كتب أستاذ العلوم السياسية في جامعة كمبريدج ها-جون تشانج في 23 يوليو 2007 مقالة في جريدة The Independent البريطانية بعنوان: “سياسة الحماية، الحقيقة على ورقة ال10 دولارات”.

يقول كاتب المقال:

لدي طفل عمره 6 سنوات، و أنا أتولى جميع مصاريفه بالرغم من أنه قادر على العمل والكسب، مثله مثل الملايين من الأطفال في مثل سنه ممن يعملون في الدول الفقيرة.

يحتاج ابنيإلى مواجهة المنافسة ليصبح شخصًا أفضل وأكثر إنتاجية. و كلما كانت المنافسة أكبر وكلما كان التعرض لها مبكرًا، كان ذلك أفضل لمستقبله. لذلك يجب علي أن أجعله يترك المدرسة ويبحث عن عمل.”

ثم يعقب الكاتب قائلا إن البعض سيقول أن هذا جنون وقسوة على الطفل. سيقولون أن إدخاله إلى سوق العمل في هذه السن قد يجعل منه ماسح أحذية متميزًا أو بائعًا متجولًا ناجحًا، و لكنه أبدًا لن يصبح جراحًا أو عالم فيزياء نووية. سيقولون أيضًاإنه من الناحية المادية البحتة، فإنه من الحكمة الاستثمار في تعليمه وجني أرباح هذا الاستثمار في المستقبل.

يضيف الكاتب أن هذا المنطق الغريب هو نفس المنطق الذي يستخدمه منظرو اقتصاد السوق الحر لتبرير تحرير التجارة بشكل سريع وواسع وتطبيق سياسات “الانفتاح الاقتصادي” في الدول النامية. يدعي هولاء المنظرون أن المنتجين في الدول النامية يحتاجون إلى أقصى قدر ممكن من المنافسة ليكون لديهم أقصى حافز لزيادة الإنتاجية. ويدعون أنه كلما كان التعرض للمنافسة أسرع كلما كان ذلك أفضل للتنمية الاقتصادية.

و لكن، كما أن الأطفال يحتاجون إلى الرعاية لكي يتمكنوا من المنافسة في الوظائف ذات العائد الكبير، فإن الصناعات في الدول النامية تحتاج إلىوقاية من المنتجين الأجانب الأكثر تطورًا حتى تكبر. تحتاج هذه الصناعات إلى الحماية والدعم الحكومي وأنواع المساعدة الأخرى حتى يتمكنوا من إتقان التكنولوجيا المتطورة وبناء مؤسسات فاعلة.

يقول الكاتب أن هذه النظرية تسمى “نظرية الصناعات الوليدة”. وما هو غير مشهور هو أن واضع هذه النظرية هو أليكساندر هاملتون، أول وزير اقتصاد (سكرتير المالية) للولايات المتحدة الأمريكية والذي توجد صورته على ورقة ال10 دولارات.

في البداية لم يقتنع بنظرية هاملتون إلا القليل من الأمريكيين، ذلك لأن آدم سميث أحد مؤسسي علم الاقتصاد كان قد حذَّر من قبل من رعاية الصناعات التي لا تنشأ بشكل طبيعي. و لكن مع الوقت بدأ الناس في الاقتناع بنظرية هاملتون، واتجهت الولايات المتحدة إلى سياسية حماية الصناعات المحلية وذلك بعد الحرب الأمريكية البريطانية في عام 1812. و مع حلول عام 1830 أصبحت التعريفة الجمركية الصناعية في أمريكا الأعلى في العالم بمعدلات من 40 إلى 50 %، و بقيت هذه المعدلات حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

يضيف الكاتب أن الولايات المتحدة قد تكون أول من اخترع نظرية حماية الصناعات الوليدة، و لكن ممارسة هذه السياسة بدأت قبل ذلك بكثير. أول قصة نجاح كبيرة لهذه السياسة كانت لبريطانيا التي من المفترض أنها منشأ الاقتصاد الحر. يرى الكاتب أن برنامج هاملتون الاقتصادي كان أغلبه نسخة من برنامج روبرت والبول للتنمية الصناعية في عام 1721 والذى نجح نجاحًا باهرًا. اعتمد هذا البرنامج على معدلات مرتفعة من التعريفات الجمركية ودعم الصناعات المحلية وأدى ذلك إلى صعود بريطانيا إلى مكانتها الاقتصادية.

كانت الولايات المتحدة و بريطانيا أكثر الدول تحمسًا لاستخدام التعريفات الجمركية وأكثرهم نجاحًا في الاستفادة منها، ولكنهما لم يكونا وحدهما. أغلب الدول الغنية في وقتنا الحالي استخدمت التعريفات الجمركية لفترات طويلة لحماية صناعاتها الوليدة. والكثير منهم استخدم إلى جانب ذلك الدعم الحكومي والمؤسسات القومية لتشجيع الصناعات الجديدة. على سبيل المثال فإن اليابان و دول أوروبا أعطت الكثير من الدعم الحكومي للصناعات الإستراتيجية، والولايات المتحدة صاحبة أكبر نسبة من الدعم الحكوميفي مجال البحث والتطوير العلميفي العالم، وسنغافورة لديها واحدة من أكبر شركات القطاع العام في العالم و تنتج حوالى 30% من الدخل القومي لسنغافورة. إلى جانب ذلك فإن شركات القطاع العام لعبت دورًا محوريًا في كل من فرنسا وفنلندا والنمسا والنرويج وتايوان.

و يضيف الكاتب أن أغلب الدول الغنية في الوقت الحالي قد وضعت قيودًا على الاستثمار الأجنبي عندما أرادت حماية صناعاتها الوليدة. ففي القرن التاسع عشر وضعت الولايات المتحدة قيودًا على الاستثمار الأجنبيفي مجال البنوك والنقل البحري والتعدين وقطع الأشجار. أما كوريا واليابان فقد وضعوا قيودًا صارمة على الاستثمار الأجنبيفي مجال الصناعة. وفي فنلندا فإن كل الشركات التي يمتلك الأجانب أكثر من 20% منها صنفت على أنها “شركات خطيرة” وذلك طوال الفترة من ثلاثينات إلى ثمانينات القرن العشرين.

تعد هولندا وسويسرا استثناءًفي هذا المجال، حيث أنهم مارسوا التجارة الحرة ولم يفرضوا قيودًا جمركية أو يقيدوا الاستثمار الأجنبي. ولكنهم في نفس الوقت رفضوا وضع أي حماية لبراءات الاختراع حتى بدايات القرن العشرين. ولم يكن ذلك غريبًا بالكلية، ففي القرن التاسع عشر كانت أغلب الدول تسمح بشكل صريح بتسجيل براءات لاختراعات مستوردة وكان من بين هذه الدول بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. وقد رفضت الولايات المتحدة توفير حماية لحقوق النشر للأجانب وذلك حتى عام 1891. وكانت ألمانيا في القرن التاسع عشر تنتج كميات ضخمة من السلع المزيفة وتبيعها على أنها مصنوعة في بريطانيا.

وبالرغم من كل ذلك، فإن الدول الغنية دأبت من ثمانينات القرن العشرين على فرض سياسات على الدول النامية تمثل تمامًا عكس السياسات التي استخدمتها في السابق. هذه الدول التي تعارض استخدام التعريفات الجمركية والدعم الحكومي للصناعات ووضع قيود على الاستثمارات الأجنبية وعدم حماية الملكية الفكرية مثلما كانت تفعل في الماضى، فإنها تقوم بدفع السلم الذي صعدت عليه إلى الأعلى.

“ولكن ألم تجرب الدول النامية سياسة الحماية من قبل، وأدت إلى فشل ذريع؟” يعقب الكاتب قائلا أن هذه هي إحدى الأساطير الشائعة. والحقيقة أنه في فترة الستينات والسبعينات من القرن العشرين، حققت الدول النامية تحت سياسات الحماية معدلات نمو أكبر بكثير من الفترات اللاحقة بعد أن رفعت الحماية وحررت التجارة.

يشير الكاتب بعد ذلك إلى أن معدلات النمو وصلت إلىأدنى حدودها في أمريكا اللاتينية وأفريقيا السوداء، وهي أكثر الأماكن تطبيقًا لل”إصلاحات” النيوليبرالية. قبل تطبيق هذه السياسات، كان متوسط دخل الفرد في أمريكا اللاتينية ينمو بمعدل 3.1 في المائة سنويًا. ولكن بعد تطبيق تلك ال”إصلاحات”، تدنى النمو إلى 0.5 في المائة. وكذلك في أفريقيا السوداء، حيث زاد متوسط دخل الفرد في الفترة من الستينات إلى الثمانينات بنسبة 1.6 في المائة سنويًا، ومنذ ذلك الوقت فإن متوسط دخل الفرد ينقص بمعدل 0.3 في المائة سنويًا.

يؤكد الكاتب بعد ذلك أن تاريخ الدول الغنية والتجارب الحالية للدول النامية توصلان إلى نفس النتيجة. التنمية الاقتصادية تتطلب تعرفيات جمركية وقيودًا على الاستثمار الأجنبي وقوانين تسمح بتجاوز حقوق الملكية الفكريةإلى جانب سياسات أخرى تساعد المنتجين على إحداث تراكم في القدرات الإنتاجية. وبالتالي، فإن الساحة الدولية ينبغي أن تميل في صالح الدول الفقيرة بالسماح لهم بحرية استخدام تلك السياسات.

يختم الكاتب المقالة بالتأكيد على أن إمالة الساحة هو ليس فقط من قبيل تطبيق العدالة، ولكنه يساعد الدول الفقيرة على النمو بشكل أسرع. وبما أن النمو الأسرع في الدول الفقيرة يعني زيادة في التجارة وفرص الاستثمار، فإن ذلك سيصب في النهاية في صالح الدول الغنية أيضًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد