هذا ما تخلفه الانفجارات في نفوس الناجين منها

يجلس أحد الأشخاص في منزله أو في سيارته، يشعر أنه في مساحته الآمنة وملكيته الخاصة، وبمجرد أن يغلق هذا الإنسان باب السيارة أو المنزل، يغلفه إحساس بالطمأنينة، وفجأة، يلمح هذا الشخص سحابة كبيرة من الدخان تتصاعد، يمسك هاتفه ويبدأ في توثيق الحدث، ولكنه لا يدري أن هذه الأدخنة الكثيفة تعد هدوءًا يسبق العاصفة، فبعد ثوان، يدوي انفجار ضخم ويتناثر زجاج نافذته، ويسقط الهاتف من يده، ويبدأ في الصراخ بذعر. 

عربي  منذ شهر

ما الذي حدث في بيروت «المنكوبة»؟ 5 أسئلة تشرح تفاصيل الانفجار المروع

قبل ثوان قليلة، كان صوت هذا الشخص هادئًا مترقبًا، ثم أصبح مذعورًا وكأنه يواجه نهاية العالم؛ يسبب هذا الفزع المفاجئ صدمة نفسية أحيانًآ، خاصة لو كان هذا الشخص في مكان أقرب للانفجار وتعرض لإصابة جسدية.

في حوادث مثل انفجار بيروت الضخم، يكون التأثير النفسي على الناجين منها طويل المدى، ورغم خروجهم سالمين ظاهريًّا، إلا أن بعضهم ربما يتأثر بالحادث نفسيًّا للدرجة التي تستدعي الاستعانة بطبيب نفسي.

نخبرك في هذا التقرير عن الأسباب النفسية وراء تحول الناجي من حوادث الانفجار إلى ضحية نفسية، والأعراض التي يعاني منها، والوقت الذي يحتاج فيه لاستشارة الطبيب.

«لماذا نجوت أنا؟».. ما يشعر به الضحايا النفسيون للانفجارات

يعاني نفسيًّا الكثير من الناجين من الكوارث – ومنهم من يشهدون انفجارًا بالقرب من تواجدهم – في محاولة لاستيعاب الدمار والخسارة التي وقعت فجأة دون سابق إنذار، وتشير الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين إلى أنهم ربما يعيشون حياة طويلة من المرض النفسي إذا لم يخضعوا للإشراف النفسي بعد الحادثة.

وتوضح الجمعية الأمريكية أن التأثير النفسي الذي يتعرض له الناجي من الانفجار هو تأثير قوي لا يجب الاستهانة به، خاصة وإن كان هذا الانفجار ناتج عن حادث غير متوقع مثل الحوادث الصناعية، على عكس انفجارات الحروب التي تقع لدى مواطنين يتوقعون حدوثها في أي لحظة، ويجدون عدوًا واضحًا يستطيعون إلقاء اللوم عليه فيما يخص الغضب والذعر المحتدم بداخلهم.

أما الحوادث المفاجئة فيكون لوقعها أثر مختلف على نفس من ينجو منها، أو يشهدها عن قرب، ولفهم هذا الأثر أكثر، نجيب عن السؤال: كيف يشعر الناجي من الانفجار بعد وقوع الحادثة؟

تجيب دراسة علمية عن هذا السؤال بأن أول ما يسيطر على الناجي من الانفجار – أو من شهد الانفجار وشاهد وقوع الضحايا بعينه – هو الشعور اللاإرادي بالذنب، والسؤال الذي يتردد في ذهنه «لماذا نجوت أنا؟» بينما هلك الآخرون. هذا الشعور بالذنب يوّلد بداخله إحساسًا دائمًا بالإنذار، وكأن الكارثة ستلاحقة كأنه هرب منها، وأنه لا يستحق النجاة ويظل في نفسه إحساس بترقب وقوع مصيبة أو كارثة تقضي عليه وتؤذيه جسديًا.

