد الكابوسي الذي مثلته لهم ثورة 25 يناير، والعمل على سد كافة الثغرات السياسية والأمنية والقضائية التي يمكن أن يتسرب منها حراك شعبي. بعبارة أخرى، هدف هذه النخبة هو إعادة هيمنة الدولة هيمنة كاملة على المجتمع. لقد رأينا هذه الظاهرة تتكرر في الماضي، إلا أنها تكتسب اليوم سمة خطيرة تميزها عما حدث في الماضي. فالحكام الذين فرضوا هيمنة كاملة للدولة على المجتمع كانوا حكاما يتمتعون بشرعية ما، حكامًا مسلمين يتمتعون بشرعية لاهوتية (السلطان أو الخديوي)، أو حكامًا مصريين يتمتعون بشرعية مزدوجة وطنية ولاهوتية (عبد الناصر، والسادات، ومبارك)، وإن كانت هذه الشرعية أخذت تضعف على مر السنين.

أما نظام السيسي فلم يتمتع بأي درجة من الشرعية. حقا تأسس على شعبية واسعة، ناتجة عن احتوائه للحركة الشعبية المعادية للإخوان، ثم الدعاية للحرب على الإرهاب، الذي أصبح الإخوان يمثلونه (بناءً على تركيز الإعلام الرسمي على هذه الصورة، والتي اكد عليها الإخوان ومناصريهم في اعتصام رابعة). ولكن سرعان ما تلاشت هذه الشعبية بعد اختفاء الإخوان من الساحة، وهبوط الإرهاب إلى ظاهرة ثانوية في نظر عامة الجماهير. إذ احتلت ظاهرة أخرى محل الصدارة، وهي الهوة المتزايدة بين المحكومين والحكام، على الصعيدين الاقتصادي والسياسي. أدت الإجراءات الاقتصادية التي كان يطالب بها صندوق النقد الدولي إلى رفع التضخم بمعدلات لم يسبق لها مثيل وقبلتها السلطة. فأصبح الشغل الشاغل اليومي للطبقات الشعبية هو مواجهة مستويات لا تحتمل من فقر مضني. بينما تنتشر مظاهر الرفاهية والبذخ والفساد عند النخب العسكرية، وطبقة ضيقة جدا من كبار الأغنياء.

على رأس السلطة يوجد حاكم دكتاتوري، لم تعد له أي شرعية. فتتسم سياسته الخارجية بخيانة ابسط المصالح الوطنية٬ إذ بنيَ ثبات نظامه على كونه في الواقع مستندا لمظلة حماية أمريكية إسرائيلية في المنطقة. أما سياساته الاقتصادية، فتٌصرف المليارات على مشاريع فرعونية، وبناء قصور فآخرة. هذا مع العلم أن تلك المليارات تأتي من قروض خارجية من السعودية أو الإمارات أو الصين اضافة إلى البنك الدولي. مما يعمق مديونية الدولة بمعدلات مذهلة. من هنا هبوط مصر من دولة كانت لها الكلمة العليا في العالم العربي، إلى دولة من الدرجة الثانية، تزن كلمة رئيسها أقل من كلمة الامير محمد بن سلمان، والأمير محمد بن زايد. وكانت قمة المهانة التي بلورت هذا السقوط، هي قرار السيسي بتسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية. مما سبب سخطًا شعبيًا واسعًا، لم يجد السيسي لمواجهته إلا سلاحه الأوحد، آخراس الاصوات المعأرضة، وترهيب الاصوات الأخرى. يمكننا هنا القول إن السيسي هو أول حاكم استبدادي في العصر الحديث، أي أول حاكم لا يتمتع بأي شرعية لارتكاز حكمه أساسًا على القمع.

