عبد القادر بن مسعود
عبد القادر بن مسعود

10,082

تعيش الجزائر صيفًا ساخنًا على وقع الاحتجاجات المستمرة التي شهدتها عدّة محافظات جزائرية، لكن ما ميّز هذه الاحتجاجات هو الأسلوب الجديد الذي استخدمه المتظاهرون لإيصال مطالبهم؛ إذ توجّهت أصوات المحتجّين نحو الحفلات والنشاطات الثقافية في المحافظات التي تنفق عليها أموالًا طائلة من الخزانة العموميّة، حسب المحتجّين.

كما قام المتظاهرون بالصلاة جماعةً أمام أماكن تنظيم هذه السهرات والحفلات، إضافةً إلى رفع مطالب اجتماعية واقتصادية، وهو ما أثار جدلًا كبيرًا في الجزائر؛ إذ اعتبر البعض هذه الاحتجاجات رفضًا للفن والثقافة. وتكرّرت مشاهد الاحتجاجات تلك من مدينة ورقلة إلى محافظة الوادي بالجنوب، وصولًا إلى محافظة سيدي بلعباس. في الأسطر التالية نحاول معرفة حقيقة الاحتجاجات الأخيرة بالجزائر.

صيف الجزائر الساخن.. مهرجانات وحفلات في عز الأزمة الاقتصادية

مع دخول كل صيف، تعكف وزارة الثقافة الجزائرية كل سنة على تنظيم عشرات المهرجانات والحفلات الغنائية فيما تسميه إحياء حفلات صيف الجزائر الفنية، ورغم الأزمة الاقتصاديّة التي تشهدها البلاد وحالة التقشف التي أعقبت انخفاض أسعار البترول، إلّا أن وزارة الثقافة الجزائرية حافظت على برامجها الثقافية السنوية، خصوصًا في فصل الصيف، فطوال صيف الجزائر الممتد على ثلاثة أشهر تتوزع عشرات المهرجانات والسهرات الفنية بميزانيات معتبرة. وفي الوقت الذي عدّدت فيه وزارة الثقافة عبر موقعها الالكتروني 34 مهرجانًا ثقافيًا تشرف على تنظيمه، تتحدث أوساطٌ فنية عن أكثر من 170 تظاهرة فنية، تنفَقُ فيها أموالٌ طائلة وسط اتهامات متلاحقة لقطاع الثقافة بتبذير المال العام.

مهرجان تيمقاد الدولي

ويشتهر صيف الجزائر بإحياء أربعة مهرجانات ثقافية شهيرة هي «مهرجان تيمقاد الدولي» الذي تحتضنه محافظة باتنة بالشرق الجزائري، والذي أسدل الستار عنه أواخر يوليو (تموز) الماضي، والذي شهد مشاركة 26 مطربًا جزائريًّا، وبعد أن أوصى وزير الثقافة الجزائري نور الدين ميهوبي بأن تصرف ميزانيته بـ80% للمشاركة الجزائرية، و20% للمشاركة الأجنبية، وغير بعيدٍ عن مهرجان تيمقاد، يصدح مهرجان عربيٌّ آخر بمدينة «جميلة» الأثرية بمحافظة سطيف. ولا تقلّ ميزانية «مهرجان جميلة» عن تيمقاد؛ إذ تتحدث بعض الأرقام إلى وصول ميزانيته إلى 4 مليار سم تمنحها وزارة الثقافة، إضافة إلى مساهمة القطاع الخاص، سيتسلمها المطربون طيلة الليالي الخمس للمهرجان، وإلى العاصمة الجزائر، حيث تشتهر بإحياء «ليالي الكازيف» الغنائية، والتي لا تقل ميزانيتها عن المهرجانات السابقة.

ومن العاصمة إلى أقصى غرب الجزائر، تستمر المهرجانات في رسم واقع الثقافة الجزائرية، لنصل إلى «مهرجان الفيلم العربي» الذي تنظمه محافظة وهران ويشارك فيه نجوم السينما العرب، والذي اختتمت وقائع النسخة 11 منه، التي عقدت في الفترة بين 25 و31 يوليو الماضي، وعرف مشاركة 38 فيلمًا من 13 دولة عربية، وبلغت ميزانيته 40 مليون دينار جزائري منحتها وزارة الثقافة الجزائرية، إضافةً إلى مساهمة القطاع الخاص التي لم يعلن عن قيمتها بعد.

جديرٌ بالذكر أن قطاع الثقافة في الجزائر رصد له ميزانية 15 مليار دينار لسنة 2018؛ وهي ميزانية ضخمة إذا علم أنها تفوق ميزانيات ثلاثة وزارة مجتمعة، كما أنها تقترب إلى حدٍ كبيرٍ من ميزانية وزارة السكن التي تصل ميزانيتها إلى 16.6 مليار سم.

«خليه يغني وحده».. حملة الجزائريين لمقاطعة المهرجانات الموسيقية

أمام الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه الجزائر نتيجة انخفاض أسعار النفط، انطلقت احتجاجات شعبيّة ضد صرف الأموال العموميّة في المهرجانات والأنشطة الفنيّة التي تموّل من الخزينة العموميّة، من خلال هاشتاج #خليه_يغني_وحدو، أي – اتركه يغني وحده – للدعوة إلى مقاطعة الحفلات الغنائية المنظّمة من طرف السلطات العمومية، انتقادًا منهم لطرق صرف الأموال العمومية في الحفلات والمهرجانات الثقافية.

لقيت مبادرة مقاطعة الحفلات الغنائية جدلًا واسعًا، بعد منع المئات من سكان محافظة ورقلة في الجنوب الجزائري وإحدى أغنى المناطق الجزائرية بالنفط، مساء الخميس 26 يوليو الماضي، إقامة حفلٍ فني بوسط المدينة في إطار تظاهرة فنية حملت عنوان «لنفرح جزائريًا». ودعا السكان المحتجون إلى تحسين ظروف معيشتهم، بدلًا عن إقامة المهرجانات التي يرونها إهدارًا للمال العام، كما لم يكتف المحتجون بالوقوف أمام الحفل المزمع تنظيمه في المسرح الولائي؛ إذ وقفوا في الساحة المقابلة لمكان إقامة الحفل، وأقاموا صلاة العشاء جماعةً، ورفعوا بعدها شعارات مطالبة بخفض فواتير الكهرباء التي يعاني سكّان الجنوب من ارتفاعها في فصل الصيف بسبب الحرارة، بالإضافة إلى مطالب تنموية أخرى، وسط حضور أمني مكثّف.

المحتجون أمام مكان تنظيم حفلٍ غنائي بورقلة

وتنتقل موجة الاحتجاج هاته إلى محافظة سيدي بلعباس (غرب الجزائر)، حيث كان يستعدّ المسؤولون بالمحافظة لإقامة الطبعة العاشرة لـ«مهرجان أغنية الراي» ليتفاجأوا بخروج المئات من سكان المدينة، للاحتجاج على إقامة المهرجان رافعين مطالب اجتماعية واقتصادية، ويعيدوا الصلاة جماعةً أمام مكان إقامة المهرجان؛ ما اضطر المسؤولين إلى إلغاء المهرجان.

أمّا في مدينة تبسة الواقعة بالشرق الجزائري، فتفاجأت مجموعة من منظمي حفلٍ غنائي من احتجاج سكان المدينة الذين ألغوا الحفل، بعدما اشتكوا من الأصوات الصاخبة الناتجة عنه، وأمام تصاعد الضغط الشعبي ألغي حفلٌ آخرٌ كان مزمعًا تنظيمه في محافظة الوادي الجزائرية، بعد أن خرج المحتجون للمطالبة بإلغائه، لتصل موجة الإلغاء التي عصفت بالحفلات والمهرجانات الغنائية إلى محافظة بجاية التي تنظم سنويًا «مهرجان الأغنية القبائلية»؛ ليلغى الأخير من طرف رئيس البلدية بحجة التنمية الغائبة في المدينة، ثم يرجع عن قراره بعد تعرّضه لضغوطات حزبية، ويعلن عن تأجيله إلى أجل غير معلوم.

الجزيرة – الجزائر الوزير الأول يقول إن الاحتجاجات ضد إقامة الحفلات الغنائية في كل من ورقلة وسيدي بلعباس مرفوضة، مضيفا أن الاحتجاج بالمنع قد يؤدي إلى السجن في بعض البلدان

Geplaatst door ‎الجزيرة – الجزائر‎ op Maandag 6 augustus 2018

جديرٌ بالذكر أنّ الحكومة الجزائرية ردت على الاحتجاجات الأخيرة على لسان وزير الداخلية والجماعات المحلية نور الدين بدوي مؤكدًا بأن «الدولة لن تتسامح مع من يريد العبث باستقرارها وأمنها »، مضيفًا بأن «على أولئك الذين يريدون أن يقتاتوا من يوميات المواطن عشية كل استحقاق سياسي، مغردين خارج السرب، أن يعوا بأن المواطن الجزائري لا يختبر في حب وطنه ودعمه الكامل واللامشروط لأمن واستقرار بلده والتفافه حول جيشه». أمّا وزير الثقافة الجزائري فاستغرب مقاطعة واحتجاج المواطنين على إقامة الحفلات والتظاهرات الثقافية، معتبرًا أن بعض المناطق عبر الوطن في حاجة إلى فعاليات ثقافية.