تقول الدراسة، التي أجراها لارش فايست، أستاذ علم نفس الكوارث في جامعة أوسلو، إن هذا الشعور بالذنب الذي يسيطر على الناجي بمجرد الخروج من الحادثة سليمًا، يدفعه إلى التزام المنزل وعدم الرغبة في الاختلاط بالآخرين، خاصة ممن توفي أحد أفراد عائلتهم في الحادث، وهو امتداد للشعور بالذنب في نفسه، وكأنه لا يريد أن يلوح لهم بنجاته في حين أن أقاربهم قد هلكوا.

لا يعد البقاء في المنزل للضحية النفسية للانفجارات ملاذًا آمنًا بقدر كونه هروبًا أسهل، فوجوده في المنزل لن يقلل من الأضرار النفسية التي وقعت له بالفعل، وسقوط كوب من على المائدة أو صحن ليتكسر كافٍ لإثارة ذعره وزيادة ضربات قلبه، وربما يتعرض لأزمة تنفسية بسبب الصوت الناتج عن سقوط تلك الأشياء على الأرض.

وإذا حاول الضحية النفسية للانفجار أن يتعامل مع الآخرين أو اضطر لذلك، ستكون ردود أفعاله لا تقع تحت سيطرته، وقد يدفعه أبسط المواقف للغضب والبكاء الشديد أيا كان المكان المتواجد فيه، وكأن أعصابه ومشاعره تقف دائمًا على حافة الانهيار في انتظار دفعة بسيطة.

تظهر ردة فعل مختلفة لدى بعض الضحايا النفسيين، وهي الإنكار والتجاهل، وتكون أعراض هؤلاء أنهم يبدون أمام الآخرين وكأنهم لم يشهدوا هذا الانفجار، ويتجنبون الحديث عنه أو الذهاب لأي مكان يذكرهم بالواقعة، وربما يظن البعض أنه بخير وليس في حاجة لمساعدة، ولكن هذا الشخص يكون عبارة عن قنبلة نفسية موقوتة، ستنفجر في أي لحظة إن لم ينقب أحدهم عن الأثر النفسي لديه ويدفعه للحديث عنه، وفي تلك الحالة يجب أن يتعامل معه طبيب نفسي، حتى لا يتعرض هذا الشخص إلى انهيار عصبي.

توضح الطبيبة النفسية البريطانية، كريستينا جريجوري، أن الأطفال والمراهقين تكون ردة فعلهم مختلفة عند النجاة من الانفجار، فلن تكون أعراضهم واضحة مثل الناضجين، وربما يبدو الأطفال وكأنهم لا يتذكرون الحدث، بينما تعلن الصدمة عن نفسها من خلال الكوابيس غير المتعلقة بالانفجار، والخوف الشديد من الأشباح والظلام، والرسومات الحزينة والدموية، وآلام الجسد التي ليس لها سبب واضح، بينما يظهر على المراهقين الغضب الشديد في ردود أفعالهم، والتأخر الدراسي وعدم القدرة على التحصيل.

ماذا تفعل لو كنت ضحية نفسية للانفجارات؟

يجب استشارة معالج نفسي متخصص بعد النجاة من الانفجار أو مشاهدته عن قرب، ولكن إن لم يكن هذا الاختيار متاحًا، أو حالت عواقب أمام الضحية النفسية دون تنفيذه؛ تقدم الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين بعض النصائح للسيطرة قدر الإمكان على الأضرار النفسية الناتجة عن الحادث.

«لا تعزل نفسك»، تلك هي النصيحة الأهم للضحية النفسية، وذلك لأن التواصل الاجتماعي في هذا الوقت هو العامل الرئيسي لنجاح رحلة التعافي من تلك الصدمة، و يجب على الضحية النفسية للانفجار مشاركة مشاعر الخوف التي تسيطر عليه مع المقربين له، فليس معنى أنه نجا من الانفجار أنه ليس لديه الحق في الحديث عن معاناته، فهكذا يظن الناجي من الانفجار، بأن الآخرين ينظرون إليه على كونه محظوظًا ليس له حق الشكوى، لكن هذا ليس حقيقي فالأضرار النفسية التي يتعرض لها بسبب الحادث يكون تأثيرها كبير عليه، وقد تستمر مدى الحياة.

عربي  منذ شهر

انفجار بيروت بالصوت والصورة.. كيف عاش السكان لحظات الانفجار؟

الخطوة التالية التي يجب أن تتبعها الضحية النفسية للانفجارات هي البحث عن طريقة إيجابية لتقليل التوتر والمشاعر السلبية والابتعاد عن التفكير السلبي المتعلق بالموت والخسارة، ولذلك، فأي فعل إيجابي مثل قراءة الكتب أو سماع الموسيقى أو مشاهدة الأفلام؛ يساعد الضحية على التشتيت الإيجابي في هذه المرحلة، ويحذر الأطباء النفسيون من اللجوء إلى نوع من أنواع تخدير المشاعر عن طريق تناول الكحوليات أو تعاطي المخدرات؛ فتأثيرها سيكون أكثر سلبية.

يخلف الانفجار وراءه الكثير من الفوضى، ولا نعني الفوضى المادية المتمثلة في الأنقاض المتناثرة هنا وهناك، بل نعني الفوضى في نفوس الناجين، إذ يشعر الناجون من الانفجار وكأن العالم من حولها أصبح فوضويًّا، وهو ما يفقد الشخص قدرته على السيطرة على أمور حياته، وربما يكون هذا الإحساس بداية لطريق طويل من الاكتئاب والتشتت.

لذلك يجب على الضحية وضع روتين يومي وكتابته على ورقة وتعليقه على الحائط والالتزام به في فترة ما بعد الانفجار، سيكون هذا الروتين اليومي بمثابة الأرض الصلبة التي يقف عليها الضحية مذكرًا نفسه أنه يستطيع أن يسيطر على الفوضى الموجودة في نفسه.

هل يحتاج الناجون من الانفجار الدعم النفسي لفترة طويلة؟

يندرج الكثير من الناجين من الانفجارت المدوية أو من خرجوا بإصابة بسيطة تحت فئة المصابين باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وهو الاضطراب الذي يصاب به أيضًا الجنود العائدون من حروب دموية شهدوا فيها موت أصدقائهم.

لذلك، يحتاج الناجون من الانفجارات إلى الرعاية النفسية لفترة طويلة من الزمن، حتى يستعيدوا صحتهم النفسية ويتغلبوا على الآثار السلبية الأخرى المذكورة سابقًا.

عربي  منذ شهر

فيسك: كارثة بيروت ستعيش في الذاكرة طويلًا.. والخيانة المتكررة لمواطنيها مهزلة

إن لم يتم السيطرة على تلك الصدمة، ستظل الضحية تعاني من الأرق، ومشاكل في الذاكرة، وعدم القدرة على التركيز، والكوابيس، واضطراب القلق المزمن، وصعوبة التنفس عند اختبار أي موقف يثير التوتر، بالإضافة إلى عدم الثقة في النفس، وربما يتطور الأمر في التفكير الدائم في الموت ومعنى الحياة، الأمر الذي قد يقود إلى أفكار انتحارية.

في النهاية، يؤكد المعهد الوطني للصحة العقلية في الولايات المتحدة بأن ليس كل ناج من الانفجار يجب أن يكون بالضرورة ضحية نفسية، فهناك من يصاب باضطراب بعد الصدمة بعد أن يشهد انفجارًا، وهناك من يتعرض لاضطرابات نفسية بسيطة ومؤقتة بعد رؤيته للحادث، والشخص المعرض للاصابة باضطراب ما بعد الصدمة بعد نجاته من الانفجار هو الشخص الذي لديه عوامل نفسية تزيد من احتمالية إصابته بالاضطراب، مثل تعرضه السابق لأحداث خطيرة أو صدمات نفسية في سن الطفولة، أو إذا كان تعرض لخسارة مادية واضحة نتيجة الانفجار مثل فقدان عزيز، أو منزل أو أي ممتلكات تخصه بينما نجا هو، أو في حالة وجود تاريخ شخصي أو عائلي مع الأمراض النفسية أو تعاطي المخدرات.

انفجار بيروتصحةعلم النفسعلوملبنان

المصادر