إذ إن ركيزة النظام ليست داخلية فقط، بل خارجية إلى حد كبير، ذلك نتيجة لاحتلال مصر مكانة إستراتيجية خاصة في البنية الرأسمالية العالمية. ترجع هذه المكانة إلى كونها قاعدة أساسية لضمان الحضور الغربي في المنطقة، وعلى الأخص ضمان النفوذ الأمريكي في السعودية والإمارات، وضمان الاستقرار الأمني الإسرائيلي. لذلك يحصل النظام بانتظام على المساعدات والقروض السخية من السعودية والإمارات، ويعتمد على دعم دبلوماسي غربي ودعم أمني إسرائيلي.

من هنا الفارق الرئيس بين الجهاز السياسي لهذا النظام والجهاز السياسي لنظام عبد الناصر في الخمسينات المبني على شرعية. فقد اختار عبد الناصر بنيَة الحزب الواحد الذي تغيرت أسماؤه وآلياته عبر السنين. ولكن ظلت وظيفته الحفاظ على حياة سياسية رأسية محكومة من القمة، تمنع المبادرات التحتية، ولكنها تسمح للرئيس بجس نبض المجتمع، ومتابعة تغيرات المزاج العام. مما يمكنه باتخاذ قرارات تتوائم مع بعض أماني الشعب، فتؤمن الولاء الوجداني الذي يربط بين المحكومين و«قائدهم الملهم». إلا أن هذا النظام السياسي يفترض حكمًا يمارس خطًا مرضيًا للجماهير. أما السيسي فلا يملك مثل هذا السلاح. ومن ثم فإنه يمكن تلخيص البنية السياسية لنظامه في مبدأ واحد، منع أي حياة سياسية حقيقية. فالأحزاب ومجلسي البرلمان لا وجود لهم في الوجدان الشعبي. الهدف هو منع الجماهير من الدخول في الساحة السياسية، بل منعها من مجرد التفكير في السياسة، وبذلك فرض نظام يقوم على قرارات تنفذ بلا تفكير، على أمر من فوق، وطاعة من تحت.

يفترض هذا الشكل من الهيمنة على المجتمع قبضة قمعية تكبس على أنفاس المحكومين، متضمنًا جهازًا أمنيًا لا يرحم، ولا يتردد في ارتكاب أبشع الجرائم. وأيضًا جهازًا قضائيًا تحول لخادم ذليل لجهاز الأمن. هذا من جانب القبضة القمعية المباشرة. أما القبضة التي تدار بها الشئون السياسية والاقتصادية، فتؤول إلى الجيش. يحل هنا الجيش دور الحزب الواحد، مع الفارق أن الحزب الواحد يعتمد بالضرورة على خطاب أيديولوجي وسياسي، بينما يعتمد الجيش المصري على نظام الأمر والطاعة المرتكز على الخوف. وكرس الدستور الأخير هذا الدور، بتوكيل الجيش مهمة لم تسبقه فيها الدساتير السابقة. فلا يكتفي الجيش بفرض رقابته على كافة أجهزة الدولة الأخرى، إنما له الوصاية على المجتمع ككل، باعتباره حاميًا لمصالحه العليا. ويعني ذلك أن سيادة البلاد انتقلت دستوريًا من الشعب إلى الجيش. بما أن الجيش لم يعد يتمتع بأي شرعية وطنية، وبما أنه أصبح مسئولًا مباشرًا أمام الجماهير عن الهوة الاجتماعية والاقتصادية التي تعزل النخب من الغالبية العظمى من الشعب٬ يصبح التناقض بين المحكومين والحكام تناقضًا أساسيًا. تكمن المصلحة الأساسية للغالبية العظمى من الشعب في الإطاحة بهذه النخبة واستعادة سيادتها المسلوبة.

