17,011

هل يمكن أن تدفع مُجرَّد «لعبة» أطفالًا ومراهقين إلى الانتحار؟ هذا حقًّا ما تفعله لعبة «الحوت الأزرق»، التي تستخدم أساليب ونظريات نفسية متعددة، تتضمن: «التأثير بالإيحاء» و«الطاعة للسلطة»، تدفع إلى تلك النهاية السوداء عشرات الأطفال والمراهقين من دول مختلفة في العالم.

ما قصة لعبة «الحوت الأزرق» التي تسببت في انتحار العشرات؟

في عام 2013، وبعد خمس سنوات من التفكير في الأمر، اخترع الشاب الروسي فيليب بوديكين (21 عامًا) لعبة تحمل اسم «الحوت الأزرق» تعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأت في الظهور من خلال مجموعة أنشأها بودكين على موقع التواصل الاجتماعي الروسي «VK»، ثم انتقلت تباعًا إلى مواقع تواصل اجتماعي أخرى مثل «فيسبوك» و«إنستجرام» وغيرهما من المنصات الاجتماعية الأخرى، وقد كشف الشاب الروسي مخترع اللعبة عن نواياه المريضة التي يريد تحقيقها من خلالها، إذ أفاد بأنّ غرضه من إنشائها هو «تطهير المجتمع من النفايات البيلوجية عديمة الجدوى» بالانتحار.

وتجدر الإشارة إلى أن الحوت الأزرق «لعبة اجتماعية» تعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي التي يجتذب من خلالها المجرم ضحاياه، وليست تطبيقًا مُستقلًا يمكن تحميله على الهواتف الذكية، وتعتمد اعتمادًا كبيرًا على جانب السرية، فيتصيّد المجرم ضحاياه، ثم يضيفهم إلى مجموعات سرية على المنصات الاجتماعية، ويجمع معلومات شخصية عن ضحاياه تُساعده في مهماته لاحقًا، وفي ابتزاز الضحية بإيذاء المقربين منه لو لم يمتثل للأوامر.

وتعتمد اللعبة على 50 مرحلة يُرشدك إليها «موجِّه» ويتتبع تنفيذك لها، ومن ثم يبدأ في تهديدك  إذا لم تمتثل لتعليماته، وتبدأ اللعبة عادة برسم حوت بآلة حادة على ذراعك، وتصويرها وإرسالها للموجِّه، وتنتهي المرحلة الخمسين بالانتحار، وبين أول مرحلة وآخر مرحلة، تتضمَّن مراحل تشمل الاستيقاظ في أوقات متأخرة ليلًا بعيدًا عن الوالدين، ومشاهدة أفلام رُعب تتضمَّن صراخًا ودماءً وقتلًا، والوقوف على سطح عالٍ، والاستماع لموسيقى كئيبة، وغيرها من الأمور المشابهة التي تدفع الضحية نحو الاكتئاب والانهيار النفسي.

ويعمل الموجّه على الحفاظ عل سريَّة الأمر، وبالطبع عدم إفصاح الضحية عن ممارستها للعبة من خلال تهديد الضحية بإيذاء والديها أو المقربين منها إذا أفصحت عن ممارستها اللعبة، ويمتدّ ذلك التهديد إلى المرحلة الأخيرة بوضع الضحية بين خيارين إما أن تنتحر، وأما أن يقتل الموجه والديك، مؤكّدًا قدرته على ذلك من خلال الإشارة إلى معرفته عنوان المنزل وغيره من المعلومات الشخصية المتوفر معظمها على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد دفعت اللعبة عشرات الأطفال والمراهقين إلى الانتحار، بينهم 130 في روسيا، وامتد عداد الضحايا أيضًا إلى بريطانيا، وعدد من الدول العربية، تتضمن: السعودية، والكويت، ومصر، والجزائر، التي كان لها الحصيلة الأكبر عربيًّا، بوقوع خمس ضحايا انتحار بسبب لعبة الحوت الأزرق.

وقد حُبس بوديكين مخترع اللعبة في روسيا، منذ سنوات، بتهمة التحريض على الانتحار، فيما لا يزال غيره من «الموجّهين» طُلقاء، وتحاول الشرطة إلقاء القبض عليهم. في الأسطر القادمة سنرصد أربعة تأثيرات نفسيّة يستخدمها القائمون على اللّعبة، وكيف يستعملونها للإيقاع بضحاياها في فخ الانتحار.

1- التأثير بالإيحاء

كيف يمكن للعبة أن تؤدي إلى الانتحار؟ هذا هو السؤال الذي يشغل كثيرين، ويثير استغرابهم، والأمر يرجع إلى العديد من العوامل والتأثيرات النفسية التي تدفع بالضحية إلى تلك النهاية المأساوية، من بين هذه التأثيرات النفسية، هو ما يُعرف بــ«التأثير بالإيحاء» أي «التتبع اللا إرادي لأفكار الآخرين»، أو «القبول غير المنطقي أو غير المقصود لأفكار الآخرين»، فهذا القبول إذا نتج من مناقشة وجدال مُتعمّد لا يُعد «إيحاءً».

وعند ربط مكوّنات الإيحاء، بطبيعة مكونات اللعبة تجدها متقاربة؛ إذ تتضمن تلك المكونات الواجب حدوثها لتحقيق عملية التأثير بالإيحاء: عملية بين شخصين، الأوّل: مُرسل للأفكار (الموجّه)، والثاني: مُستقبِل لها (ضحية)، وتكون تلك العملية غير إرادية على مُستقبِل الأفكار (الضحية)، كما تكون مقصودة من المُرسل (الموجه)، ويستقبل الضحية تلك الأفكار على أنها أتت من داخله وليست من أي مصدر خارجي، ولا يوجد أرضية منطقية كافية لقبول المستقبِل (الضحية) لهذه الأفكار. وتُساعد الأفكار والبيئة التي يعيش فيها الضحية خلال اللعبة على الوقوع تحت ذلك النوع من التأثير بالإيحاء.

2- طاعة السلطة

كيف يُمكن لضحايا لعبة الحوت الأزرق الامتثال ببساطة لأوامر المُوجّه الغريبة بجرح أيديهم، وإيذاء أنفسهم، وصولًا إلى الانتحار؟ الإجابة عن هذا السؤال تكمن في نظرية نفسية سيكولوجية، تعود إلى بداية الستينات، تحمل اسم «طاعة السلطة» وكشفت تلك التجربة إمكانية امتثال البشر لأوامر تُخالف معتقداتهم وأخلاقهم، تنفيذًا لأوامر السلطة.

ففي عام 1961، أجرى عالم النفس ستانلي ملجرام، تجربة حول ذلك الأمر تتضمَّن ثلاثة عناصر أساسية، وهي: أصحاب سلطة، يصدرون أوامرهم لأشخاص عاديين مشاركين في التجربة؛ لإيذاء آخرين، ويمتلك المشاركون في التجربة قدرة توجيه «صدمات كهربية» مُتصاعدة، بأمر السلطة إذا أخطأ الآخرون في الإجابة عن أسئلة مُعينة.

وكانت نتيجة تلك التجربة صادمة حقًّا؛ إذ وصل مُعظم المشاركين إلى توجيه أقصى صدمة كربائية بقوة 450 فولتًا، مع أنهم أظهروا في البداية عدم الرضا وبعض التوتر، ولكنهم استجابوا في النهاية إلى أمر السلطة، وتجدر الإشارة إلى أن تلك الصدمات كانت مُزيفة وهو ما لم يعلمه المشاركون، ولكن النتيجة هي الميل للاستجابة لأمر السلطة. السلطة في لعبة الحوت الأزرق يمثّلها الموجِّه في اللعبة، حتى وإن كان «الضحية» في اللعبة لا يقبل ذلك الأذى لنفسه، فإنه يستجيب لتلك الأوامر الغريبة من منطلق الميل النفسي لإطاعة السلطة، الذي مثلها الموجِّه في اللعبة.

3- تأثير الأغلبية

ما هو أطول خط من تلك الخطوط؟ الإجابة تبدو بديهية جدًا ولا تحتاج لأي تفكير، بالطبع الخط الثالث فوق حرف «C»، ولكن الأمر يبدو مختلفًا إذا ما أجمع من حولك أن الخط الأطول هو «B»، فستتردّد وتفكر في الإجابة عن هذا السؤال البديهي!

وهو ما درسه الدكتور آش، في خمسينيات القرن الماضي، ليقيس تأثير الأغلبية في آرائنا الشخصية وقناعتنا، عندما أجرى تجربة تحمل اسمه، أتى فيها بمبحوث وسط ممثلين متعاونين مع آش، أجمعوا على الإجابة الخاطئة، ليتردد المبحوث قبل الإدلاء بإجابته. وقد كشفت التجربة أن نسبة الخطأ في الإجابة عن هذا السؤال ترتفع من 1% إلى 75%، إذا أجمع المحيطون بك على إجابة خاطئة، مما يُشكّك الشخص في إدراكه الشخصي، وقدرته على مواجهة الأغلبية.

وهذا ما فعلته اللعبة من توفير بيئة وإجماع سائد في تلك المجموعة السرية على الأفكار الانتحارية، ويأتي حرص الموجّه على سرية اللعبة، وعدم الإفصاح بالأمر للوالدين، للحفاظ على ربط الضحية بتلك المجموعة التي تحمل أفكارًا خاطئة، وتجنب مواجهة الضحية بأفكار صحيحة تهدم تلك الأفكار الانتحارية عن طريق الوالدين أو المقربين، لتبقى الضحية أسيرة الأفكار السائدة في المجموعة السرية.

4- تأثير المطابقة

ويتعلق تأثير الأغلبية أيضًا بتأثير نفسي آخر يُعرف باسم تأثير «المطابقة»، وهذا نوع من التأثير الاجتماعي الذي يتضمن تغييرًا في الاعتقاد والسلوك لكي يتناسب مع الجماعة، ويأتي هذه التغيير نتيجة ضغط حقيقي أو خيالي من الجماعة.

وهو ما توفّره اللعبة، من خلال المجموعة السرية التي ينضمّ إليها الضحية، والتي تحتوي على أفكار انتحارية سائدة في مختلف أعضاء المجموعة، كذلك تحفيزات ومشجعات لمواصلة اللعب، ورفض وتهديد لكل من تسوّل له نفسه الانسحاب من اللعبة والخروج من المجموعة.

وبذلك فإن ضحايا الحوت الأزرق يقعون تحت ضغوط وتأثيرات نفسية خطيرة، ولا يكونون عادة في حالتهم النفسية الطبيعية، وهو ما يحتاج تدخّلًا عائليًّا، ومراقبة جيدة لما يفعله المراهقون والأطفال، بالأخص من خلال وسائل التكنولوجيا؛ حتى لا يقعوا ضحايا لتلك التأثيرات النفسية المصحوبة بالأفكار الانتحارية.