في يوم 15 أبريل (نيسان) 2016، شهدت مصر احتجاجات يمكن وصفها بـ«غير المسبوقة»، منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الحكم. إذ شارك الآلاف في احتجاجات شعبية رافضةً لإقرار مصر بتبعية جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، ومُطالبةً بإسقاط النظام ورحيل السيسي.

وشغلت الاحتجاجات الصحف العالمية، رغم التجاهل النسبي لبعض وسائل الإعلام المصرية والعربية. الصحف العالمية، وصفتها بأنها أول موجة احتجاجات «كبيرة» في الشوارع، منذ وصول السيسي للحكم، ودفعت الولايات المتحدة للإفصاح ببيان رسمي، أكدت فيه متابعتها الوضع بـ«عناية».

من جانب آخر، احتل وسم (هاشتاج) #جمعة_الأرض الخاص بالاحتجاجات، صدارة ترتيب الوسوم على موقع التدوينات القصيرة «تويتر»، ليس فقط في مصر وفي عدد من الدول العربية، وإنما على مستوى العالم بعدد تدوينات تخطى في بعض الأحيان 300 ألف تغريدة.

وشاركتْ في الاحتجاجات قوى شعبية وسياسية مختلفة. كما ردد المشاركون هتافات موحدة، بعضها يرجع إلى ثورة 25 يناير. وكان من أبرز الهتافات: «عواد باع أرضه»، و«ارحل»، و«الشعب يريد إسقاط النظام»، و«يسقط يسقط حكم العسكر»، رافعين لافتات كتب عليها: «مصر مش للبيع» و«القرار بيد الشعب» و«عواد باع  أرضه».

وواجهت قوات الأمن الاحتجاجات بالغاز المسيل للدموع، وألقت القبض على عشرات المحتجين، قبل أن تطلق سراح بعضهم وتُبقي آخرين، بين معتقل ومختفٍ قسريًّا.  ومع حلول الساعات الأولى من مساء الجمعة، بدأ المحتجون بالانصراف، ودعت قوى سياسية لاستكمال التظاهرات، في 25 أبريل (نيسان) القادم، الموافق ذكرى تحرير سيناء.

تمكن «ساسة بوست» من التحدث مع عدد من المشاركين والمشاركات في الاحتجاجات، هؤلاء الذين قرروا النزول إلى الشارع مع ما في ذلك من تهديدات أمنية. تحدثوا عن المخاطر التي تعرضوا لها، والآمال التي لمستهم.

عندما وقفت المدرعة بجانبنا!

رغم معارضة أهلها وخوفهم عليها، قررت سارة (27 عامًا) المشاركة في الاحتجاجات، «أيًا كانت المخاطر». اعتبرت سارة أن النزول فرض عين «على من يخاف على أرضه، ويريد الحرية». شاركت سارة في التظاهرات التي انطلقت من شارع مصطفى محمود في منطقة المهندسين بالجيزة، وقد أسعدها كثيرًا عدد المتظاهرين، لكن سعادتها لم تدم طويلًا حين هاجمت قوات الأمن التظاهرة بالقنابل المسيلة للدموع وبالخرطوش، مُلقيةً القبض على عدد من المتظاهرين.

«ركضنا، لكن كانت المدرعة قد توقفت بجانبنا، فأدركنا أننا سنُعتقل». حاولت سارة الهروب إلى أحد الشوارع الجانبية، قبل أن تختبئ، هي ومن معها، في بدروم إحدى العمارات، حتى هدأت الأمور في الخارج.

بعد ذلك اتجهت سارة إلى التظاهرة أمام نقابة الصحافيين. «حاوطتني كل المشاعر الإيجابية: أمل وسعادة، واستعادة لذكريات ثورة يناير. شعرت أننا عدنا من جديد لاسترداد ثورتنا»، تروي سارة، التي تفاجأت من أن بقية المواطنين ممن لم يُشاركوا في التظاهرات، لم يتعرضوا للمتظاهرين بأي أذى.