الباب الثاني: أفق المد الثوري المقبل
لا تمثل نخبة كبار ضباط الجيش وكبار رجال الأعمال الذين يشكلون طبقة الحكام أكثر من 5% من سكان مصر. أما بقية السكان الذين ينتمون إلى المحكومين، ينقسمون إلى فئتين رئيسيتين؛ نصفهم تقريبا ينتمون إلى الطبقات الوسطى والكادحة التي يتراوح مستوى معيشتها بين الحد الأدنى من اليسر إلى الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة. ونصفهم الآخر ينتمون إلى المعدمين الذين يعيشون يوما بيوم تحت مستوى عتبة الفقر التي حددتها الأمم المتحدة بدولارين في اليوم. إذًا فلا يجد المحكومين الذين يمثلون السواد الأعظم من المجتمع المصري أية مصلحة في بقاء النظام الحالي. بل تتطلب مصالحهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والوطنية القضاء عليه. حقا تمر الجماهير اليوم بمرحلة جزر وإحباط ناتجة عن نجاح الانقلاب العسكري، إلا أنها سوف تعود بالضرورة أن أجلًا أم عاجلًا إلى مرحلة جديدة من المد والاندفاع، تعبر فيها بأشكال عديدة وقوة متزايدة عن أمانيها في التغيير الثوري.

هدف هذه الفرضية هو تسليح الأذهان فكريًا للمساهمة في إنجاح مرحلة المد المقبلة. أو بعبارة أخرى المساهمة في بلورة قطب ثوري يمَكن الجماهير من القفز بين ما حققته ثورة يناير وما لم تحققه بعد. أي القفز من قدرة الجماهير التلقائية على تحطيم قدسية الحاكم ونزع شرعية السلطوية الأبوية إلى بناء قدرة اعظم، هي قدرة الجماهير المنظمة على فرض نظام جديد مبني على علاقة ثقة عضوية بين الشعب وممثليه. فيصبح هؤلاء مجرد وكلاء مؤقتين للشعب، ينبثقون من صفوفه، ويظلون تحت رقابته ويحاسبون ويعاقبون من قبله.

يفترض تحقيق هذا الهدف بناء القطب الموحد قوميا، الذي لم يتح لنشطاء ثورة يناير الفرصة التاريخية لبنائه، وهو القطب الذي يضم كافة الفئات المتقدمة من الشعب، أي الفئات ذات الوعي المواطني المرهف في صفوف الشباب والمثقفين والعمال والفلاحين والمهن الحرة والموظفين. تكون الصفة الجوهرية لهذا القطب، صفة الثورية، إذ لا يمكن أن ينشأ ويثبت وجوده ويفرض حضوره على الساحة السياسية إلا من خلال معارك ضارية ذات طابع جذري في مواجهة حكم لا يرحم، ودولة قمعية إجرامية. فلا يضع هذا القطب أي امل في طريق الإصلاح التدريجي.

ويمكن إكمال تشخيص القطب الثوري بصفتين تلخصان هدفيه الرئيسيين، هما المواطنة (الهادفة إلى إسقاط الحكم الاستبدادي وبناء مجتمع يحقق لجميع المواطنين الحرية والمساواة)، والعلمانية (الهادفة إلى تخطي اللاهوتية في الحياة السياسية). ولنعرف باختصار مفهومي المواطنة والعلمانية. تستجيب المواطنة لطموح عارم في المجتمع المصري الحالي، طموح اشخاص ناضجين فرديا ومستقلين ذاتيا، مسئولين عن أنفسهم في حياتهم الخاصة، فيتطلعون إلى أن يصبحوا مسؤولين جماعيا عن شئون البلاد، مع التمتع بالحقوق والحريات التي تميز المواطنة الحديثة. إذ لم تعد علاقة المواطن بوطنه مشروطة بولائه لحاكم ملهم يجسد في شخصه وحدة الوطن. تصبح علاقة كل مواطن بوطنه علاقة عضوية مباشرة، يشعر من خلالها بانتمائه الطبيعي بأرض مصر، كوريث لتاريخها ،وحام لمستقبلها وترابها. مما لا يعني بأي شكل من الأشكال اعتبار مصر معزولة عن بقية العالم، أو وضعها الشوفيني فوق الآخرين، بل يتسع حب مصر تلقائيا للتضامن مع بقية الشعوب العربية، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، وينفتح بالضرورة إلى التجارب الثورية في العالم أجمع. كما تقوم علاقة المواطنين ببعضهم البعض على مبدأ المساواة في الحقوق بين المنتمين إلى الأديان من مسلمين ومسيحيين وغيرهم، وغير المنتمين لأي دين، أي الملحدين. والمساواة في الحقوق بين الرجال والنساء داخل الأسرة كما في حكم البلاد، على كافة درجات المسؤولية السياسية والاقتصادية والإدارية. هذا مع حفظ كافة حقوق الأقليات في التعبير عن رأيها، من الأقليات السياسية إلى الاقليات العرقية والدينية والاقليمية وغيرها.

أما العلمانية، فتقوم كما ذكرنا من قبل على مبدأين يشكلان معا أساس النظرة الحديثة للعالم. مبدأ الفصل بين الذاتية الإنسانية والإرادة الإلهية، ومبدأ تحرر الفرد من الوصاية الأبوية المرتبطة بالجماعة التقليدية. يشكل تبني هذه النظرة للعالم شرطا ضروريا لإنشاء مجتمع يقوم على المساواة الحقة بين كافة المواطنين، مع عدم التمييز بين معتقداتهم الدينية، وبين الرجل والمراة. وغني عن القول أن العلمانية لا تحارب الأديان السماوية أو غيرها، إنها تفصل بين الدين والدولة، بين الإيمان والسياسة. ولكنها تحمي حرية المواطن في أن يؤمن أو لا يؤمن، وأن يمارس كافة طقوس الدين الذي يؤمن به. والإيمان يمت إلى الضمير الإنساني، وهو عقد لا ينتهك بين الفرد وخالقه. لا تتدخل الدولة العلمانية في إيمان المواطن، كما لا يتدخل إيمان المواطن في شأن الدولة العلمانية

يعتبر تكوين القطب الثوري – مع تاكيد صفته العلمانية – ضرورة ملحة لإخراج الشعب المصري من المأزق التاريخي الذي تسبب في تحطيم انطلاقاته السابقة، ويهدد كافة انطلاقاته المقبلة، وهو الخيار الإجباري المسموم بين الجيش والإخوان، أو بين الديكتاتورية العسكرية والديكتاتورية اللاهوتية. أما في السنين المقبلة فالصورة الملموسة التي ستفرض نفسها على الساحة الجماهيرية، هي صورة وجود التيار العلماني والتيار اللاهوتي معًا في مواجهة السلطة الحالية، إذ تستهدف المرحلة الثورية المقبلة إسقاط النظام العسكري البوليسي المهيمن حاليًا على المجتمع. سوف يجد القطب العلماني ضرورة العمل مع تيار أو تيارات لاهوتية تضم العناصر المنبثقة من أزمة الإخوان، من قيادات قديمة إلى أجيال جديدة. عندئذ يجب أن يكون القطب العلماني مسلحًا فكريًا وتنظيميًا لتأكيد استقلاليته، وتعميق جذوره الجماهيرية، وإملاء شروطه في أي مفاوضات وداخل أي تحالفات مع التيارات اللاهوتية.

لن يتشكل القطب الثوري المواطني (العلماني)، إلا إذا غرس جذوره في بؤر المد الجماهيري التلقائي المقبل، في جميع صورها السياسية والاقتصادية والوطنية والنقابية، المحلية والقومية. ثم إذا استطاع أن يصيغ أشكالا مبتكره للتوفيق بين ضرورة حماية التلقائية الجماهيرية وضرورة التنسيق بين كافة المبادرات الشعبية المحلية على النطاق القومي. والتخطيط للقفز الناجح بين كل مرحلة والمرحلة التالية من الثورة، مما يفترض بناء علاقات جديدة ذات طبيعة وثيقة عضوية بين القواعد الجماهيرية والقيادات الثورية.

