ما إن اقتربت السفينة التي كان يركبها عالم النفس الشهير سيجموند فرويد من ميناء نيويورك، حتى التفت إلى كارل يونج تلميذه وصديقه آنذاك وهمس له، بينما يشير إلى الجماهير الغفيرة التي جاءت فرحة بقدومه ومرحبة به، قائلًا: «لا يعلمون أننا جئناهم بالطاعون».

كان ذلك في عام 1909 أثناء زيارة فرويد الأولى والأخيرة للولايات المتحدة، تلك الزيارة التي أورثته كرهًا عميقًا لهذه الدولة التي ألقى فيها خمس محاضرات على مدار خمسة أيام تحدث فيها عن نظريته في التحليل النفسي.

ولكن بدلًا من أن نناقش أسباب كره فرويد للولايات المتحدة وقراره بعدم تكرار هذه الزيارة إلى الأبد، سوف نتساءل عما قصده فرويد بالطاعون، أكان يقصد به نظريته في «التحليل النفسي» التي تركز على البحث في الدوافع الجنسية والرغبات المكبوتة باعتبارها مدخلًا لفهم النفس الإنسانية، أم أنه قصد أن إدراك البشر لما هم عليه حقًا وتشجيعهم للبحث عن دوافعهم الحقيقية التي إن بدا لهم بعضها بالطبع سيسؤهم، له تأثير مدمر كالطاعون، لأن نظرتهم لبعضهم البعض سوف تتغير إلى الأبد، وستظلل العلاقات الإنسانية غمامة دائمة  من الشك والريبة؟

فرويد ونظريته في «التحليل النفسي».. جدل لا ينتهي

يعتبر سيجموند فرويد واحدًا من أكثر الشخصيات إثارة للجدل على مدار التاريخ، ليس لغرابة أطواره وهوسه الشديد بالجنس واعتباره مفسرًا لكل شيء فحسب، ولكن بسبب نظريته المثيرة للجدل والتي غيرت نظرة الإنسان لكل شي تقريبًا، ابتداء من الفن والأدب وحتى العلاقات الإنسانية.

Embed from Getty Images

صورة تضم كارل يونج وفرويد بجامعة كلارك بأمريكا

وعلى الرغم من كثرة الآراء المتباينة حول فرويد ونظريته، إلا أنه قد اتُفق على كونه الأب الروحي لعلم النفس الحديث، ذلك العلم الذي يهتم بدراسة الأمراض والاضطرابات العقلية والسلوكيات غير الطبيعية عند البعض، وكذلك مراحل التطور العقلي عند الأفراد.

سيخبرك محبو فرويد بأنه لولاه لما شهد مجال الطب النفسي هذا التطور الكبير الذي يشهده في العصر الحالي. فسيجموند فرويد هو أحد أوائل العلماء الذين اهتموا بدراسة العقل الإنساني باعتباره مجموعة من الأنشطة المختلفة مركزها المخ وتؤثر على شعورنا وطريقة تعاملنا مع الأشياء وإدراكنا لها.

ولم تقتصر إسهامات فرويد العديدة عند هذا الحد، بل أن بعض أساليبه المتبعة للتحليل النفسي – مثل التداعي الحر – ما زالت أسلوبًا فعالًا ومعمولًا به حتى يومنا هذا.

أما المعارضون، فسوف يؤكدون على أن نظرية فرويد في التحليل النفسي، قد أضحت بالية وغير ذات قيمة وذلك لأنها – وفقًا لرأيهم – قد أثبتت عدم صحتها عدة مرات. وستجدهم أيضًا يتنقدون تحيزه الواضح ضد النساء، وكذلك تكبره وعجرفته وعدم تقبله الرأي الآخر، والذي جعل من تلامذته المخلصين ألد أعدائه (كارل يونج خير مثال على ذلك).

وسواء أكنت تميل إلى رأي المؤيدين أو المعارضين؛ عليك أن تعلم أن كلا الفريقين لا يمكنهما إنكار التأثير العميق الذي أحدثته نظرية فرويد في التحليلي النفسي على العالم الغربي على وجه الخصوص والإنسانية جمعاء على وجه العموم.

طاعون.. أثر «التحليل النفسي» على العالم

«أهم ما في التحليل النفسي هو أنه جعل الناس يدركون  – أخيرًا – أن كل ما تحدثوا به لقرون طويلة كان مجرد هراء» *المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان

لنتخيل أن النفس البشرية تشبه البصلة في تكوينها، فهي – مثلها تمامًا – مكونة من طبقات إذا أزلت إحداها ستجد طبقة أخرى كانت تغطيها الطبقة التي أزلتها، وهكذا. ربما يكون هذا هو التشبيه الأقرب للنفس الإنسانية من وجهة نظر فرويد، فالقشرة الخارجية بالنسبة إليه لم تكن بنفس أهمية الطبقات التي تليها والتي نظن أنها غير موجودة لأننا – فقط – لا نراها.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
كارل يونج وفرويد.. «صداقة العلم» لم تستمر بسبب مشاكل شخصيّة!

بالنسبة إلى فرويد، تترسب في تلك الطبقات المخفية (ما يسميه اللاوعي) في نفوسنا ذكريات طفولتنا البعيدة ومشاعرنا ورغباتنا المكبوتة، والتي يدور أغلبها حول الجنس. وهو بهذه الطريقة قد استطاع أن يُحدث تغييرًا جذريًا في نظرتنا لطفولتنا، وشخصياتنا الحقيقية، وأحلامنا، وخيالاتنا، وحتى عن ميولنا الجنسية.

أما عن نظرتنا تجاه الآخرين، فلا شك أنها قد طالها ذلك التغير الذي طرأ على نظرتنا لأنفسنا وداوفعنا الحقيقية، فستجد البعض يتساءل عما يخفيه ذلك المظهر المتغطرس أو حتى المواضع للشخص الذي أمامه، وسينتابه الكثير من الفضول للكشف عن شخصيته الحقيقية، وبالتالي سيولي اهتمامًا كبيرًا لتصرفات هذا الشخص، ويضع تفسيرًا لكل تصرفاته وحتى زلات لسانه لن تسلم من هذا الأمر.

يعتقد فرويد أن لفلتات اللسان والأفعال غير المقصودة ما يفسرها، فهي – من وجهة نظره – «أفعال نفسية لها معنى ومصحوبة بنية»، فالأفعال الطائشة والنسيان غير المبرر للأسماء – على سبيل المثال – وإبدالها بأخرى هي أفعال تخون وتفضح أسرار الشخص الأكثر حميمية.

وبالتالي، قد ينتاب أحدهم شيئًا من الريبة إن نادته إحداهن باسم حبيبها السابق عن طريق الخطأ، أو قد يُهاجم الشك آخر إن نادته حبيبته عرضًا «أبي»، وربما تقفز لذهنه عقدة إلكترا ويظن أن لهذه الفتاة ميول مكبوتة تجاه والدها، وقس على ذلك العديد والعديد من الأمثلة المرتبطة بالتفوه بكلمات غير مقصودة أو القيام بحركات لا إرادية. وهكذا، يجد الإنسان نفسه بداخل دوامة من الشك والريبة وعدم الارتياح في التعامل مع الآخرين.

ليست العلاقات الشخصية فقط.. زلات لسان تضع ساسة وقادة في مواقف حرجة

في عام 2004، وحين كانت كونداليزا رايس تشغل منصب مستشارة الأمن القومي الأمريكي، تحدثت عن أمر كان يستشيرها فيه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش قائلة: «كما أخبرت زوجي.. أقصد كما أخبرت الرئيس بوش». ولما لم تكن كوندوليزا متزوجة في ذلك الوقت، ونظرًا لقربها الشديد من جورج بوش؛ فقد انتشرت الأخبار في الصحف في اليوم التالي عن وجود حب غير متبادل من طرف كوندوليزا للرئيس الأمريكي عبرت عنه زلة لسانها حين قالت «زوجي» بدلًا من «الرئيس».

ولم تكن كونداليزا رايس هي الشخصية السياسية الوحيدة التي وُضعت في هذا الموقف الحرج بسبب زلات لسانها، فقد سبقت هذه الحادثة حادثة أخرى شهيرة حين قام السيناتور تيد كينيدي بعمل حركة عفوية أثناء أحد خطاباته فُسرت وقتها على أنها تحمل إشارة جنسية تفضح ما كان يدور وقتها في عقل السيناتور.

أيضًا، في عام 1988 تفوه جورج دبليو بوش بالخطأ، حين كان يشغل منصب نائب الرئيس، بكلمة «الجنس (sex)» بدلًا من أن كلمة «نكسات (setbacks)» في خطابه الذي أُذيع مباشرة على التلفاز. وعلى الرغم من أن مشوار بوش السياسي قد انتهى منذ فترة، إلا أن تلك الزلة ما زالت تُذكر حتى الآن.

Embed from Getty Images

السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو هل كشفت زلات اللسان هذه عن ما يخفيه هؤلاء السياسيون في أعماقهم حقًا، وهل لازال اعتقاد فرويد قائمًا حتى وقتنا هذا لدرجة أن تنشغل به الصحافة والرأي العام؟

ردًا على هذا السؤال تقول الكاتبة جينا بينكوت في مقال لها أن الناس يخطئون في نطق كلمة أو كلمتين من كل ألف كلمة، أي أن معدل زلات اللسان للشخص في اليوم الواحد يتراوح ما بين  سبعة إلى 22 مرة. ولكننا لا يمكننا أن نعتبر أن كل هذه الزلات معبرة عن ما يدور في لا وعينا لأن بعضها يكون بسبب عدم التذكر أو أية مشاكل لغوية أخرى.

وعلى الجانب الآخر، دعمت بعض الدراسات وجهة نظر فرويد القائلة بأن الأفكار المقموعة في لا وعينا تزيد من احتمالية تفوهنا بها علنًا في صورة زلة لسان. كما قد كشفت دراسة أُجريت في جامعة هارفارد على أن الناس يكونون أكثر عرضة للتفوه – عن طريق الخطأ – بما يدور داخل أنفسهم من أفكار وآراء ومشاعر يخافون من قولها في العلن وأن قمع الإنسان لفكرة ما يتناسب طرديًا مع احتمالية تفوههم بها عن طريق الخطأ.

وعلى الرغم من كثرة الأسئلة المثارة حول نظرية «التحليل النفسي» لسيجموند فرويد، يبقى السؤال الأهم والأبرز وهو هل جاءنا فرويد حقًا بالطاعون؟

علوم

منذ 11 شهر
قوة الخرافة.. لماذا يؤمن كل البشر بأشياء غير قابلة للتصديق؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد