في غضون ثلاث جلسات فقط، أصبحت البورصة المصرية أكبر أسواق المال الخاسرة خلال 2019، مدفوعة بمخاوف وقلق من المتعاملين، وخاصة الأفراد، بعد احتجاجات الجمعة الماضية في القاهرة وعدة مدن أخرى. ومع أن أعداد المتظاهرين لم تكن ضخمة، أو كانت محدودة بشكل ما، فإن البورصة المصرية تأثرت تأثرًا يمكن القول إنه مبالغ فيه.

ففي أول جلسات خلال هذا الأسبوع كانت البورصة على موعد مع وقف التداول لمدة 30 دقيقة للمرة الأولى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، وذلك بعد أن هوى المؤشر «إي. جي. إكس 100» بنسبة 5%، وسجل المؤشر الرئيسي أكبر نزول يومي منذ سبتمبر 2018. موجة الخسائر هذه لم تتوقف عند أول جلسة فقط، فرغم هدوء الشارع استمر التوتر بالبورصة، ليصل مجموع خسائر الجلسات الثلاثة الأولى من هذا الأسبوع نحو 10.7%، ويفقد رأس المال السوقي نحو 65 مليار جنيه.

مؤشر EGX 100 – موقع البورصة المصرية

مبيعات عنيفة وإغلاق المراكز المالية للأفراد المستثمرين بالسوق، وهروب للأجانب، وإيقاف عشرات الأسهم لتجاوز نسبة الهبوط، بدأ هذا المسلسل واستمر منذ الدقيقة الأولى لتداولات الأسبوع الجاري، بالرغم من عودة الهدوء إلى الشارع، بينما لم تهدأ البورصة، فما مبرر هذا الهبوط؟ وهل تراجع البورصة له أسباب أخرى غير الاحتجاجات؟ وهل السوق المصري أصبح هشًّا للدرجة التي تجعله يبالغ في ردة فعله على أحداث ربما ليست بهذه الضخامة؟

السعودية وتركيا وقطر.. أزمات أكبر وهبوط أقل

قبل الحديث تفصيلًا عن الوضع في البورصة المصرية، يجب أن نوضح أكثر لماذا يمكن عد رد فعل السوق مبالغًا فيه، وذلك من خلال المقارنة بين رد فعل بعض أسواق المال في المنطقة في أزمات يمكن وصفها بأنها أكبر وزنًا من الاحتجاجات التي مرت بها مصر الجمعة الماضية، وذلك مثل هجمات «أرامكو» السعودية، ومقتل الصحفي السعودي خاشقجي، والعقوبات الأمريكية على تركيا، وكذلك قطع العلاقات الدبلوماسية.

ولم تشهد أي من البورصات الثلاثة – السعودية وتركيا وقطر- إيقافًا للتداول بسبب تجاوز نسبة الهبوط خلال الأحداث المذكورة رغم ضخامتها، وآخر هذه الأحداث الهجمات التي تعرضت لها «أرامكو» السعودية، والتي يمكن القول إنها تسببت في كارثة للقطاع النفطي السعودي، تسببت في وقف أكثر من نصف إنتاج أكبر مصدر للنفط في العالم، وبالتالي أوقفت 5% من إمدادات النفط عالميًّا.

ولكن رغم حجم هذه الأزمة، لم تتأثر البورصة السعودية تأثرًا كبيرًا؛ فالمؤشر الرئيسي فقد 1.1% فقط خلال الجلسة الأولى بعد الهجمات في 15 سبتمبر (أيلول) الجاري، بينما في ثاني الجلسات في يوم 16 من الشهر نفسه، تمكنت البورصة من تجاوز الأزمة وأغلق المؤشر الرئيسي 1%.

واستمرارًا مع السعودية، وتحديدًا في أكتوبر (تشرين الأول) 2018، عندما قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل سفارة بلاده في تركيا، ظل المؤشر السعودي متماسكًا إلى حد ما، خلال سبع جلسات لينهار بعدها ويهبط هبوطًا حادًّا خلال الجلسة التاسعة، وتحديدًا في 14 أكتوبر 2018، إذ هبط مؤشر البورصة السعودية 7% مسجلًا أكبر خسائره منذ ديسمبر (كانون الأول) 2014، لتصل الخسائر خلال تسع جلسات إلى نحو 9.5%، وهي خسارة أقل من تلك التي سجلها المؤشر المصري في ثلاثة أيام فقط.

أما في قطر، وخلال أسبوع قطع العلاقات الدبلوماسية من جانب السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر، للدوحة في 5 يونيو (حزيران) 2017، شهد المؤشر العام للبورصة تراجعًا نسبته 7.06% خلال أربع جلسات من التداولات، بينما أنهى الاتجاه الهابط  خلال جلسة 8 يونيو 2017، وأُغلق المؤشر مرتفعًا بنسبة  3.04%.

وفي تركيا خلال شهر أغسطس (آب) 2018، عندما فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على أنقرة، تراجع المؤشر التركي بقوة خلال خمس جلسات ليفقد نحو 10.3%، لكنها أيضًا نسبة أقل من هبوط المؤشر المصري في ثلاث جلسات فقط، إذن بالنظر إلى الأرقام السابقة، ومقارنة بما حدث في مصر، بات واضحًا أن بورصة مصر تبالغ في تعاملها مع الاحتجاجات بالفعل، لكن هل هناك أسباب أخرى؟

كيف أثرت احتجاجات الجمعة على البورصة المصرية؟

مع نهاية أولى جلسات هذا الأسبوع، وصف محللون رد فعل السوق المصري بالمبالغ فيه، إذ تحدث البعض بأن السوق يتعرض لانتهاز مؤسسات المال الأجنبية، فبحسب ما قالت، رانيا يعقوب، رئيسة مجلس إدارة «ثري واي» لتداول الأوراق المالية، لوكالة «رويترز» فإنه هبوط غير مبرر، وهو تراجع يحكمه الأفراد وليس المؤسسات، مشيرة إلى أنه في حال كان هناك أي تخوفات أمنية أو سياسية سيكون  البيع من المؤسسات، وليس الأفراد.

المؤشر الرئيسي EGX 30 – موقع البورصة المصرية

وهذه المؤشرات الموجودة على موقع البورصة المصرية توضح فئات المستثمرين في السوق حتى بداية جلسة اليوم:

فئات المستثمرين – موقع البورصة المصرية

وتقول، رضوى السويفي، رئيس قسم البحوث في بنك الاستثمار «فاروس»، إن المؤسسات المالية ستنتهز فرصة التراجعات وستبني مراكز شرائية في الأسهم، موضحة أن: «ما يحدث نتيجة إغلاق المراكز المالية للأفراد المستثمرين بالسوق»، لكن هذا الأمر كان خلال جلسات الأحد والاثنين، وهذا الأمر اختلف أمس.

فبحسب بيانات البورصة فإن صافي مبيعات المستثمرين الأجانب من الأسهم المصرية بلغ 776.8 مليون جنيه مصري، إذ تقول، ألين سانديب، مدير البحوث لدى «نعيم القابضة» تعليقًا على جلسة أمس: «انطلقت موجة البيع بقيادة الأجانب، الذين باعوا أسهمًا أكثر مما اشتروا، وشكلوا 27% من إجمالي قيم التداول، موضحه أن ذلك جاء وسط تكهنات بأن الاحتجاجات ستتصاعد».

ما الأسباب الحقيقية لهبوط البورصة المصرية؟

من الواضح أن الاحتجاجات كشفت فقط عن الأزمة التي تعيشها البورصة المصرية، فهبوط السوق حاليًا لا يعود إلى الاحتجاجات فقط، بل يمكن القول بأن الاحتجاجات أججت الوضع فقط، خاصة في ظل التوقعات بأن البلاد قد تشهد مزيدًا من التوترات السياسية الفترة القادمة، لكن ما أسباب الهبوط الحقيقية؟

توضح هذه البيانات التاريخية المنشورة على موقع البورصة المصرية أن هناك خللًا واضحًا في أداء البورصة، على مستوى حجم التداول، سواء قيمة أو كمية، بالإضافة إلى عدد الشركات المقيدة والمتداولة:


 موقع البورصة المصرية

وكانت «جمعية رجال الأعمال المصريين» قد عقدت قبل شهرين مناقشة مفتوحة، لتناول أسباب تراجع البورصة ونتائجها تحت عنوان «الوضع الحالي للبورصة المصرية.. الأسباب والنتائج»، وخلصت المناقشة إلى أن البورصة المصرية تمر بمرحلة من الأداء السيئ إذ قال، هاني توفيق، محلل سوق المال، والرئيس السابق للجمعيتين المصرية والعربية للاستثمار المباشر، إن الأداء السيئ للبورصة المصرية خلال الفترة الماضية يعود في الأصل لمشاكل داخلية متعلقة بالبورصة.

وأوضح توفيق، أن الضرائب والرسوم والأتعاب للبورصة وهيئة الرقابة المالية ومصر للمقاصة، ساهموا في تدهور أداء البورصة، بالإضافة إلى عدم تنوع الشركات وآليات التداول، لكنه يرى أن ما تمر به البورصة عرض وليس مرضًا.

ويشار إلى أن البورصة المصرية تعد ثالث أقدم بورصة في العالم، وأول بورصة في الشرق الأوسط، إذ تعود إلى عام 1883 عندما أنشئت بورصة الإسكندرية، ثم بورصة القاهرة عام 1903، وذلك بعد بورصتي نيويورك ولندن، لكنها حققت طفرة كبيرة مع بداية الألفية الحالية، وخاصة أعوام 2004 و2005 و2007، إذ سجلت تعاملات المستثمرين الأجانب في 2005 صافي شراء 6.5 مليار جنيه، ووصلت إلى الذروة في 2007  بنحو 8 مليار جنيه.

وحتى الآن يعد 2007، أحد أفضل أعوام البورصة المصرية من ناحية الأداء، إذ ارتفع مؤشر السوق الرئيسي أكثر من 50%، ووصل متوسط التداولات اليومية لنحو 1.4 مليار جنيه، ولكن مع ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، توقفت التداولات في البورصة لمدة 38 جلسة، ومنذ ذلك الحين تواصل البورصة نزيف النقاط.

وتراجعت مساهمات البورصة في الاقتصاد بصورة واضحة، بحسب المحللين، إذ تراجعت نسبة رأس المال السوقي لشركات البورصة المصرية في الناتج المحلى الإجمالي لنحو 19% بقيمة 42 مليار دولار، حجم رؤوس الأموال المدرجة بالبورصة، وذلك في الوقت الذي تصل فيه النسبة في بعض الأسواق المجاورة إلى 66% و85% و63% و330%، لكل من السعودية، وقطر، والإمارات، وجنوب أفريقيا، على التوالي.

ويشير توفيق، إلى تدهور عدد الشركات المتداولة حاليًا بنسبة 75% منذ عام 2000 وحتى الآن، وذلك من 1071 شركة مقابل 250 شركة حاليًا، بينما بلغ حجم التداول اليومي عام 2004 نحو ملياري جنيه بما يعادل  400 مليون دولار يوميًّا، بينما يصل حجم التداول إلى 20 مليون دولار الآن، وكان عدد المتداولين يصل لنحو 300 ألف مستثمر نشط، بينما الآن لا يتجاوز 4 آلاف مستثمر نشط.

يشار إلى أن «ساسة بوست» سبق وأن أجرى حديثًا مطولًا مع محمد شعراوي، الأكاديمي المصري، ورئيس قطاع التدريب بشركة «بايونيرز» لتداول الأوراق المالية، حول أسباب التدهور الكبير في مؤشرات البورصة، وخلص الحديث آنذاك إلى تحديد خمسة أسباب رئيسة، وهي: إلغاء الإعفاء الضريبي، وتأخر الطروحات الحكومية، وارتفاع سعر الفائدة، وسوء إدارة السوق، والبيروقراطية، وعرقلة الصفقات.

هل انفصلت البورصة المصرية عن الواقع؟

في الوقت الذي يتحدث الاقتصاديون عن أن البورصات هي مرآة الاقتصاد وشريانه، لا يتطابق هذا الأمر بشكل ما مع الحالة المصرية، إذ يمكن عد السوق منفصلًا عن الواقع انفصالًا كبيرًا؛ فخلال الأشهر الماضية أعلنت الحكومة تحسنًا في كثير من المؤشرات الرئيسية، ولكن لم تتأثر البورصة إيجابيًّا بهذه المؤشرات، بينما بالغت في ردة فعلها مع أول حدث سلبي في الأشهر الأخيرة.

ويرى محللون أن البورصة المصرية لا تعكس أداء اقتصاد، وذلك لضعف عدد الشركات المدرجة وتضاؤل نسبة مساهمتها في الاقتصاد، وانخفاض حجم رأس المال السوقي للبورصة، نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، ففي الوقت الذي نجد فيه عشرات الشركات فقط مدرجة بالبورصة، هناك عشرات الآلاف العاملة في البلاد، وهو ما لا يجعل فكرة المرآة في مصر منطقية.

أخيرًا يبقى السؤال، هل تستمر هذه الأوضاع في التدهور لمدة أطول؟ يرى إبراهيم حسني، خبير أسواق المال، أن الأوضاع الحالية لسوق المال قد تستمر لفترة طويلة، مشيرًا إلى أن بيع الأجانب المكثف، يوضح أن كثيرًا من المستثمرين يرجحون تغييرًا في سياسات الدولة، في الفترة القادمة، وليس التغيير بالضرورة في الأشخاص.

وقال حسني لـ«ساسة بوست» إن «التأثير واضح بشدة في القطاع العقاري، وهو القطاع الذي تستثمر فيه الدولة استثمارًا كبيرًا الآن، وهو ما يزيد من المخاوف المرتبطة بالقطاع، بينما تأخر ظهور التأثير في البنوك إلى ثالث جلسة بعد الاحتجاجات، ربما يشير إلى ظهور معلومات جديدة لمتخذي القرار».

5 أسباب تشرح لك.. لماذا تواصل مؤشرات البورصة المصرية النزيف؟

المصادر

تحميل المزيد