صاحب الكشك يُوزّع المياه على المتظاهرين

سبقت سارة إلى نقابة الصحفيين، لمياء (23 سنة)، والتي وصلت إلى النقابة الواحدة ظهرًا، وحينها كانت الأعداد أقل، قبل أن تنضم مسيرات أخرى إلى التظاهرة، قدّرت لمياء أعداد المشاركين فيها بسبعة آلاف. «الخوف انكسر. لم يُفكر المشاركون في مدرعات أو رشاشات، كان كل همهم أن يعود لهم حقّهم»، تقول لمياء، التي أكدت على أنّ التظاهرة خلت من أي شعار حزبي، كل الهتافات والشعارات ركّزت على قضية «الأرض»، وكذا المعتقلين.

بجوار نقابة الصحافيين، هناك شارع شامبليون المشهور بكثرة الورش الصناعية فيه. تقول لمياء إن أصحاب الورش ما بين مرحبين، ومحايدين، بل إن صاحب أحد الأكشاك وزّع المياه على المتظاهرين، مجانيًا، أو «على حساب الثورة»، كما كان يُنادي.

«الشعب يُؤيد الاحتجاجات»

في وقت متأخر من «جمعة الأرض»، وبعد تقلص أعداد المتظاهرين، وبدء الشرطة في مطاردتهم، شارك سيّد (وهو اسم مُستعار)، في تظاهرة كانت في محيط منطقة العتبة، بالقرب من دار القضاء العالي، وعلى مسافة ليست بالبعيدة من نقابة الصحافيين.

يروي سيّد (25 عامًا)، لـ«ساسة بوست»، عن المشاعر المُختلطة التي انتابته لمشاركته في التظاهرة، ما بين الخوف إما من الاعتقال أو الإصابة، وبين الأمل والفرحة، لـ«القدرة على الهتاف في أماكن كانت ممنوعة». يُضيف سيد: «في البداية لم يكن أحدٌ قادرًا على انتقاد السيسي وسط تجمع بسيط من الناس في الشارع. الآن أصبح سكان منطقة وسط البلد في القاهرة، يستمعون للهتافات المناهضة للسيسي، وما يُخالطها من سباب له، وكثير منهم مُؤيد لها».

بين نشوة الحاضر ومخاطر المستقبل

«منذ اللحظة الأولى  للاحتجاجات، تشعر أنك بين أهلك وناسك، وفي بيتك، بين كل المصريين الوطنيين»، هكذا أعرب عن مشاعره، الباحث المتخصص في الشأن القومي العربي، محمد سيف الدولة. كان شعورًا «رائعًا» الذي أحسه سيف الدولة، كما أخبرنا، حين شارك في تظاهرة نقابة الصحافيين: «شعورٌ بقوة لا متناهية، تمدك بها حرارة آلاف المشاركين، وزئير هتافاتهم، وشجاعتها، ووضوحها، ووطنيتها».

في حديثه لـ«ساسة بوست»، قال سيف الدولة إن القضايا الوطنية هي أوّل ما يُحرك الناس، لافتًا إلى أنّ الحضور كان «أكثر من المتوقع، وسط أغلبية عُظمى من الشباب». وفيما يخص الاتفاقية التي أفضت إلى تنازل مصر عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية، وصفها سيف الدولة بـ«الفضيحة التي جردت مصر من سلاح هام وخطير، يتمثل في قدرتها على إغلاق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية في وقت الحرب، وفي التلويح به من باب الردع في وقت السلم»، على حد تعبيره.

ومع التفاؤل الذي أبداه سيف الدولة، وفخره بالمشاركة في تظاهرات جمعة الأرض، عبّر الرجل عن قلقه أيضًا من المُستقبل، مع بروز أسئلة مُلحة مثل «ماذا بعد؟»، و«ما هي الخطوة التالية؟»، و«كيف نُحافظ على هذه الحالة الوطنية الثورية، ولا نسمح لها أن تخبو؟»، و«ما هي الخطط المقابلة من السلطة لإجهاض هذه الحركة الجديدة؟».

عرض التعليقات
تحميل المزيد