احتجاجات ضد الفن.. أم ضدّ إهدار المال العام؟

وأمام هذا الأسلوب الجديد في الاحتجاج، سارعت السلطة وبعض الشخصيات اليسارية في اتهام المحتجين بالتطرف، وبرفض الفن والثقافة عن طريق العنف والشغب. البداية كانت مع الوزير الأوّل أحمد أويحي الذي قال عن الاحتجاجات الأخيرة: «الشغب ليس حلًا للمشاكل». وأضاف أويحي: «لنا مشاكل البطالة من بلدية عين قزام إلى بلدية حسين داي، ولا نعتقد أن البطالة حجّة لعدد من الشباب لكي يحرموا المواطنين في ولاية ورقلة من حفل ثقافي». من جهتها وصفت الأمينة العامة لحزب العمال لويزة حنون المحتجين على الحفلات الفنية بإقامة الصلاة بـ«الظلاميين» وقالت: «إن الوضع أشبه إلى حدٍ كبيرٍ بما وقع سنة 1990»، في إشارة منها إلى الفترة التي سبقت العشرية السوداء.

وكانت الإعلامية الجزائرية حدّة حزام من بين أبرز المنتقدين للمحتجين عندما قالت: «الصلاة التي قام بها المحتجون في ورقلة أمام مكان الحفل هي عرقلة للطريق». وأضافت: «ما حصل من احتجاجات ضد حفلات الغناء، والصلاة في الطريق، ظاهرة لا تقل خطورة عن الفكر الذي أوصل الجزائر للعشرية السوداء، ويجب محاربتها».

وكانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد وصفت سلوك المحتجين بورقلة بأنه «سلوك حضاري راق جدًا»، وأضافت الجمعية، في منشور لها بصفحتها الرسمية على «فيسبوك»: «كل التقدير والإجلال نرفعه إلى الشرفاء الأحرار، أهل ورقلة، وكذا قوات الأمن، على السلوك الحضاري الراقي في التعبير عن رفض هذا الحفل الغنائي الماجن، دون مساس بالأمن بالعام، ولا اعتداء على الممتلكات».

ورقلة " تفرح " كل الجزائريين !=========== في سلوك حضاري راق جدا تم إلغاء حفلة غنائية بشعار سخيف جدا عنوانه " لنفرح…

Geplaatst door ‎جمعية العلماء المسلمين الجزائريين‎ op Vrijdag 27 juli 2018

وفي سياق الحديث أكّد «عبد الملك ايباك» أحد النشطاء الشباب في محافظة ورقلة في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ «الاحتجاجات في الجنوب الجزائري أصبحت أمرًا عاديًّا في السنوات الأخيرة، ومطالب المتظاهرين متكررة في وقتٍ تعجز فيه السلطة عن إيجاد حلول». وعن الاتهامات الموجهة للمحتجين قال إيباك: «من يريد ربط تلك الاحتجاجات برفض الفن والثقافة أحزاب سياسية موالية للسلطة، تسعى لخلق الفوضى في الشارع، لكنهم سيفشلون في مسعاهم؛ لأن الشباب أثبت أنه واعٍ، وأثبت أيضًا أنه على أتمّ الاستعداد للتضحية في سبيل أمنه وأمن البلاد».

 أمّا الناشط الإعلامي العيد بن علي، ففي حديثه مع «ساسة بوست» اعتبر أنّ قطاع الثقافة أصبح «سجينًا لفصيل لا علاقة له بالثقافة الجزائرية الإسلامية، ثقافة لا تمثل الجزائري، ولا تعبر عن أصالته وانتمائه المغاربي العربي، لذلك الاحتجاجات الأخيرة كشفت حقد هذا الفصيل على كل ما له علاقة بالأخلاق والتحضر؛ إذ تم وصف المحتجين بالمتطرفين والمشاغبين».

من جهته اعتبر الفنان التشكيلي الطاهر جحيش في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ «الاحتجاجات الأخيرة هي قضية وعي جماهيري كبير، نتيجة للتردي الفظيع للأوضاع السياسية والاقتصادية، خصوصًا قضية الكوكايين الأخيرة التي كشفت انحطاطًا أخلاقيًا لدى السلطة؛ عجلت بالاحتجاجات الأخيرة».

أمّا الناشط الثقافي عباس بن مسعود، فاعتبر في حديثه مع «ساسة بوست» أنّ مشكلة التنمية مطلب ليس بجديد، سواءً بحفلٍ أو بدونه، مضيفًا أن الاحتجاجات الأخيرة التي مست قطاع الثقافة جاءت بغير ترخيص، والمحتجون للأسف ذهبوا إلى النقطة الأضعف عند أناسٍ يسترزقون بفنّهم، ومعتبرًا في الأخير أن المحتجين بالخصوص، والشعب الجزائري، لا يرفضون الفن إطلاقًا.