من أجل تأسيس هذا القطب، وتثبيت اقدامه، وتأكيد حضوره القيادي في الساحة الجماهيرية، وجب التركيز على النقاط التالية المستخلصة من ثورة 25 يناير:

● أولًا: ستظهر معالم المد الثوري المقبل في مبادرات جماهيرية تلقائية. أي مبادرات لا تستجيب لنداء حزب أو زعيم، بل تنبع من طفرة جديدة في الوجدان الشعبي، تعبر عن استعداد أصيل للتمرد في بؤر وقطاعات معينة من المجتمع، فلا يعلم أحد مقدما متى وأين يتبلور هذا الاستعداد. إلا أن التيار الثوري الناشئ لن ينمو ولن يقوى إلا إذا تواجد في هذه البؤر والقطاعات ومد جذوره فيها، متماهيًا مع هذا الاستعداد الأصيل للتمرد. فمن الضروري أن يظل في حالة استماع واستعداد، في حالة دائمة لجس النبض الجماهيري، والاستجابة للآمال المطروحة، والمساهمة في خدمة أهدافها.

يجدر بنا التأكيد أن التلقائية الجماهيرية لا تعني بأي حال من الأحوال تصرف أجوف، أو اندفاع غير مسؤول. فلا تتمرد الجماهير – بكل ما يتضمنه التمرد من مخاطر – إلا إذا كان بإحساسها بالضرورة القصوى للدفاع عن مصالح تعتبرها أساسية. ويتضمن هذا الموقف التلقائي دروسًا مستوحاة من المعارك السابقة، وحكمة نابعة من هذه الدروس. أي صورة من صور الوعي الكامن في الذاكرة الجماهيرية. وإن كان في أحيان كثيرة لم يتبلور هذا الوعي في صيغ متكاملة أو في نصوص متماسكة. فمن واجبات النشطاء المثقفين المنتمين للتيار الثوري أن يساهموا في بلورة هذا الوعي.

● ثانيًا: في جميع الاحوال ستواجه السلطة كافة بؤر التمرد وكافة أشكال الإضرابات والاعتصامات بالقمع السافر. لذلك سيحأول التيار الثوري على قدر انتشاره ونفوذه تشجيع المبادرات، المبادرات المحسوبة لكي تفاجئ السلطات وتأخذها على غرة، وتحقق مكسبًا شعبيًا مهمًا كان محدودًا. يعتبر المكسب هدف جوهري لأنه يزيد ثقة المتمردين في انفسهم ويؤكد عزيمتهم ويشجع الآخرين على التحرك بدورهم. يمكن أن تكون المكاسب ثابتة أو مؤقتة، سياسية أو اقتصادية أو حتى رمزية، إلا أنها تصب كلها في اتجاه توسيع وتدعيم رقعة الحراك الثوري.

● ثالثا: سوف تمتد بالضرورة مرحلة المد المقبلة لسنوات طويلة، تمر بفترات تتغير فيها علاقات القوى بين المحكومين والحكام، ويتبدل إيقاع الأحداث، وتنقلب الأولويات. لذلك فلابد عن طرح المعضلة التي واجهتها ثورة يناير ولم تستطع حلها، إلا وهي معضلة الربط بين التلقائية والتنظيم، أو بين احترام الحكمة التلقائية للجماهير وضرورة أن تتجسد القيادة النابعة من هذه الجماهير، وقادرة على التنسيق والتخطيط. التنسيق هو التوفيق بين أهداف البؤر والقطاعات الثورية المتناثرة، لكي يرتفع المستوى المحلي للحراك للمستوى القومي. أما التخطيط فهو العمل على استباق الأحداث والاستعداد للتغييرات في الموقف السياسي الاجتماعي بحيث لا تصدم الجماهير أمام هذه التغييرات، بل تستوعبها بسرعة وتُحكم أهدافها الجديدة وفقًا لها.

تختلف طبيعة القيادة القومية عن قيادة التيارات التي تتبلور في الاعتصامات والمظاهرات أو في التحركات المحلية٬ إذ تظل بالضرورة هذه الأخيرة ملتحمة عضويا بالحركة الجماهيرية. أما القيادة القومية فيجب أن تظل متصلة بالنبض الجماهيري، ولكن باندماج أقل عمقًا في المعارك المحلية، وافق أوسع يسمح لها بالتنسيق والتخطيط. وكما أثبتت كافة التجارب الحزبية من قبل، يتضمن هذا الموقف خطرًا مؤكدًا، وهو خطر الانفصال عن الجماهير والتحول إلى قيادة بيروقراطية، تصبح إن عاجلًا أو آجلًا معادية للحراك الجماهيري الحر. هذا هو الفخ الذي وقعت فيه الأحزاب الثورية التقليدية، ويقع على عاتق التيار الثوري أن يتجنبها، وأن يبتدع حلول خلاقة تسمح له بالربط بين احترام الحكمة التلقائية للجماهير وبين ضرورة التنسيق والتخطيط على النطاق القومي، وعلى المدى الطويل.

● رابعًا: إلا أنه توجد صعوبات جمة في تحقيق الربط بين أهداف الفئات الاجتماعية المختلفة من الشعب. فمن ناحية تعمل السلطات المعادية بشكل مستمر على عزل هذه الفئات عن بعضها البعض، وإقامة الحواجز بينها وإثارة الشكوك والريب بينها بهدف تعجيز الشعب وشل قدرته على توحيد صفوفه ككيان متماسك وفعال على النطاق القومي. ومن ناحية أخرى فالمطالب التي تبرر وتغذي المبادرات الثورية لها خصوصيتها المحلية ونبرتها المتميزة النابعة من تاريخ المنطقة أو المهنة، وتخضع لأولويات تعبر عن علاقة القوى الآنية على أرض كل معركة. لذلك نجد شعارات تختلف من المصنع إلى المكتب، ومن الجامعة المعتصمة إلى الحي المتمرد. كيف يعمل التيار الثوري على ألا يتحول هذا التنوع في الأولويات المحلية إلى تناقضات في صفوف الشعب على النطاق القومي؟ بإكتشاف الأبعاد المشتركة الكأمنة في الشعارات المختلفة وصياغة الأهداف الموحدة التي تسمح بتخطي البعد المحلي والارتفاع إلى المستوى القومي.

لنتذكر أن ثورة يناير قد نجحت في إيجاد الهدف المشترك الذي أدى إلى توحيد الصفوف حتى إسقاط مبارك، ألا وهو هدف إسقاط السلطوية الأبوية الذي انعكست أصداؤه من الميدان إلى المصانع والجامعات والأحياء. إلا أن هذه الوحدة الجوهرية في الهدف، لم تكن كافية لتخطي الحواجز والشكوك المتأصلة منذ النظام الناصري، ولم تسمح بتحقيق رابط تنظيمي على النطاق القومي. فكان العسكر والإخوان أسرع واكفأ من النشطاء والقيادات العمالية المحلية، فوقعت فريسة لمؤامرة الثورة المضادة بعد سقوط مبارك. يقع على عاتق التيار الثوري في المرحلة القادمة إلا تتكرر هذه المأساة، وأن يظل واعيًا لضرورة التنسيق بين المحلي والقومي كواجب أساسي من واجباته.

● خامسًا: إلا أن واجب الربط بين المحلي والقومي لن يكفي لتثبيت وتعميق الجذور الجماهيرية للقطب الثوري، فعليه أن يربط أيضًا بين المدى القصير والمدى الطويل، أي أن يؤكد قدرته ليس فقط على التنسيق بين المبادرات الشعبية في إطار زمني واحد، ولكن ايضا التخطيط بناءً على استباق التغيرات التي لابد عن حدوثها على مر السنين، إذ تتعاقب الفترات وتنقلب الظروف من فترة إلى أخرى. فعلى سبيل المثال، هل يمكن أن يصبح الميدان مرة أخرى هو المركز الذي يوحد بين المبادرات المحيطة؟ ربما كان ذلك الاحتمال ضعيفًا لفترة طويلة، إذ تستعد السلطة العسكرية والبوليسية لمنع هذا التحدي الرمزي، ولو بإغراق الميدان في حمام من الدم. وماذا عن شعار القضاء على السلطوية الأبوية؟. أغلب الظن انه قد استنفذ غرضه التاريخي، إذ تحطمت هذه السلطوية في نفوس الجزء الأكبر من الجماهير. ربما ظهر في السنين المقبلة شعار بديل من شأنه أن يوحد أوسع الصفوف، وهو شعار القضاء على عسكرة المجتمع والرجوع إلى مجتمع مدني يستعيد فيه الشعب سيأدته المسلوبة. وماذا عن احتمال أن ينحط الحكم المصري الحالي بدرجة جديدة من الخيانة الوطنية، فيستسلم للضغوط الأمريكية والإسرائيلية، أو لضغوط السعودية والإمارات، فيقبل بخيانة نهائية للقضية الفلسطينية في شكل ضم رسمي للجزء الأكبر من الضفة الغربية لإسرائيل. أو يقبل بالتخلي الرسمي عن السيادة المصرية في سيناء مثلا…الخ. عندئذ يمكن أن يصبح الشعار الرئيسي ضد الحكم، هو شعار إدانته بالخيانة الوطنية. أخيرا، فلا يستبعد احتمال انقلاب عسكري يطيح بالسيسي فيغير شكل الحكم الحالي دون تغيير مضمونه الاستبدادي. يجب أن يستعد القطب الثوري لمختلف التغيرات الممكنة، وأن يتنبأ بالتحولات المحتملة ليُعد الجماهير لمواجهتها في أفضل الظروف.

● سادسًا: يجب أن يكون هناك تحديد دقيق لمعنى الديمقراطية في الأفق الثوري المصري. كيف يمكن تشخيص المكتسبات الشعبية الأولية أو مساحات الحرية التي ستحققها الجماهير مع اندلاع المد الثوري المقبل (من فرض المظاهرات والإضرابات، أو تكوين قواعد سياسية أو نقابية غير رسمية… إلخ)؟يمكن تشخيصها بالطبع بمكاسب ديمقراطية. إلا أنها لا تعد لبنات تدريجية في طريق بناء نظام ديمقراطي تدريجي (كما عرفته الدول الأوروبية بدأْ من القرن الثأمن عشر). لأن السلطة الاستبدادية المعتمدة على البنية الرأسمالية التابعة الطفيلية لن تتحمل ذلك وسوف تستميت في محاربتها. يجب اعتبار هذه الخطوات والانتصارات منتزعة ثوريًا وغير ثابتة، أي عرضة للانتكاس في حالة تدهور ميزان القوى السياسية. فهي لبنات في طريق تقوية القطب الثوري وتازم النظام القائم، لا أكثر ولا أقل. يجب أن لا ننسى درس ثورة يناير الأكثر قسوة، عندما انقلب ميزان القوى السياسي في 30 يونيو 2013، خسرت الثورة كافة المساحات الديمقراطية التي بنتها على مدى العقد الأول من القرن الجديد.

● سابعًا: ولكن هناك معضلة أكثر خطورة ستواجه الثورة عندما تستعيد المبادرة من جديد وتحقق مساحات ديمقراطية، تؤدي إلى تأزم جزئي للنظام (من خلال انقلاب أو تحت ضغوط خارجية… إلخ) فيتقبل مؤقتًا ميزان القوى الجديد. سوف يلجأ عندئذ كما لجأ النظام منذ 12 فبراير 2011 إلى الشعار التقليدي، استبدال شرعية الميدان بشرعية الصندوق، فيجب أن نعي خطورة هذا الشعار، إذ يعني باختصار، رفع علم الاقتراع الشعبي ضد الثورة الشعبية. نواجه هنا مفارقة موضوعية (وليس تناقضًا مصطنعًا)، إذ يقوم الاقتراع الشعبي على المساواة في الحقوق السياسية بين كافة المواطنين البالغين سن الرشد. لكل مواطن صوت يساوي صوت أي مواطن آخر. إلا أنه يوجد في المجتمع المصري نصف الناخبين الذين لا يستطيعون تكوين رأي مستقل، بسبب انعدام الحد الأدنى من المعلومات المفيدة على الساحة السياسية، ونتيجة لوقوعهم تحت تأثير الأعيان والبيروقراطية في الريف، وأصحاب العمل وذوي النفوذ في المدينة… إلخ. تكمن المفارقة الخطيرة في أن القوة المعادية للثورة تريد حسبان أصوات هؤلاء في حالتهم الحالية، أي في حالة التبعية الاقتصادية والوجدانية، التي تجعل منهم بالضرورة قوى محافظة تضمن استمرارية النظام الاستغلالي. أما الثوار فيريدون أن يضمنوا الظروف الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية التي تسمح لكافة هؤلاء بإبداء رأي مستقل واع، مستند على الحد الأدنى من المعلومات الصحيحة عن القضايا الأساسية المطروحة أمامهم.

لنتذكر ما حدث في استفتاء مارس 2011، ثم في الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي أتت بأغلبية للأحزاب اللاهوتية، الإخوان والسلفيين، وقضت في النهاية على الثورة. ولنرجع هنا إلى المفهوم المبدع الذي صاغته الثورة السودانية الأخيرة لحل هذه المفارقة. فهي الثورة العربية الوحيدة التي واجهت المؤسسة العسكرية والتيارات اللاهوتية بقوة ثورية منظمة، تشكل قطبًا موحدًا إلى حد كبير على النطاق القومي. لذلك استطاعت أن تحيد التيارات اللاهوتية، وأن تفرض على المؤسسة العسكرية اقتسامًا مؤقتًا للسلطة. عندئذ رفضت الاقتراع الشعبي الفوري، وصاغت مفهوم المرحلة الانتقالية التي تسعى فيها إلى إحداث التغيرات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية اللأزمة لتشجيع أوسع الجماهير على المشاركة في النشاط السياسي، وتسليحها بالخبرة اللأزمة والمعلومات الكافية لكي تكوِن رأيًا حرًا، وتدلي بصوت مستقل في الانتخابات المقبلة.

في الختام، يجدر بنا أن نؤكد ما نعنيه بثورة شعبية. لا يثور أي شعب في مجمله ولا حتى أغلبيته، الذين يثورون، مثلهم في مصر مثل الثوار في جميع أنحاء العالم، يشكلون أقلية (تتراوح ما بين 10-15٪ من السكان)، ويتميزون عن بقية أفراد الشعب بدرجة نضجهم السياسي. فهم الذين اكتسبوا استقلاليتهم الذاتية في مواجهة السلطة، وبلوروا وعيًا متماسكًا بمصالحهم، فأصبحوا قادرين على اتخاذ مبادرات حرة ضد هذه السلطة من أجل انتزاع حرياتهم وحقوقهم. يشكلون بذلك طليعة شعبية تعبر عن مطامح الشعب كله بينما يظل بقية الشعب – أي أغلبيته – مبعدًا عن ساحة العمل السياسي وعاجزًا عن اتخاذ مبادرات حرة.

إذًا فتشكل الأغلبية قوة قصور ذاتي، وتعد في أحوال الركود السياسي كاحتياطي طبيعي للطبقة الحاكمة، إذ تتقبل طغيانها كأمر طبيعي، فتلعب دون وعي دورًا سياسيًا رجعيًا يتناقض مع مصالحها الأصيلة. إلا أن الأمر يتحول كيفيًا عندما تثور الفئات الطليعية، وتنجح في شل قدرة السلطة على المبادرة، فتحدث تغييرا أساسيا في علاقة القوى بين المحكومين والحكام. عندئذ ترتبك الأغلبية الشعبية وتفقد بصلتها. يميل جزء منها إلى التعاطف مع الطليعة، والجزء الآخر، إذ يظل راكدًا، يتحول موضوعيًا إلى احتياطي لها. هكذا تتراصف الأحداث في اتجاه المطامح الأصيلة للشعب، فكافة المكاسب السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تحققها الطليعة، هي مكاسب للشعب كله. بذلك نستطيع أن نقول إن اللحظات الثورية هي اللحظات التي يتجسد فيها الشعب كفاعل جماعي يتحرك من أجل تحقيق مصالحه، وإن كان هذا التحرك على درجات مختلفة من الوعي ومن الفاعلية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد