اندلعت، أول أمس، أعمال عنف في مناطق بشرق الجزائر، بعد سلسلة من الإضرابات قام بها التجار؛ احتجاجًا على الزيادة في الأسعار التي جاءت في قانون المالية الجديد. وقال وزير الداخلية الجزائري، أحمد بدوي، إن الدولة «سترد بيد من حديد على الجهات التي قامت بتخريب الممتلكات العمومية والخاصة».

ووصف بدوي الإضرابات التي تعرفها المنطقة، بـ«السلوك غير الحضاري»، وأن ما حدث هو «فرض رأي بالقوة والعنف»، متهمًا جهات خارجية بالوقوف وراء هذا الإضراب، مفندًا في تصريحه الذي نقلته يومية الخبر، ربط الإضراب بما جاء به قانون المالية الجديد، الذي حافظ على القدرة الشرائية للمواطن، حسبه.

وكانت جهات مجهولة، عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، قد دعت في الأيام الماضية التجار في منطقة القبائل (ولايات تيزي وزو، بومرداس، البويرة وبجاية) إلى غلق المحلات التجارية، والوقوف ضد الزيادات في الأسعار التي جاء به قانون المالية الجديد 2017.

قانون المالية يفجر الوضع

وتأتي هذه الاحتجاجات بعد مجموعة من القيود والإجراءات التي جاء بها قانون المالية الجديد، وخلال العامين الأخيرين حدثت ضجة كبيرة في الرأي العام الجزائري، بخصوص ما يحمله القانون من سياسة تقشف، وتدني للقدرة الشرائية للمواطن الجزائري، فالسلطة من خلال الوزير الأول، صرحت مع نهاية العام، عبر حصة خاصة بالتلفزيون الحكومي، أن السلطات تحاول ترشيد النفقات، ولن يكون هناك تقشف، وأضاف بأن سياسة التقشف ستلقي بالفوضى إلى الشارع.

https://youtu.be/HBQDXvBfFuQ

في المقابل، ترفض المعارضة ككل مرة، القانون الذي تعده الحكومة، وتقوم الأغلبية البرلمانية بالمصادقة عليه، ويمضيه رئيس البلاد مع نهاية كل سنة، وتقول أحزاب المعارضة بأن الحكومة خضعت لشروط رجال الأعمال، هذه الفئة التي تحاول السيطرة على الحكم بعد مرحلة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

ويحمل قانون المالية مجموعة من الزيادات في الأسعار من خلال رفع نسبة الرسم على القيمة المضافة للسلع، كما عرفت الضرائب على الأعمال التجارية إضافات هي الأخرى، ورفع في المواد الأساسية مثل البنزين، والفاكهة المستوردة، ورسوم استخراج الوثائق الإدارية.

وفي عام 2011، مع اندلاع الثورات العربية في عدد من الدول، شهدت الجزائر هي الأخرى احتجاجات عنيفة في عدد من المدن الجزائرية (العاصمة، تيبازة، بومرداس، البليدة، وهران، تيزي وزو)، لكنها سرعان ما خمدت بعد قرار حكومي بإنزال أسعار المواد الأساسية، وأطلق على الاحتجاجات «أحداث الزيت والسكر».

وتقول مصادر من الحكومة، إن رجل الأعمال يسعد ربراب، هو الذي رفع الأسعار، من أجل الضغط على الحكومة، عبر هذه الاحتجاجات، والحصول على امتيازات إضافية من الحكومة. ومعروف في البلاد، أن ربراب يحتكر إنتاج الزيت والسكر عبر مجمعه الصناعي سيفيتال، منذ سنوات.

ومن خلال تفحص مواقع الأحزاب السياسية والسياسيين بشكل عام، لم تنشر هذه الهيئات، بيانات أو تصريحات بخصوص ما يجري، واكتفى بعض السياسيين بنشر صور، تدعو لتوخي الحذر، والحفاظ على المكتسبات، والأملاك العمومية، في حين صنف عبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم «حمس»، القائمين بالعنف، والسلطة في نفس الجهة التي تعمل على تهديد الوطن، وتماسك وحدته، بمثل هذه الممارسات، وحمّل النظام السياسي مسؤولية ما يجري من فوضى.

سيناريو الزيت والسكر مكرر

وتمر اليوم خمس سنوات، على الأحداث التي أسالت الكثير من الحبر، وهي احتجاجات السكر والزيت التي اختفت كما بدأت في شوارع المدن، ومن دون سابق إنذار، وخلال كل هذه المدة، لم تقدم أي لجنة برلمانية أو أمنية نتائج التحقيق للرأي العام الجزائري حول ما جرى بالفعل، ومن كان وراء هذه الأحداث؟

ويقال إن أخطر الثورات هي ثورة الجياع، وهو ما تخشاه الحكومة الجزائرية مع كل احتجاجات اجتماعية، تتميز بالعفوية من المواطنين، خاصةً حول المواد الغذائية، والسكن، والبيروقراطية في الإدارة، وتعاملت السلطات الجزائرية منذ عقد من الزمن مع هذه الأحداث بسياسة شراء السلم الاجتماعي التي وفرتها مداخيل النفط الضخمة في السنوات الماضية.

ومع انخفاض أسعار النفط في السوق الدولية، سارعت الحكومة لرسم سياسة التقشف مع أواخر عام 2014، وهو ما يهدد الوضع الاجتماعي، ويصعب من مهام السلطة في شراء السلم الاجتماعي المطبق منذ سنوات. وهو ما دفع مدير ديوان رئيس البلاد أحمد أويحيى لقول: «إذا انهار النظام سندفع الثمن جميعًا، ولن تدفع السلطة وحدها الثّمن».

وتقول وسائل إعلام محلية، إنّ أحداث الزيت والسكر، مهدت لقيام ربيع عربي في الجزائر، ولعل تزامن الأحداث مع اندلاع نفس الاحتجاجات في تونس، وسقوط نظام بن علي، ونفس الأمر في بلدان عربية أخرى، هو ما فسّر التخوف والحذر الذي اتصفت به الحكومة في ذلك الوقت.

ولم تكن أحداث السكر والزيت هي الوحيدة التي تميزت بالعنف، فحتى ملاعب كرة القدم تحمل شعارات سياسية عديدة، مثل الحكومة حقارة، والسلطات مجرمة «le pouvoir assassin»، حيث تتكرر مشاهد العنف بين الشرطة، وأنصار كرة القدم، بالإضافة إلى الأحداث المؤلمة التي تميزت بها ولاية غرداية (الجنوب الجزائري)، والتي تحولت فيما بعد إلى صراع طائفي مشحون. ليعود إليها الأمن مع تسليم إدارة الولاية للمؤسسة العسكرية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد